جدلية الهوية والقصيدة: قراءة في المنجز الثقافي والشعري للشاعر التونسي عمر دغرير

حوار عطا درغام

 

تأتي هذه المصافحة الفكرية لتسليط الضوء على تجربة إبداعية رصينة في المشهد الأدبي والأكاديمي المعاصر، يمثلها الكاتب والشاعر عمر دغرير.إن المتأمل في محاور هذا الحوار يدرك سريعاً أننا لسنا بصدد إطلالة عابرة، بل نحن أمام مكاشفة نقدية تبحث في عمق المعنى، وتستقرئ أبعاد العلاقة الجدلية بين المبدع ونصه، وبين الذاكرة وتجلياتها الجمالية.

تتوزع أسئلة الحوار ومحاوره لتشتبك مع المنجز الثقافي والشعري لضيفنا من زوايا متعددة؛ تبدأ بمقاربة الرؤية الفنية في قصائده، وصولاً إلى مساءلة الأبعاد الثقافية والحضارية التي تميز الشخصية التونسية وانتماءاتها. وعبر هذا الإبحار الفكري، يتبدى لنا كيف يستحيل النص عند عمر دغرير إلى أداة واعية لقراءة الواقع واستشراف تحولاته، مستنداً في ذلك إلى خلفية أكاديمية عميقة ورؤية إنسانية تنحاز لقيم التجديد والتنوير.

يسعى هذا الحوار، عبر أسئلته المركزة، إلى تتبع خيوط التماس بين الأدب والواقع الاجتماعي والثقافي، لنقدم للقارئ صورة متكاملة عن مشروع فكري وشعري متخم بالأسئلة والتحولات، يجمع بين عذوبة اللفظ وعمق الفكرة.

 

*** المحور الأول :

" الإصدارات والدواوين الشعرية "

قبل استعراض كل الأسئلة وتقديم الإجابات الخاصة بها لا بد أن أشير في البداية إلى أن هناك ثلاثي مقدس حاضر بامتياز في كل كتابات الشاعر عمر دغرير (المرأة والقصيدة والوطن) وقد اختزلت هذا الثلاثي في نص ورد في مجموعته الشعرية الأولى "أبجدية العشق الممنوع", تحت عنوان (أنثى) جاء فيه:

هنا تجلسين ..

هنا يقف الزمن راضخا للغسقْ ..

وهنا أقف ..أصطلي . أحترقْ ..

ترقبت للصبح  همس حروف ,

تراقص حبرا ,

يترجم شوقي إليكِ ..

وكان العناق ..

وكان الحريق ..

وكان السمرْ ..

وفي قبضة الكفّ كنتِ القمرْ ..

أضمّكِ غصبا ..

فأين .. وأين .. وأين المفرْ ؟..

 

(1) : ما الفارق الجوهري في التناول الشعري بين ديوانك الأبرز "فنجان شاي" (2015) وديوان "نساء الحقيبة" (2016)؟

** نقطة هامة لا بد أن أوضحها هو أنني أعتبر كل مجموعاتي الشعرية  مرتبطة ببعضها و غير منفصلة وأنها نشرت في شكل تصاعدي محافظة على  الشكل والمعنى وعلى سلاسة الأسلوب وشفافية الكلمات دون السقوط في الغموض ."فنجان شاي يعطره صمتي" هو مجموعتي الشعرية الثانية التي صدرت سنة 2015. وهي تلخص بعض علاقات المرأة بالرجل حتى أن بعض النصوص جاءت بلسان المرأة في مواجهة الرجل (نص عصير). ونجد العكس أيضا, حيث الرجل يواجه امرأة  في نظره لا تشبه النساء (نص مسك الليل). أما مجموعتي الشعرية الثالثة "نساء الحقيبة وما جاورتهنّ من حور الكلمات" التي صدرت سنة 2016 فهي مجموعة استثنائية لها خصوصيتها. وهي تجمع نصوصا كنت أحتفظ بها في محفظتي اليدوية خوف عليها من أعين الحبيبة. وقد نشرت قصيدة توضيحية تحت عنوان نساء الحقيبة جاء فيها:

غريبة حقا شكوك الحبيبهْ ..

