د. عبد الفتاح الحميدي في حوار العبور:
خريطة طريق للانتصار في المعارك النفسية الصامتة واستعادة "الذات"
حاوره عطا درغام
"في زمن تسارعت فيه خطى الحياة، وأصبحت الضغوط اليومية شريكاً غير مرغوب فيه للإنسان المعاصر، باتت الحاجة إلى 'ملاذ نفسي آمن' ضرورة لا غنى عنها. اليوم، نحاور قامة علمية بارزة في عالم الطب النفسي وتطوير الذات؛ الدكتور عبد الفتاح الحميدي، استشاري العلاج النفسي ورئيس مركز 'ذات' الدولي. في هذا الحوار، لا نناقش المرض النفسي كعرض عابر، بل نغوص معه في كواليس 'المعارك الصامتة' التي يخوضها الإنسان ضد التفكير الزائد، الغضب، والإدمان الحديث، لنستكشف معاً الخريطة الطبية والنفسية للعبور نحو استقرار 'الذات'..."
المحور الأول: معركة «التفكير الزائد» والجسد المستجيب
🔹 السؤال 1: دكتور عبد الفتاح، تصف دائماً التفكير الزائد بأنه "معركة"، متى يتحول العقل من أداة للتفكير إلى عدو يُطلق النيران الصديقة على صاحبه؟
العقل ليس عدونا، بل المشكلة تبدأ عندما نستخدمه ضد أنفسنا. التفكير الطبيعي يساعدنا على الفهم واتخاذ القرار، أما التفكير الزائد فيجعل الإنسان يدور في الدائرة نفسها دون أن يصل إلى نتيجة.
يتحول التفكير إلى معركة عندما يصبح السؤال: ماذا لو؟ ماذا لو حدث الأسوأ؟ ماذا لو أخطأت؟ ماذا سيقول الناس؟ ثم يبدأ العقل بإعادة المشهد مئة مرة، وكأنه يحاول أن يجد أماناً في مكان لا يستطيع أن يضمنه. وهنا أقول دائماً: ليس كل ما تفكر فيه يحتاج إلى حل، وليس كل فكرة تستحق أن تصدقها. أحياناً يحتاج الإنسان أن يقول لعقله: "كفاية… فهمت الرسالة، والباقي سأتعامل معه عندما يحدث."
🔵السؤال 2: كيف يترجم الجسد "الخوف النفسي" إلى آلام عضوية حقيقية، وما العضو الأكثر تأثراً بالصدمات الصامتة؟
الجسد لا يكذب. عندما يشعر الإنسان بالخوف أو التهديد لفترة طويلة، يدخل الجهاز العصبي في حالة تأهب، وتتغير ضربات القلب والتنفس وتوتر العضلات ووظائف الجهاز الهضمي والنوم.
لذلك قد يشعر الإنسان بصداع، أو ألم في المعدة، أو شد عضلي، أو خفقان، أو ضيق في الصدر، رغم أن السبب قد يكون مرتبطاً بالضغط النفسي. لكن من المهم جداً ألا نقول للمريض: "كل شيء نفسي" بمجرد أن تكون تحاليله سليمة؛ لأن الألم حقيقي ويستحق التقييم الطبي. والجهاز الهضمي من أكثر الأجهزة التي تتأثر بالتوتر، وهناك علاقة قوية بين الدماغ والأمعاء. لذلك نقول للناس ببساطة: "القلب والعقل والمعدة أحياناً بيحكوا مع بعض.
🔵السؤال 3: ما هي الأكذوبة الأكبر التي يقنع بها مريض الـOverthinking نفسه كل يوم؟
أكبر كذبة هي: "إذا فكرت أكثر، سأسيطر أكثر. "الحقيقة أن التفكير الزائد لا يمنحنا دائماً السيطرة؛ أحياناً يمنحنا وهماً بالسيطرة ويستنزفنا في الوقت نفسه. المريض يقول: "أنا فقط أريد أن أتأكد." ثم يبدأ بالتأكد مرة، ومرتين، وعشر مرات… وفي النهاية لا يشعر بالاطمئنان. الطمأنينة ليست دائماً نتيجة المزيد من التفكير؛ أحياناً تأتي من قبول أن بعض الأمور في الحياة لا يمكن ضمانها بالكامل. ببساطة: مو كل باب لازم نفتحه، ومو كل احتمال لازم نعيشه قبل ما يصير.
