"فراشة الحروف" غادة سلوم الحاج: بيروت تنهض بالضوء، والقصيدة ياسمينة الروح

حوار عطا درغام

 

في زمنٍ يضج بالصخب، يأتي صوتها كأنه قطرات مطرٍ دافئة تعيد الحياة إلى الحقول المنسية. الشاعرة اللبنانية القديرة غادة سلوم الحاج، أو كما يطيب لعشاق الكلمة تسميتها "فراشة الحروف"، لا تكتب الشعر لتملأ الفراغ، بل لتبني بالكلمات جسوراً من النور والأمل وسط الركام. في قصائدها يمتزج وجع بيروت بشموخ امرأة لبنان، وتتحول الأبجدية على يديها إلى ملاذٍ إنساني دافئ وصادق. نبحر معها اليوم في هذا الحوار الرقيق ، لنقترب أكثر من عالمها المشع بالياسمين والتأمل.

 

المحور الأول: أجنحة الفراشة الهاربة من الرمادعن الوطن وبيروت

في قصيدتكِ، ينهض الضوء دائماً من رماد بيروت؛ من أين تأتين بكل هذا اليقين في القيامة والوطن يمر بكل هذه الانكسارات؟

لا أستمد يقيني من واقعٍ لم ينكسر، بل من إيماني بأن الانكسار ليس الفصل الأخير من حكاية الأوطان. لقد علّمتني بيروت أن المدينة قد تُجرح، وأن الجدران قد تسقط، وأن الرماد قد يغطي الذاكرة، لكن الروح التي تسكن المكان لا تموت.

أنا أكتب من المسافة الفاصلة بين الوجع والرجاء؛ أرى الرماد، لكنني أبحث تحته عن بذرة الضوء. وربما لهذا تبدو القيامة حاضرة في قصائدي؛ لأنها ليست إنكاراً للموت، بل إيماناً بأن للحياة قدرةً سرية على استعادة نفسها.

حين أكتب عن الوطن، لا أهرب من جراحه، بل أحاول أن أمنحه ما أستطيع من رجاء. فالشاعر، في لحظات الانكسار الكبرى، لا يملك أن يوقف الحرب أو يعيد بناء ما تهدّم، لكنه يستطيع أن يحرس المعنى من السقوط.

 

لو كان لبيروت صوت، ماذا تعتقدين أنها كانت ستقول لغادة سلوم الحاج وهي تقرأ لها قصائدها؟

أظنها كانت ستقول لي: «لا تكتبي عن وجعي فقط، اكتبي عن قدرتي على البقاء».،وربما كانت ستعاتبني لأنني كلما رأيت جرحاً في جسدها حملته إلى القصيدة، ثم تبتسم وتقول: «اتركي لي نافذة واحدة للضوء».بيروت لا تريد من الشعراء أن يرثوا حزنها، بل أن يحفظوا ذاكرتها من النسيان، وأن يقولوا للعالم إن مدينةً عبرت كل هذه العواصف ما زالت تعرف كيف تفتح شبابيكها للبحر والياسمين.

 

هل الشعر هو طريقتكِ الخاصة لإعادة إعمار الشوارع التي هدّمتها الأزمات في لبنان؟

ربما لا أستطيع إعادة بناء حجر، لكنني أستطيع أن أشارك في إعادة بناء الإنسان الذي سيضع الحجر فوق الحجر.

الشعر لا يرمم الجدران، لكنه قد يرمم نافذة في روح إنسان. وقد يعيد إلى قلبٍ أرهقه الواقع شيئاً من قدرته على الحلم. لذلك أشعر أن القصيدة الوطنية ليست ترفاً جمالياً، بل محاولة لترميم الذاكرة والانتماء والكرامة.أنا أعيد إعمار ما أستطيع بالكلمة؛ أبني شارعاً في الذاكرة، ونافذة في الحنين، وسماءً صغيرةً فوق مدينة أتمنى أن تستعيد عافيتها.