وكيف يخون الحبيب حبيبهْ ؟

تشكّ بأني أحبّ النساء

جميع النساء ..أحبّ كتيبهْ ..

ولي معهن صباحا مساء

وفي كلّحين حكايا مريبهْ ..

أحبّ بعنف نساء القوافي ..

وأهوى التي من فؤادي قريبهْ ..

أحبّك أنت رفيقة دربي

وأحيا بقربك ذكرى عجيبهْ ...

 

ونأتي الآن إلى السؤال الموالي :

(2) : يحمل ديوانك لعام 2018 عنواناً لافتاً وهو "أمي سعيدة بأحزانها"؛ كيف وظفت هذه المفارقة الإنسانية داخل قصائد الديوان؟

** "أمي سعيدة بأحزانها" هوعنوان لقصيدة كنت كتبتها إثر وفاة الوالدة سنة 2006 واستعرضت فيها بعض الذكريات الموجعة في فترة الطفولة. وهي أقرب القصائد إلى نفسي وأصدقها. وفيها حاولت أن أظهر الحقيقة التي كانت تخفيها عنا الوالدة. هذه المرأة المناضلة الصبورة في الزمن المأزوم. وبالإضافة إلى هذا النص في المجموعة نقرأ نصا آخر  تحت عنوان "أبي والحزن شقيقان" وفيه حاولت أن أبرز الصعوبات التي واجهناها في طفولتنا من جراء الفقر والخصاصة. وكيف أن الحزن كان يلازمنا في كل مكان. ولعل كل نصوص هذه المجموعة لها علاقة بالأحزان.

 

والآن أعود إلى  إلى مجموعتي الشعرية الأولى والسؤال الثالث:

 (3) : صدر لك عام 1999 ديوان "أبجدية العشق الممنوع"؛ كيف ترى تطور أدواتك الشعرية من ذلك الوقت حتى إصداراتك المتأخرة في 2018؟

** في الحقيقة "أبجدية العشق الممنوع" كتاب يعود إلى سبعينات القرن الماضي وهذا الكتاب وإن صدر متأخرا فهو يختزل فترة المراهقة والشباب ويستعرض بداياتي الشعرية ويذكرني بالزمن الجميل حيث العفوية والصدق والأحلام الوردية. ورغم ذلك تبقى نصوصه الأساس والركيزة لبناء كل ما نشرته في السنوات الأخيرة.

ومنذ البداية كنت أحاول كتابة الشعر بمختلف أشكاله وهذا يحيلني إلى السؤال الموالي:

(4) : هل تعتمد في دواوينك المذكورة على البناء الخليلي المقفى أم تميل أكثر إلى شعر التفعيلة وقصيدة النثر؟

** في بداية سبعينات القرن الماضي كان عناقي الأول للقصيدة العمودية  وكنت أحاول كتابة القصائد على البحور الشعرية خاصة العاطفية والوطنية, وكان بحر المتقارب هو الأقرب في تلك الفترة من العمر. ثم تحول شغفي إلى القصيدة الحرة ثم قصيدة النثر ثم الومضة.

 

(5) : ما الخيط الرابط الذي يجمع بين القصائد العاطفية والقصائد ذات البُعد الاجتماعي في إنتاجك الشعري؟

** لعل الخيط الوحيد الذي يجمع كل القصائد على اختلافها هو الصدق وأنا لست مع من يقول: أصدق الشعر أكذبه, لأن الكلمات التي لا تخرج من الأعماق كلها مفتعلة وليس فيها حياة.