🔵 السؤال 4: هل هناك ما يسمى "التفكير الزائد الإيجابي"، أم أن كل زيادة في التحليل هي خطوة نحو القلق؟
هناك فرق بين التفكير العميق والتفكير الزائد. أن تخطط لمشروع، أو تحلل مشكلة، أو تبحث عن حلول… هذا تفكير مفيد. أما أن تعيد الفكرة نفسها دون إنتاج قرار أو حل، فهذا استنزاف ذهني. إذن المشكلة ليست في كمية التفكير فقط، وإنما في نتيجته ووظيفته.
اسأل نفسك: هل هذا التفكير يقودني إلى خطوة؟ أم يجعلني أدور في مكاني؟.. إذا كان يقودك إلى قرار، فهو تفكير. وإذا كان يعيدك إلى الخوف نفسه كل مرة، فهنا نحن أمام دائرة تحتاج إلى كسر.
🔵 السؤال 5 لو طلبنا منك كتابة "روشتة مستعجلة" من ثلاث خطوات لإيقاف الضجيج داخل الرأس فوراً، ماذا تكتب؟
لن أعد الإنسان بأن ثلاث خطوات ستلغي القلق فوراً، لكن عند ارتفاع الضجيج الذهني يمكن أن نبدأ بثلاثة أشياء:
أولاً: أوقف الاسترسال.
قل لنفسك: "هذه فكرة وليست حقيقة."
ثانياً: أعد جسدك إلى الحاضر.
تنفس ببطء، أرخِ كتفيك، وانظر حولك وسمِّ الأشياء التي تراها وتسمعها.
ثالثاً: اسأل السؤال العملي:
"ما الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله الآن؟"
لا تحاول حل حياتك كلها في خمس دقائق.
حلّ خطوة واحدة… والباقي يأتي بوقته.
المحور الثاني: سيكولوجية الغضب والتحكم بالانفعالات
🔵السؤال 6: متى يتحول الغضب من "درع لحماية النفس" إلى "قنبلة موقوتة" تدمر العلاقات؟
الغضب بحد ذاته ليس مرضاً ولا عدواً. هو رسالة تقول: هناك شيء أزعجني، أو تجاوز حدودي، أو أشعر أنني مهدد.لكن المشكلة عندما يصبح الغضب هو اللغة الوحيدة للتعبير.عندما يبدأ الإنسان بالصراخ والإهانة والتهديد وكسر الأشياء أو إيذاء الآخرين، لم يعد الغضب يحميه؛ أصبح يدمره.والإنسان القوي ليس الذي لا يغضب، بل الذي يغضب دون أن يسمح لغضبه بأن يقوده.وأحياناً أجمل انتصار في لحظة الغضب هو أن تؤجل الرد. لأن كلمة واحدة قد تهدم علاقة عمرها سنوات.
🔵 السؤال 7: كيف يمكن لشهيق وزفير أن يساعدا أثناء نوبات الانفعال؟
عندما ننفعل بشدة، يتعامل الجسم مع الموقف وكأنه خطر، فيرتفع الاستثارة الجسدية ويصبح التفكير الهادئ أصعب.
التنفس البطيء والمنظم يساعد على تهدئة هذه الاستثارة وتنظيم الجهاز العصبي الذاتي، خصوصاً عندما يكون الزفير هادئاً وأطول نسبياً من الشهيق.لكن لا أريد أن نقدم التنفس كأنه "سحر". هو أداة من أدوات التنظيم الانفعالي، وليس علاجاً لكل مشكلة.
أحياناً قبل أن ترد على شخص وأنت غاضب، خذ نفساً… ليس لأنك ضعيف، بل لأنك لا تريد أن تجعل لحظة غضب تقرر عنك.