 

وصفتِ نفسكِ بفراشة الحروف، كيف يمكن لأجنحة من ورق وحبر أن تقاوم ريح الحرب والرماد؟

الفراشة لا تواجه الريح بقوة الجسد، بل بخفة الروح...أجنحتي من ورق، نعم، لكنها تحمل ما هو أثقل من الورق: ذاكرة وطن، وحنين امرأة، وأحلاماً ترفض أن تموت. قد تحرق الحرب الورق، لكنها لا تستطيع إحراق المعنى الذي استقر في قلب قارئ.

اخترت «فراشة الحروف» لأنني أؤمن أن الرقة ليست ضعفاً، وأن أكثر الأشياء هشاشة قد تكون أقدرها على النجاة. وربما تكون مقاومتي أن أظل قادرة على كتابة الياسمين بعد أن رأيت الرماد.

 

متى يشعر قلمكِ أن كتابة قصيدة عن الوطن لم تعد ترفاً، بل واجباً يشبه التنفس؟

حين يصبح الصمت خذلاناً للمشاعر.أكتب للوطن عندما أشعر أن وجعاً ما يحتاج إلى ذاكرة، وأن حدثاً لا ينبغي أن يتحول إلى رقم عابر في نشرات الأخبار. الوطن عندي ليس خريطة وحدوداً؛ إنه بيت ووجه وشارع ونافذة وطفولة وذاكرة.

لذلك حين يتألم الوطن، أشعر أن شيئاً في داخلي يتألم معه، وتصبح الكتابة عندها شبيهة بالتنفس: لا أكتب لأنني أريد أن أكتب، بل لأن في داخلي ما يريد أن يظل حياً.

.....................................

المحور الثاني: أبجدية النور والياسمينعن اللغة الوجدانية ومفردات الطبيعة

السؤال الأول: تحضر في نصوصكِ مفردات المطر، الفجر، والياسمين بكثافة؛ هل هذه الطبيعة ملجأ حقيقي هرباً من قسوة الواقع أم أنها لغة طفولتكِ؟

هي الاثنان معاً.الطبيعة ليست عندي ديكوراً شعرياً، بل ذاكرة وجدانية. المطر يحمل شيئاً من طفولة الروح، والفجر يشبه كل بداية قاومت العتمة، والياسمين يشبه الأشياء الجميلة التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تُعلن حضورها.وحين أهرب إلى هذه المفردات، فأنا لا أهرب من الواقع بقدر ما أبحث عن نافذة أستطيع من خلالها مواجهته بلغة أقل قسوة. فالذي يكتب عن الياسمين لا يعني أنه لم يرَ الرماد؛ ربما لأنه رآه جيداً، أصبح أكثر حاجة إلى الياسمين.

 

السؤال الثاني: كيف تنجحين في تحويل الكلمة القاسية أو الحزينة إلى نص يشع بالنور والشفافية؟

لا أحاول تجميل الحزن، بل أحاول أن أمنحه معنى.فالوجع حين يدخل القصيدة لا أريده أن يبقى جرحاً نازفاً، بل أن يتحول إلى معرفة، وإلى تأمل، وربما إلى ضوء يهدي شخصاً آخر.أؤمن أن اللغة قادرة على أن تغيّر هيئة الألم؛ فالكلمة الحزينة إذا خرجت من قلب صادق قد تصبح عزاءً، والدمعة حين تدخل القصيدة قد تتحول إلى قطرة مطر.

 

السؤال الثالث: لو طُلب منكِ أن تختاري «عطراً» واحداً يمثل ديوانكِ الشعري، أي عطر تختارين ولماذا؟

سأختار الياسمين.لأنه عطر لا يفرض نفسه، لكنه يبقى. يشبه القصيدة التي تدخل القلب بهدوء ثم تظل فيه طويلاً.والياسمين بالنسبة إليّ ليس رائحة فحسب؛ إنه ذاكرة البيوت القديمة، وشرفات لبنان، وليالي الصيف، وشيء من الحنان الذي لا نستطيع أن نصفه بالكلمات. ولو كان للشعر عطر، لتمنيت أن يكون ياسميناً يمرّ خفيفاً، ثم يترك أثره في الروح.