 

*** المحور الثاني:

"أدب الطفولة والقصة الموجهة"

(6) : أصدرت عام 2001 قصة للأطفال بعنوان "سمرمر"، وعام 2020 قصة "الفلاح الطيب والأفعى"؛ ما هو المرتكز الأخلاقي أو التربوي الذي بنيت عليه هاتين القصتين؟

في أواخر سبعينات القرن الماضي كنت تخرجت أستاذ شباب وطفولة من مدرسة (بئر الباي) وكانت بداية العمل في قرية أطفال بورقيبة بالرمادية ببنزرت وهو مركز للرعاية بالأطفال الفاقدين للسند. ومع هؤلاء الأطفال بدأت حكايتي مع الكتابة الموجهة, بحيث كنت أقتبس بعض القصص من كليلة ودمنة وأدرجها في برنامجي التربوي مع الصغار, ومن هنا نشأت فكرة كتابة هذا اللون من الحكايات. وكانت البداية  مع (سمرمر) وهو طائر مغرور تعود على التنقل والترحال من مرج إلى مرج ومن غابة إلى أخرى بحثا عن الجراد والفراشات والنمل والصرصر. ومع هذه الحيوانات الصغيرة عاش مغامرات كبيرة تحدى فيها الصقور والطيور الكبيرة  معتمدا على ذكائه في اختيار الحيل للإطاحة بأعدائه. وعلى منوال هذه القصة كتبت عديد القصص التي لم أنشرها بعد. حتى جاءت فكرة "الفلاح الطيب والأفعى" وهي قصة حقيقية عاشها أحد أفراد العائلة في ستينات القرن الماضي وكانت فرصة لتحويلها إلى قصة للإطفال بعد تطعيمها ببعض الأحداث الخيالية وهي تدعم علاقة الإنسان بالحيوانات الأليفة في البيت وفي الغابة.

 

 (7) : ما الذي دفعك لاختيار الرمزية الحيوانية في قصتك المخطوطة "مملكة الكلاب"، وكيف تختلف في طرحها عن قصة "الطفل اللقيط"؟

** قصة "مملكة الكلاب" هي الأخرى مقتبسة من كليلة ودمنة. وهي تحكي عن نوع من الكلاب الخاصة بالصيد (السلوقي) في بلد عربي وطريقة ملاحقتها للطريدة. أما قصة "الطفل اللقيط" فهي الأخرى تختزل ظاهرة جديدة بدأت تظهر في البلدان العربية. طفل رضيع يعثر عليه قرب حاوية الفضلات وتتبناه عائلة ليس لها أبناء ويكبر الطفل في دفء هذه العائلة .وحين يعرف أنه لقيط تبدأ المعاناة.

 

(8) : كيف ساعدتك خلفيتك الطويلة كمنشط وأستاذ شباب وطفولة منذ 1977 في فهم سايكولوجيا الطفل وتوظيفها في كتابة قصص الأطفال؟

** كما سبق أن ذكرت تكويني ودراستي في المدرسة الوطنية لإطارات الشباب والطفولة ببئر الباي مكنتني من فهم سيكولوجيا الطفل بالإضافة إلى التجربة في العمل مع الأطفال في قرية الرمادية وفي نوادي الأطفال في السبيخة وحاجب العيون والنفيضة وسوسة. بحيث كانت فرصة للإحتكاك أكثر بالأطفال والتعرف على خصوصياتهم وهذا ساعدني كثيرا في كتابة القصص.

 

 (9) : ما هي المعايير الفنية التي تحرص عليها لتبسيط المفهوم اللغوي للطفل دون الهبوط بمستوى النص الأدبي؟

** في الكتابة للطفل أحرص كثيرا على اعتماد الجمل القصيرة والكلمات السهلة مع التكثيف من عناصر التشويق. وأتجنب المشاهد العنيفة مع التركيز على التحابب والتعاون والإحترام في أغلب المواضيع المطروحة.