🔵السؤال 8: هل يعاقب الغاضب نفسه أولاً أم المحيطين به؟ وكيف نميز بين الغضب المرضي والغضب العابر؟
في الحقيقة قد يعاقب الاثنين.الغاضب قد يؤذي الآخرين بكلامه وتصرفاته، ثم يعود بعد أن يهدأ ليعيش الندم وتأنيب الضمير.
الغضب العابر مرتبط بموقف محدد وينتهي عندما ينتهي الموقف، أما عندما يصبح الغضب متكرراً، شديداً، غير متناسب مع الأسباب، ويؤثر على العلاقات والعمل والحياة اليومية، فهنا نحتاج إلى تقييم نفسي متخصص.وأقول دائماً: مو المشكلة أنك عصبت… المشكلة إذا صار كل شيء يستفزك.
🔵 السؤال 9: كيف يمارس الموظف الذكاء العاطفي عندما يتعرض لضغط يدفعه للانفجار؟
الذكاء العاطفي لا يعني أن تبتسم وأنت محترق من الداخل. معناه أن تعرف ماذا تشعر، ولماذا تشعر، وكيف تختار رد فعلك.عندما تتعرض للاستفزاز في العمل:
1. لا ترد فوراً وأنت في ذروة الانفعال.
2. خذ مسافة قصيرة إن أمكن.
3. سمِّ الشعور: أنا غاضب، محبط، أشعر بعدم التقدير.
4. ناقش السلوك والمشكلة، وليس شخصية الطرف الآخر.
5. ضع حدوداً واضحة ومحترمة
"أنا معترض على التصرف" أفضل كثيراً من "أنت إنسان سيئ".هذه هي المهنية الحقيقية.
🔵 السؤال 10: ما هي الكلمة السحرية التي يجب أن يقولها الإنسان لنفسه في "ثانية الصمت" التي تسبق رد الفعل الغاضب؟
: الكلمة التي أحب أن أقولها هي: "تمهّل." لأن الإنسان في لحظة الغضب لا يحتاج دائماً إلى رد أقوى؛ يحتاج إلى ثانية إضافية قبل الرد.
قل لنفسك: "تمهّل… لا تجعل لحظة تتحكم بعلاقة، ولا تجعل غضبك يكتب كلاماً ستضطر لاحقاً إلى الاعتذار عنه."
أحياناً الثانية التي نصمت فيها تنقذ سنوات من الندم.
المحور الثالث: مصيدة العصر.. الإدمان الرقمي والصحة النفسية
🔵 السؤال 11: هل ترى أن إدمان الشاشات ووسائل التواصل بات يهدد البشرية بشكل أعمق من الإدمان الكيميائي؟
لا أحب أن نقارن بهذه الطريقة ونقول إن أحدهما أخطر دائماً من الآخر؛ لأن الإدمان الكيميائي قد يحمل مخاطر صحية واجتماعية شديدة جداً.لكن الإشكالية في الاستخدام الرقمي القهري أنه دخل إلى كل بيت تقريباً، وأصبح أحياناً جزءاً من حياة الطفل والمراهق والبالغ طوال اليوم.المشكلة ليست في الهاتف نفسه، وإنما عندما يفقد الإنسان القدرة على التحكم في استخدامه، ويبدأ النوم والدراسة والعمل والعلاقات بالتراجع.الهاتف يجب أن يكون أداة في يد الإنسان، وليس الإنسان أداة في يد الهاتف.
السؤال 12: كيف تساهم منصات مثل تيك توك وإنستغرام في إعادة صياغة كيمياء الدوبامين لدى المراهقين؟
هنا يجب أن نكون دقيقين علمياً. لا أقول إن هذه المنصات "تعيد برمجة الدماغ" حرفياً، لكن تصميمها يعتمد على مكافآت سريعة ومتغيرة: مقطع جديد، إعجاب، تعليق، محتوى جديد… وهذا قد يعزز سلوك التحقق والتصفح المتكرر.
ومع الاستخدام المفرط، قد يعتاد بعض الشباب على الإثارة السريعة والتبديل المستمر، فيصبح النشاط الهادئ أقل جاذبية.