 

السؤال الرابع: هل تعتقدين أن القارئ العربي اليوم يحتاج إلى «المطر» والضوء في القصيدة أكثر من حاجته إلى الفلسفة المعقدة؟

أعتقد أن القارئ يحتاج إلى القصيدة التي تلمس إنسانيته أولاً.ليست المشكلة في الفلسفة، وإنما في أن تتحول القصيدة إلى متاهة بعيدة عن نبض الإنسان. أنا أحب العمق، لكنني أحب أن يكون العمق قابلاً لأن يُحَسّ قبل أن يُفكَّك.القارئ العربي يعيش ما يكفيه من الضجيج والقلق؛ لذلك ربما يحتاج إلى قصيدة تمنحه لحظة تنفس، لا قصيدة تزيد اختناق روحه. أؤمن أن البساطة حين تكون عميقة ليست سهولة، بل نضج.

 

السؤال الخامس: كيف تولد القصيدة في عالمكِ؟ هل تأتي كفجر مفاجئ أم تنمو ببطء مثل حبة ياسمين؟

تأتي أحياناً كفجر مباغت؛ سطر واحد يطرق بابي، ثم تتبعه بقية القصيدة. وأحياناً أخرى تنمو في داخلي ببطء، مثل حبة ياسمين تحتاج إلى وقت كي تفصح عن عطرها.لكنني أؤمن أن القصيدة الحقيقية لا تبدأ لحظة أكتبها، بل قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من إحساس عابر، من مشهد، من كلمة، من غياب، من نظرة، أو من وجع لم يجد طريقه إلى الكلام. ثم تأتي لحظة الولادة، فأجد نفسي أكتب ما كان يتشكل في داخلي دون أن أنتبه.

 

المحور الثالث: مرايا الروح وتغير الفصول(عن النزعة التأملية والزمن)

السؤال الأول: في «زيف الفصول»، هناك عتب وعتب رقيق على الوقت؛ كيف تتصالح غادة الشاعرة مع مرور العمر وتغير الوجوه؟

لم أعد أرى العمر خصماً كما كنت أراه في البدايات. العمر ليس ما ينقص من أيامنا، بل ما يضيفه إلى بصيرتنا.تغير الوجوه جزء من قانون الحياة، وبعض الذين نعبر معهم فصلاً لا يكملون معنا بقية الفصول. تعلمت أن أودّع دون أن أكره، وأن أتذكر دون أن أُقيم في الذاكرة.أما الوقت، فلا أعاتبه كثيراً الآن؛ فقد أدركت أن أجمل ما يمنحه لنا ليس طول الطريق، بل القدرة على رؤية الأشياء بعمق أكبر.

 

السؤال الثاني: هل تعتقدين أن الخيبات تصقل الروح وتجعل الشعر أكثر عمقاً، أم أنها تكسر شيئاً من براءة الفراشة؟

الخيبة تفعل الأمرين.هي تكسر شيئاً، نعم، لكنها أحياناً تكشف لنا شيئاً لم نكن نراه ونحن في كامل براءتنا.ربما لم تعد فراشة الحروف كما كانت في بداياتها؛ جناحاها حملا بعض الغبار، لكنها أصبحت تعرف الريح أكثر. وأنا لا أريد أن أفقد براءة الروح، بل أن أحميها بالوعي. أجمل النضج، في رأيي، أن نعرف قسوة العالم دون أن نصبح قساة.