 

(10): هل ترى أن قصص الأطفال التي ألفتها قادرة على منافسة المحتوى الرقمي البصري الحديث الموجه للطفل اليوم؟

في اعتقادي أن الكتاب الورقي لا تعوضه هذه الظواهر الرقمية البصرية الحديثة. وهي ظواهر وقتية سرعان ما تزول وينتهي العمل بها ليبقى الكتاب الورقي هو المرجع الأساس لكل القصص والحكايات.

 

*** المحور الثالث: "الممارسة النقدية والمطالعات التحليلية "

**في هذا المحور بالذات يشير إلى نقطة هامة, وهي أنه  ليس ناقدا وأن كل ما يقوم به لا يتعدى قراءة بانورامية لعمل يشده من حيث المبنى والمعنى. ويواصل أن من حسن حظه أنه أقرأ بعمق كل كتاب يضعه القدر بين يديّ .ويدون بعض الملاحظات الهامة أثناء القراءة ثم يعود إليها عند الكتابة. وبفضل هذه الطريقة تمكن من نشر أكثر من 500 قراءة مختلفة للعديد من الكتاب والشعراء من تونس ومن الوطن العربي. وكان دءوبا على نشر هذه القراءات يوميا في صفحته على الفيسبوك لمدة تجاوزت العام. وشرع في جمعها في كتب بحيث صدر كتابي الأول سنة 2017 تحت عنوان "رسائل لا تقبل القص من خلف جدران النص" قراءات في الأدب التونسي الحديث الجزء الأول وقد احتوى على 45 كتابا. وصدر الجزء الثاني سنة 2019 ويجمع 35 كتابا وقريبا الجزء الثالث يرى النور وسيحتوي على 40 قراءة. بعد هذا التمهيد أكون تعرضت إلى السؤال الموالي:

(11) : أصدرت عام 2017 كتاب "رسائل لا تقبل القص من خلف جدران النص"؛ ما هي المرجعية أو المدرسة النقدية التي اعتمدت عليها في تفكيك النصوص؟

** "رسائل لا تقبل القص من خلف جدران النص " هي مجموعة من الرسائل كنت وجهتها لبعض الكتاب و المبدعين وقد حاولت أن أنفخ في جمر المشاعر وأحاور النصوص الإبداعية وأناقش الكتاب في أعمالهم القصصية والشعرية والروائية وحتى الفكرية والنقدية وقد أنجزت أكثر من 30 رسالة  سوف أجمعها في كتاب خاص يحمل هذا العنوان "رسائل لا تقبل القص من خلف جدران النص"

 

 (12) : صدر لك عام 2019 الجزء الثاني من "قراءات في الشعر والنثر" ولديك جزء ثالث قيد الطبع؛ ما هي المعايير التي تختار على أساسها النصوص والكتب المشمولة بالقراءة؟

** كما سبق أن ذكرت في التمهيد أنني أهتم بالكتب التي تشدني إلى النهاية وهي التي أعطيها الأولوية في قراءاتي وفي أغلب الأحيان لا أنتبه لصاحبها و صادف أن كتبت قراءات حول كتب ونشرتها في الصحف وفي المجلات الإلكترونية  قبل أن أتعرف على أصحابها.

 

(13): عند تقديمك للمجموعة الشعرية "تمتمات من بعضي" للشاعر محمد الصغير القاسمي؛ ما هي الملامح الفنية التي ركزت على إبرازها للقارئ؟

** في الحقيقة "تمتمات من بعضي" مجموعة من القصائد المختلفة لصاحبها الصديق المربي محمد الصغير القاسمي الذي دأب على الكتابة باللغة الفرنسية ونشر العدبيد من الكتب في هذا الغرض. غير أنه في فترة متأخرة جرب الكتابة بالعربية وكانت النتيجة هذه المجموعة التي خصصتها بتطلب منه بتقديم تعرضت فيه إضافة إلى عمق وجدية هذه النصوص, إلى حنين الكاتب إلى اللغة العربية بعد أن أمضى سنوات عديدة في تدريس اللغة الفرنسية .وأعتقد أن التجربة كانمت ناجحة وأسفرت بعد ذلك إلى الولوج إلى عالم الرواية ونشر روايته الأولى تحت عنوان " أشباح على مشارف واد بوشعيب".