المشكلة ليست في الدوبامين نفسه؛ فهو مادة طبيعية وأساسية في الدماغ. المشكلة في نمط السلوك المتكرر والمكافآت السريعة عندما يصبح الاستخدام قهرياً.يعني باختصار: إذا تعوّد العقل على كل شيء سريع، قد يصبح الانتظار أصعب. ⏳
🔵 السؤال 13: "العزلة وسط الزحام".. كيف نفهم شعور الشباب بالوحدة رغم اتصالهم بالإنترنت طوال اليوم؟
لأن الاتصال ليس هو نفسه التواصل.قد يكون لديك ألف متابع، لكن ليس لديك شخص واحد تستطيع أن تقول له: "أنا متعب."
العلاقة الإنسانية تحتاج إلى حضور، إصغاء، أمان، مشاركة ومشاعر حقيقية. لذلك قد نجد شخصاً متصلاً بالإنترنت 24 ساعة، لكنه يشعر بأنه غير مفهوم أو غير مهم.نحن لا نحتاج فقط إلى شبكة إنترنت قوية؛ نحتاج أيضاً إلى شبكة إنسانية قوية.
🔵 السؤال 14: متى يجب على الآباء إعلان حالة الطوارئ النفسية بشأن سلوك أبنائهم الرقمي؟
عندما لا يعود الاستخدام مجرد هواية، بل يبدأ في تعطيل الحياة.
مثل: اضطراب النوم، تراجع الدراسة، الانسحاب من الأسرة، فقدان الاهتمام بالأنشطة السابقة، استخدام الهاتف لساعات طويلة رغم العواقب، الانفعال الشديد عند منعه، أو ظهور تغيرات واضحة في المزاج والسلوك.وهنا أقول للأهل: لا تبدأوا بالمعركة مع الهاتف… ابدأوا بالحوار مع ابنكم.اسألوه: "شو عم يعطيك الموبايل وما عم تلاقيه بحياتك؟"..أحياناً وراء الاستخدام المفرط احتياج نفسي يحتاج أن نفهمه قبل أن نحاول منعه.
السؤال 15: هل الديتوكس الرقمي رفاهية أم خطوة علاجية أساسية في مركز "ذات"؟
أنا أفضل أن نسميه تنظيماً للاستخدام الرقمي وليس وصفة واحدة تصلح للجميع.قد يستفيد بعض الأشخاص من فترات ابتعاد عن التطبيقات أو تحديد أوقات بلا هاتف، خصوصاً قبل النوم وأثناء الدراسة أو العمل.لكن إذا كان هناك استخدام قهري أو اضطراب نفسي مصاحب، فلا يكفي أن نقول للشخص: "اترك الموبايل." نحتاج إلى فهم الأسباب والعادات والمشاعر التي تدفعه للاستخدام.
الهاتف ليس المشكلة دائماً؛ أحياناً هو مجرد المسكن الذي نستخدمه للهروب من مشكلة أعمق.
المحور الرابع: رحلة الاستشفاء وتأهيل الصدمات الصعبة
🔵 السؤال 16: كيف ينجح الإنسان في إعادة ترميم ذاته بعد صدمة تكاد تنهي وجوده؟
التعافي من الصدمة ليس أن نمحو الذاكرة، وإنما أن نستعيد إحساسنا بالأمان والسيطرة والمعنى.نبدأ أولاً بالأمان والاستقرار، ثم نساعد الإنسان على فهم ما حدث له، وتنظيم مشاعره واستجاباته، ومعالجة الذكريات الصادمة عندما يكون مستعداً لذلك، ثم إعادة بناء علاقته بنفسه وبالحياة.والأهم أن نقول للناجي: ما حدث لك ليس هويتك.قد تكون تعرضت لشيء مؤلم جداً، لكنك لست الصدمة.والإنسان أحياناً لا يحتاج أن يعود كما كان قبل الألم؛ بل يحتاج أن يبني نسخة أكثر وعياً وصلابة من نفسه.