 

السؤال الثالث: ما هو «الربيع الذي تخبئينه للضوء»؟ ومتى يحين الوقت لكي تظهري هذا الربيع للعالم بكامله؟

ربيعي الذي أخبئه للضوء هو الجزء الذي ما زال يؤمن بأن القادم يمكن أن يكون أجمل، رغم كل ما مرّ.هو أحلام لم أقلها بعد، وقصائد لم تولد، ومشاعر احتفظت بها بعيداً عن ضجيج العالم.وأعتقد أن الربيع لا يظهر حين يطلب منه الآخرون أن يظهر، بل حين تنضج الزهرة في داخلنا. لذلك لا أستعجل الكشف عنه؛ بعض الأشياء الجميلة تحتاج أن تنضج في الظل قبل أن تواجه الضوء.

 

السؤال الرابع: هل هناك فضل لخريف العمر في تعليمنا كيف نحب نصوصنا بشكل أكثر نضجاً؟

بالتأكيد. خريف العمر لا يعني الذبول؛ يعني أن الإنسان صار أكثر قدرة على تمييز ما يستحق أن يبقى.

في البدايات قد نكتب لنثبت أننا نستطيع الكتابة، أما مع النضج فنكتب لأن هناك شيئاً يستحق أن يُقال. نصوصنا تصبح أقل انشغالاً بالتصفيق وأكثر انشغالاً بالصدق.ولعل أجمل ما يمنحه العمر للشاعر أنه يعلّمه أن القصيدة ليست في كثرة الكلمات، بل في المساحة التي تتركها الكلمة داخل الروح.

 

السؤال الخامس: في لحظات الصمت التأملي، ما هو السؤال الذي تطرحينَه على نفسكِ ولم تجدي له إجابة في الشعر بعد؟

أسأل نفسي أحياناً: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على قلبه مضيئاً، وهو يرى كل هذا القدر من العتمة حوله؟

كتبت عن النور كثيراً، وعن القيامة، والحب، والوطن، والمرأة، والزمن، لكنني ما زلت أبحث عن الإجابة الأعمق: كيف نخرج من تجاربنا موجوعين دون أن نخرج منها مظلمين؟ربما لهذا أواصل الكتابة. لأن بعض الأسئلة لا تُكتب لكي تجد جواباً، بل لكي تبقى الروح يقظة وهي تبحث.

 

المحور الرابع: أثر الحروف وعبر القارات (عن المنصات الثقافية والصحافة الرقمية)

السؤال الأول: نصوصكِ تسافر عبر منصات سُرى، ومنبر العراق الحر، وألف ياء؛ كيف تشعرين حين ترين حروفكِ اللبنانية تلامس قلباً في بغداد أو تونس أو الخليج؟

أشعر أن أجمل ما يفعله الأدب أنه يلغي المسافات دون أن يلغي الخصوصية.حين تصل قصيدة ولدت في لبنان إلى قارئ في بغداد أو تونس أو الخليج، أشعر أن الحرف أصبح جسراً بين قلبين لا تجمعهما الجغرافيا، وإنما تجمعهما الإنسانية.وأعتز بأن يبقى في قصيدتي شيء من رائحة لبنان، وفي الوقت نفسه تستطيع أن تجد طريقها إلى قلب عربي بعيد. بالنسبة إليّ، هذا هو الوطن حين يتحول إلى لغة: يصبح أوسع من الحدود.

 

السؤال الثاني: هل تعوضكِ الصحافة الرقمية والمنصات الثقافية عن بهجة إمساك كتاب ورقي بين يديكِ؟

لا شيء يعوّض الكتاب الورقي تماماً. للكتاب ملمس وذاكرة ورائحة وطقس خاص، وكأنك تمسك زمناً كاملاً بين يديك.لكن المنصات الرقمية منحت النص فرصة أخرى للسفر والوصول، وفتحت أمام الكاتب أبواباً لم تكن متاحة بهذه السرعة.لذلك لا أضع الورق والرقمنة في مواجهة؛ الورق يمنح النص ذاكرة، والفضاء الرقمي يمنحه جناحين.