 

(14) : قمت بتقديم الرواية البكر لأحلام القدر "في غياهب الحب"؛ كيف تعاملت نقدياً مع تجربة روائية أولى دون إحباط المبدعة أو مجاملتها؟

** أحلام القدر هي شاعرة بالأساس وكنت بصدد مراجعة مجموعتها الشعرية الأولى غير أنها في الأثناء فاجأتني بهذا النص الروائي المتميز .وفي الحين اقترحت عليها نشره قبل نشر المجموعة الشعرية مع تقديم توضيحي فيه تشويق لقراءة الرواية.

 

(15): هل ترى أن ممارستك للنقد الأدبي تُكبل انطلاقك كشاعر، أم أن الشاعر الناقد يستفيد من أدواته في تجويد قصيدته؟

** وإن كنت بعيدا كل البعد عن ممارسة النقد فأنا أقر بأنني دخلت هذا المجال من داخل المدونة الشعرية واخترت ركوب صهوة الإحساس بجمالية النصوص التي أسافر في ثنايها  وكذلك بالنظر في عوالمها من زاوية ذائقتي الفنية. وهذا في اعتقادي يسهل عملية الإبداع الشعري ويمكنني من كتابة أجمل القصائد..

 

*** المحور الرابع: "الإدارة الثقافية والنشاط الجمعياتي "

(16) :  تتولى إدارة "خيمة الإبداع بسوسة" منذ عام 2013؛ ما هي البصمة المختلفة التي أضافتها هذه الخيمة للمشهد الأدبي في الساحل التونسي؟

** تحديدا بعد الثورة لا توجد فضاءات  أو نوادي تهتم بالأدب بكل فروعه خاصة في ولاية سوسة . وخيمة الإبداع تأسست في غياب هذه الفضاءات . وفي تلك الفترة كنت مسؤولا على مركز التخيم والإصطياف بحيث الأرضية سانحة لتنشيط هذه الخيمة التي سعت إلى دعوة كتاب وشعراء من كامل تراب الجمهورية في شكل ثنائيات ونظمنا لقاءات أسبوعية كان لها اقبال من طرف المهتمين بالأدب في جهة سوسة . والهام في نشاط الخيمة أنها ساهمت في تأسيس بعض النوادي الجديدة داخل الولاية وخارجها .

 

(17) :  كيف استطعت موازنة الأنشطة في خيمة الإبداع بين تفعيل أسماء أدبية مكرسة وإبراز أصوات شبابية جديدة؟

** أسماء العديد من المبدعين في جهة سوسة  مروا من الخيمة التي ساهمت في صقل مواهبهم والتعريف بهم في الساحة الثقافية .أذكر من بينهم الشاعرة نائلة عبيد والروائية راضية قعلول والشاعرة آسية الشارني  وغيرهم كثير ...

(18) : أدارت الخيمة لسنوات حراكاً ثقافياً في سوسة؛ ما هي أبرز العقبات التنظيمية أو اللوجستية التي واجهتك في تسيير هذا المرفق المستقل؟

** تقريبا كل النوادي الأدبية والصالونات  تحتاج إلى دعم مادي لتسيير الأنشطة  وهذا ما ينقصنا في خيمة الإبداع .وكم أتمنى أن تقوم بعض المؤسسات الإقتصادية والبنوك بتخصيص ميزانية لتسيير هذه الأنشطة ودعم هذه النوادي .