🔵 السؤال 17: هل يشفى الإنسان تماماً من الصدمة أم يتعلم فقط كيف يعيش مع الندبة؟
الشفاء ممكن، لكن لا توجد تجربة واحدة أو نتيجة واحدة لكل الناس.قد تبقى ذكرى الحدث، لكن لا تبقى بالضرورة بنفس القوة والسيطرة.نحن لا نعد الإنسان بأن ينسى ما حدث؛ نساعده على أن تصبح الذكرى جزءاً من قصته، لا أن تصبح القصة كلها.والندبة ليست دليلاً على أنك مكسور؛ أحياناً هي دليل على أنك نجوت.
🔵 السؤال 18: ما الفارق بين العلاج النفسي العيادي وتعديل السلوك؟ ومتى يحتاج المريض للاثنين؟
العلاج النفسي العيادي يهتم بدرجة كبيرة بما يحدث داخل الإنسان: أفكاره، مشاعره، صراعاته، تجاربه وعلاقاته وأنماط استجابته.
أما تعديل السلوك فيركز بشكل أكبر على تغيير السلوكيات التي أصبحت مشكلة، وبناء عادات واستجابات أكثر فاعلية.
وفي حالات كثيرة نحتاج إلى الاثنين.مثلاً: شخص لديه غضب شديد؛ لا يكفي أن نقول له "لا تصرخ". نحتاج أن نفهم لماذا يغضب، ماذا يحدث داخله، وما السلوك البديل الذي يستطيع تعلمه.لأننا لا نريد فقط أن نغيّر التصرف أمام الناس؛ نريد أن نبني تغييراً حقيقياً ومستداماً.
🔵 السؤال 19: كيف تكسرون حاجز الوصمة والخوف من زيارة الطبيب أو المعالج النفسي؟
أول خطوة هي أن نتوقف عن تصوير طلب المساعدة النفسية على أنه دليل ضعف.الإنسان عندما يراجع مختصاً نفسياً لا يعني أنه "مجنون"، تماماً كما أن مراجعة طبيب القلب لا تعني أن الإنسان ضعيف.أنا أحب أن أقول للمراجع الجديد:"أنت لم تأتِ لأنك ضعيف… أنت أتيت لأنك قررت ألا تترك نفسك وحدها في المعركة."نحن نحتاج إلى تغيير ثقافة المجتمع من "شو رح يقولوا عني؟" إلى "شو رح أعمل بحالي إذا بقيت أتألم بصمت؟
🔵 السؤال 20: ما أصعب مرحلة في رحلة التعافي: البداية أم الانتكاسة؟
كل مرحلة لها صعوبتها.البداية صعبة لأن الإنسان يعترف للمرة الأولى بأنه يحتاج إلى مساعدة.أما الانتكاسة فهي صعبة لأنها قد تجعله يقول: "كل شيء راح هباءً."وهنا يأتي دور المعالج في تحويل الانتكاسة من حكم بالفشل إلى فرصة للتعلم.في التعافي لا نسأل فقط: "لماذا سقطت؟"
بل نسأل: "ماذا حدث قبل السقوط؟ وما الذي يمكن أن نغيره حتى لا يتكرر؟".. التعافي ليس خطاً مستقيماً. المهم أن لا تجعل العثرة نهاية الطريق.
المحور الخامس: مركز «ذات» ورؤية المستقبل للصحة النفسية
🔵 السؤال 21: أسستم مركز "ذات" الدولي للتدريب والاستشارات، ما الرسالة الفريدة التي أردتم إيصالها؟
كانت الفكرة الأساسية بالنسبة لي أن الصحة النفسية يجب ألا تبقى محصورة في غرفة العلاج..نحن بحاجة إلى وعي نفسي، وتدريب متخصص، وتدخل مبكر، ومهارات عملية تصل إلى الإنسان والأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل والمجتمع.لذلك حاولنا في "ذات" أن نربط بين المعرفة العلمية والتطبيق الإنساني.نحن لا نريد أن نعطي الناس معلومات يحفظونها وينسونها؛ نريد أن نساعدهم على امتلاك أدوات يستخدمونها في الحياة."ذات" بالنسبة لنا ليست مجرد اسم… هي دعوة للإنسان أن يفهم ذاته قبل أن يحكم عليها.