 

السؤال الثالث: كتبتِ «نحن أثر الحروف»، ما هو الأثر الحقيقي الذي تتمنين أن تتركه غادة سلوم الحاج في قلوب قرائها بعد سنوات طويلة؟

أتمنى ألا يتذكرني القارئ بعد سنوات بسبب قصيدة بعينها فقط، بل بسبب إحساس تركته فيه قصائدي.أتمنى أن يقول أحدهم: «قرأت لها يوماً، فشعرت أن هناك من يفهم وجعي»، أو «وجدت في حرفها نافذة للضوء».ذلك هو الأثر الذي أريده؛ ألا أكون اسماً عابراً في قائمة الشعراء، بل إحساساً صغيراً يبقى في ذاكرة إنسان. فالكاتب يرحل، أما الأثر الصادق فيملك حياة أطول من صاحبه.

 

السؤال الرابع: الفضاء الرقمي مليء بالصخب؛ كيف تحافظين على رقة وهدوء صوتكِ الشاعري وسط هذا الضجيج الإلكتروني؟

أحاول ألا أكتب لأغلب الضجيج، بل لأسمع صوتي الداخلي.الصخب الخارجي لا يستطيع أن يحدد نبرة القصيدة إذا كان الشاعر يعرف لماذا يكتب.أنا لا أريد لحرفي أن يكون الأعلى صوتاً، بل الأعمق أثراً. لذلك أؤمن أن الرقة ليست انسحاباً من العالم، وإنما طريقة أخرى لمقاومته؛ فالوردة لا تصرخ كي تثبت أنها موجودة، يكفي أن تفوح.

 

السؤال الخامس: هل تعتقدين أن المنصات الرقمية أنصفت الشاعرات العربيات المعاصرات وأعطتهن صوتاً عابراً للحدود؟

إلى حد كبير، نعم. لقد كسرت المنصات الرقمية كثيراً من الحواجز التي كانت تقف بين الشاعرة وقارئها، ومنحتها مساحة أوسع للنشر والحضور والتواصل.لكن الإنصاف الحقيقي لا يكون بمجرد إتاحة المنبر، بل بوجود قراءة نقدية عادلة، واحترام للمنجز الأدبي، وتقدير للشاعرة بوصفها مبدعة قبل أن تكون امرأة.ما زالت الطريق تحتاج إلى الكثير، لكنني متفائلة؛ فصوت الشاعرة العربية اليوم لم يعد محصوراً في مكان، وحين يكون الحرف صادقاً فإنه يجد طريقه مهما ابتعدت الحدود

 

المحور الخامس: امرأة لبنان والقيامة المستمرة عن القوة والإنسانية والأنوثة

السؤال الأول: في يوم المرأة العالمي كتبتِ «امرأة لبنان»؛ ما الذي يميز المرأة اللبنانية في قصائدكِ عن أي امرأة أخرى في العالم؟

امرأة لبنان في قصائدي ليست امرأة خارقة لا تتعب، بل امرأة تعرف التعب وتواصل السير. هي امرأة تحمل بيتها في قلبها، وتعرف كيف تحفظ الحب وسط القلق، وكيف تزرع شيئاً من الجمال في أرض أرهقتها الأزمات.لكنني لا أريد أن أحصرها في صورة التضحية وحدها؛ فهي أيضاً امرأة تحلم، وتكتب، وتحب، وتنجح، وتخطئ، وتبحث عن ذاتها.ما يميزها في نظري هو هذه القدرة العجيبة على الجمع بين هشاشة الإنسان وصلابة الروح.

 

السؤال الثاني: كيف يمتزج في داخلكِ ضعف الفراشة ورقتها، مع قوة وصمود امرأة تعيش في وطن دائم التحديات؟

تعلمت أن الرقة والقوة ليستا نقيضين.قد تكون المرأة رقيقة جداً، ومع ذلك تقف في وجه عاصفة كاملة. وقد تبكي، ثم تمسح دمعتها وتكمل الطريق.الفراشة التي أراها في نفسي ليست فراشة عاجزة؛ هي كائن يعرف هشاشته، ومع ذلك يختار الطيران.وأظن أن القوة الحقيقية ليست أن نصبح حجراً، بل أن نحافظ على قدرتنا على الإحساس رغم كل ما حاول أن يجعلنا قساة.