 

(19) : قضيت سنوات في تنشيط المصائف والكشافة التونسية؛ كيف انعكست الروح الجماعية والانضباط الكشفي على إدارتك للملتقيات الثقافية لاحقاً؟

** منذ التحاقي بمدرسة بئر الباي للدراسة كانت كل التربصات التي نقوم بها ضمن برناج التكوين في نوادي المصائف والكشافة. وهذا من شأنه ساهم في تعزيز قدراتي واعدادي لتسيير كل الأنشطة التربوية والأدبية .

 

 (20) : كيف تقيم تواصل خيمة الإبداع بسوسة مع بقية الفضاءات الثقافية المستقلة أو الحكومية داخل الجمهورية التونسية؟

** مع الأسف تقلص نشاط الخيمة في السنوات الأخيرة  خاصة بعد احالتي على شرف المهنة وابتعادي عن مركز التخيم والإصطياف. بحيث لم نجد فضاء يلم الشمل ويتجدد به النشاط. واختصر عمل الخيمة على نشاط نقوم به كل سنة في فضاء خاص في شهر رمضان وهذا النشاط تحت عنوان "ليلة القدر تمطر كلمات" ندعو فيه شعراء الجهة للإحتفاء بالقصيدة على أجمل ما يكون .

 

*** المحور الخامس:  "المسيرة المهنية وتوظيف الخبرات"

 (21): تنقلت كمدير ومنشط بين نوادي الأطفال في السبيخة وحاجب العيون؛ كيف أثرت الطبيعة الجغرافية والاجتماعية لهذه المناطق الداخلية في مخزونك الإبداعي؟

** في الحقيقة بداية مسيرتي المهنية كانت صعبة جدا .عينت في أواخر سبعينات القرن الماضي بقرية أطفال بورقيبة في الومادية ولاية بنزرت للإهتمام بأطفال فاقدي السند  وكان العمل معهم شاقا جدا .ثم بعد ذلك عينت مديرا لنادي الأطفال بالسبيخة في ظروف صعبة جدا لأنني كنت في نفس الوقت  المدير والمنشط والمنظف والحارس .وبعدها انتقلت للعمل بنادي الأطفال حاجب العيون وفي نفس الظروف .

والثابت أن مثل هذه الظروف لا تنتج ابداعا ..

 

 (22) :  عملت لسنوات طويلة منشطاً بدور الشباب في حمام سوسة وسيدي بوعلي وأكودة؛ كيف وظفت الفنون الأدبية والشعرية في جذب الشباب إلى هذه الدور؟

** العمل في المؤسسات الشبابية يختلف كليا عن نوادي الأطفال .بحيث تتوفر في هذه المؤسسات كل الإمكانيات للتنشيط وكانت الأولوية بالنسبة لي اصدار مجلة وبعث نادي للأدب وكانت أيضا فرصة لصقل مواهب الشباب في هذا المجال .

 

 (23): أدرت مركز التربصات والاصطياف بسوسة من 2010 إلى 2014؛ كيف تختلف إدارة فضاء اصطيافي وتربوي عن إدارة الأندية الثقافية التقليدية؟

** المهمة في مركز التربصات والإصطياف لم تكن صعبة وكان العمل يسير على الوجه الأكمل. وكان المجال سامحا لتركيز خيمة الإبداع مع بعض الأصدقاء المهتمين بالشأن الأدبي في سوسة .حتى أني سارعت بتقديم طلب ترخيص للقيام بهذا النشاط من قبل المندوبية الجهوية للشباب والرياضة مع تقديم برنامجا مفصلا حول نشاط الخيمة في قادم الأيام وقد ساعدني في ذلك السيد متفقد الشباب الذي سره هذا البرنامج الجديد و الثري واستحسنه حتى أنه حضر في أغلب اللقاءات التي تمت برمجتها .