🔵 السؤال 22: كيف يمكن للتدريب وتطوير الذات أن يكونا خط دفاع استباقياً ضد المرض النفسي؟
الوقاية تبدأ قبل الأزمة.عندما يتعلم الإنسان مهارات التواصل، وإدارة الضغوط، وتنظيم الانفعالات، وحل المشكلات، ووضع الحدود، وطلب المساعدة في الوقت المناسب، يصبح أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة.لكن يجب أن نكون واضحين: التطوير الشخصي لا يمنع جميع الاضطرابات النفسية. بعض الحالات تحتاج إلى علاج متخصص مهما كان الإنسان واعياً أو مثقفاً.
الهدف من التدريب ليس أن نقول للناس: "لا تمرضوا."بل أن نقول: "تعلموا كيف تحافظون على أنفسكم، وكيف تطلبون المساعدة عندما تحتاجونها.
🔵 السؤال 23: ما أبرز الحقائب التدريبية التي يركز عليها المركز لتأهيل كوادر قادرة على نشر الوعي النفسي الصحيح؟
الإجابة الأولي، العلاج والتدخلات النفسية، إدارة الأزمات والصدمات، التعافي من الإدمان، تعديل السلوك، مهارات التواصل والذكاء العاطفي، والصحة النفسية في بيئات العمل. كما نهتم بتأهيل الأشخاص القادرين على نقل المعرفة بطريقة مسؤولة، لأن نشر الوعي النفسي يحتاج إلى علم وأخلاق ومهارة.وأؤمن أن أخطر شيء في مجال الصحة النفسية هو أن يمتلك الإنسان مصطلحات كثيرة، لكن لا يمتلك القدرة على استخدامها بمسؤولية.
🔵 السؤال 24: كيف ترى مستقبل الصحة النفسية في العالم العربي خلال السنوات القادمة؟
أنا أرى أن الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية ستزداد، خصوصاً مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنزوح والصدمات وضغوط الحياة الحديثة.لكنني في الوقت نفسه متفائل؛ لأن الحديث عن الصحة النفسية أصبح أكثر حضوراً من السابق، والناس بدأوا يفهمون أن المعاناة النفسية ليست عيباً.التحدي الحقيقي سيكون في الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، ومن الوصمة إلى الوعي، ومن الخدمات المحدودة إلى خدمات نفسية متاحة وعالية الجودة.وأتمنى أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه الصحة النفسية جزءاً طبيعياً من الرعاية الصحية، لا خدمة نلجأ إليها فقط عندما تصل الأمور إلى نقطة الانهيار.
🔵 السؤال 25: الرسالة الختامية ختاماً دكتور عبد الفتاح… لو أتيحت لك منصة عالمية لتوجيه خطاب واحد لكل إنسان يعاني بصمت الآن، ماذا تقول له؟
أقول له: لا تخجل من تعبك… ولا تعتقد أن صمتك يعني أنك بخير.إذا كنت متعباً، اعترف بتعبك.إذا كنت خائفاً، تحدث عن خوفك.
إذا كنت قد سقطت، لا تعتبر السقوط نهاية قصتك.ولا تسمح لصوت داخلك أن يقول لك: "ما حدا رح يفهمني."
هناك دائماً إنسان يمكن أن يسمعك، ومختص يمكن أن يساعدك، وطريق يمكن أن يبدأ بخطوة صغيرة.لا تنتظر حتى تنهار حتى تطلب المساعدة.وأقول لكل شخص يمر بمرحلة صعبة: أنت لست أسوأ أيامك.
وأنت لست الصدمة التي مررت بها. وأنت لست فشلك السابق.
ما زال هناك متسع لتبدأ من جديد.وإذا كان العالم كله يطلب منك أن تكون قوياً طوال الوقت، اسمح لنفسك أحياناً أن تقول:"أنا بحاجة إلى مساعدة."فهذه ليست هزيمة…هذه شجاعة.
د. عبد الفتاح الحميدي
استشاري العلاج النفسي
رئيس مركز ذات الدولي للتدريب والاستشارات النفسية