 

السؤال الثالث: هل تبحثين في كتاباتكِ عن إبراز قضايا المرأة بأسلوب ناعم وبدون صراخ نسوي تقليدي؟

أنا أؤمن أن المرأة لا تحتاج دائماً إلى الصراخ كي تُسمَع.أحياناً تكون الجملة الهادئة أكثر قوة من خطاب مرتفع، لأن ما يثبت حق المرأة في الوجود والاختيار والكرامة هو الإنسان نفسه، لا ارتفاع الصوت.لذلك أكتب عن المرأة من الداخل؛ عن خوفها وقوتها وحلمها وحقها في أن تكون ذاتها. لا أريد أن أضعها في مواجهة الرجل بقدر ما أريد أن أضعها في مواجهة كل ما ينتقص من إنسانيتها.

 

السؤال الرابع: ما هو «سر الوجود» الذي لخصتِه في قصيدتكِ؟ هل هو الحب، أم العطاء، أم امرأة قادرة على احتواء الكون؟

أعتقد أن سر الوجود ليس كلمة واحدة.هو الحب حين يتحول إلى عطاء، والعطاء حين يصبح أثراً، والإنسان حين يجد معنى لوجوده في حياة الآخرين.وأرى المرأة قادرة على هذا الاحتواء العجيب، ليس لأنها مطالبة دائماً بأن تحمل العالم، بل لأن في داخلها طاقة هائلة على منح الحياة معنى ودفئاً.أما الحب، فيبقى بالنسبة إليّ جوهر الحكاية؛ لأنه القوة الوحيدة التي تستطيع أن تجعل الإنسان يتجاوز ذاته ليصل إلى الآخر.

 

السؤال الخامس: ختاماً، لو أردتِ أن توجّهي رسالة رقيقة مبللة بالندى لكل امرأة وكاتبة عربية تكافح من أجل حرفها، ماذا تقولين لها؟

أقول لها:

لا تجعلي ضجيج العالم يشكك في صوتكِ. اكتبي، حتى حين لا يصفق أحد، واكتبي لأن في داخلكِ شيئاً يستحق أن يولد. لا تخافي من بطء الطريق؛ فالورد لا يستعجل موسمه، والقصيدة الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تعيش.

احفظي رقتكِ، ولا تعتذري عنها؛ فالرقة ليست ضعفاً، والدمعة ليست انكساراً، والأنوثة ليست قيداً. كوني قوية دون أن تفقدي قلبكِ، وكوني حرة دون أن تفقدي إنسانيتكِ.وإذا أغلقوا في وجه حرفكِ باباً، فاكتبي على الضوء.وإذا لم يجد صوتكِ من يسمعه اليوم، فثقي أن الحرف الصادق يعرف كيف يعبر الزمن. وأقول لكل امرأة عربية تحمل في قلبها قصيدة:لا تخافي من الرماد… فربما خبّأتِ تحت جناحيكِ ربيعاً لم يأتِ أوانه بعد.أما أنا، فسأظل أكتب كما عرفت نفسي دائماً: فراشةً من الحروف، تحاول أن تترك على كتف العالم أثراً من نور، كلما أثقل الرماد جناحيها

.....................................

في ختام هذا الحوار، لا يسعني إلا أن أتقدّم بخالص الشكر والامتنان إلى الأستاذ عطا درغام  الصحفي القدير على هذا الحوار الثري، وعلى أسئلته العميقة التي لامست روح القصيدة، ومنحتني مساحة جميلة للبوح والتأمل.

أعتز بهذا اللقاء، وبقراءته الواعية للحرف، وأتمنى له دوام التألق والعطاء، وأن يظل قلمه جسراً مضيئاً بين المبدع والقارئ .

غادة سلوم الحاج / لبنان

" فراشة الحروف " 🦋