 

(24) : أعلنت تفرغك التام للكتابة والقراءات بعد تقاعدك في نوفمبر 2014؛ كيف اختلف معدل إنتاجك ونوعيته بعد التخلص من الالتزام الوظيفي اليومي؟

** في نوفمبر 2014 تمت احالتي على شرف المهنة  وكان عليّ أن أجد طريقة للتخلص من الفراغ الذي تركه الإبتعاد عن الإلتزامات الوظيفية اليومية . فكانت الكتابة و المطالعة .حتى أنني خصصت أكثر من 4 ساعات في الفترة الصباحية لكتابة الشعر والقراءات النقدية ومواكبة ما ينشر في صفحات الأصدقاء على الفيسبوك . وخصصت أكثر من ساعتين لمطالعة الكتب الجديدة والبحث عن المقالات الهامة ومتابعة ما ينشر في المجلات الإلكترونية في الفترة المسائية .وهكذا كنت ملتزما على تطبيق هذا البرناج  الذي أسفر عن انجاز أكثر من كتاب في الشعر والقراءات وقصص الأطفال .

 

 (25) :  تحمل ورقاتك الصادرة عام 2020 عنوان "ما لم تسقط من العمر... لم تعد خضراء"؛ هل يمكن اعتبار هذا الإصدار تحديداً تقاطُعاً نثرياً بين تجربتك المهنية الطويلة وتأملاتك الإنسانية؟

** "مالم تسقط من العمر ..لم تعد خضراء " مجموعتي الشعرية الخامسة . وهذا العنوان أردته في شكل سؤال . قد يكون سؤالا مبهما ولكنه في الحقيقة يجر القارئ إلى العديد من الأسئلة المفتوحة

على نوافذ البوح ومن خلالها سوف يكتشف  سر الدمع المنسكب على خطوط الورقة وتجاعيد النقاط التي تقتفي أثر السطور، وقد يدرك أن الشاعر في هذه الورقات يحترف العشق، عشق هذا الوطن المنهوك .عشق تظهر من خلاله آراء الشاعر وأفكاره السياسية التي تتواتر بين الحين والآخر وقدكتبت في صفحة (46)  :

"ترى...

من رأى ثورة ترتجف...

تجر الخطى فوق خد الحطام...

بكل اللغات

لكل الجهات

أقول:

أعيدوا لتونس عبير الزهور ...

فلون الورود إذا احمر شوقا

يعيد الحياة لنبض الكلام..." .

هذه المجموعة صدرت بتقديم للكاتبة وأستاذة الفلسفة اللبنانية رلى العريان تحت عنوان :

"بين قارئة وشاعر" .جاء فيه :

"... أذكى نهاية تلك التي تُورق أجمل البدايات وأبقاها. ما أرقى أن نحترف ذاك الوجود "النخلقه" فينا، ونطفئ تلاعب الحياة الماكر بأقدار نفلتها منّا، بين "العمر" يتساقط، و"الخضراء" التي تأبى إلّا أن تثمر الشعر وطناً، إشكالية الثبات تتبدّى في رمزية "تونس" العنوان، حيث انبثقت المرأة قضية تحرّر واعية، وتجلّى الملاذ وجودية أرض مثقّفة، التهب صقيعها عناد مطر ورقصة شتاء...إلّا أنّ الشاعر "عمر دغرير" المطلّ من ذاك الزمن الإنساني النبيل، معتمراً أجنحة قيم سامية أقرّوا أنّها لم تعد عصرية، غريباً يتوحّد حزنه البليغ، متّشحاً بالأمل، ينحت قصيدة مهاجرة، ترتق التشظّي الفكري والتلثّغ الاستعماري فعل حرية خلقها الشعر على حيّز واقع ملتبس، قد بالغ ذاك المسكون بنغم من أبجدية، في معاناة مفرداته، حتّى استفاقت أملا يتلاشى معه الألم، يسافر في عينيها الورديتين، حقائبه "نزاريّة" دون أن يدري، مغمسة بياسمين صباحي ونكهة مساء..." .