صورة الركام وبكارة الألم: حوار مع الأديبة هيفاء البريجاوي حول هندسة الأمل بالكلمات

حوار عطا درغام

 

في زمن يبدو فيه السرد ترفاً، والشعر تنهيدة في مهب الريح، تأتي الأديبة والشاعرة السورية هيفاء البريجاوي لتثبت أن الكتابة ليست مجرد توثيق للمأساة، بل هي فعل مقاومة يومي بالجمال. بين قصيدة نثر تفكك "بكارة الألم"، وقصة قصيرة تنبثق "بين الركام واليقين"، تعيد البريجاوي صياغة الهوية الوجدانية للإنسان العربي تحت وطأة التحولات الصادمة. في هذا الحوار الحصري، نغوص معها في كواليس صناعتها الأدبية، ونحاور فيها الشاعرة المحتشدة في عباءة القاصة، والكاتبة التي حوّلت المنصات الرقمية إلى منابر للوعي، والوجدان الإنساني الذي يعيد ترميم ما دمرته الأيام.

 

المحور الأول: التداخل بين الشعر والسرد (هندسة الجنس الأدبي)

1.حين تكتب هيفاء البريجاوي القصة، هل تشعرين أن الشاعرة داخلك تحاول "سرقة" النص لصالح التكثيف، أم أن السرد يمنح فضفاضية تحتاجها قصيدتك؟

حين أسرد، لا تتنازل الشاعرة داخلي عن النص لصالح الحكاية، بل تمنح الحكاية جسدًا كي لا يبقى الشعور معلّقًا في التجريد. والتكثيف ليس سرقةً من السرد، إنما هو إصغاءٌ لما يستحق أن يبقى منه؛ فأنا لا أختصر القصة، بل أستخلص نبضها. السرد يوسّع المشهد، والشعر يضيّق المسافة بينه وبين القلب؛ وبينهما لا أبحث عن انتصار أحدهما، بل عن تلك النقطة التي يبقى فيها جوهر الحكاية حيًّا، ويظل الشعور صادقًا دون أن يتزيّن بما ليس فيه.

 

2.في قصتك "ما بين الركام واليقين"، نلمس لغة شعرية عالية؛ هل ترين أن "أنسنة الجفاف" السردي باللغة الشاعرية هو طوق النجاة للقصة القصيرة اليوم؟

السرد باللغة الشاعرية ليس طوق نجاة للقصة القصيرة، بل وسيلة إذا خدم جوهرها ولم يزاحم حدثها، فالقصة تنجو بصدق تجربتها ووضوح رؤيتها، وتسمو حين تتآلف فيها شاعرية الشعور مع منطق السرد. وفي (ما بين الركام واليقين) تكون الشاعرية لغةً للوجدان، والسرد حاملًا للمعنى، لا أحدهما ينقذ الآخر، بل كلاهما يكشف إنسانية الحكاية وغايتها.

 

3.يقول بعض النقاد إن الشعر يفسد القصة إذا زاد عن حده، أين تضعين الخط الفاصل بين "شعرية السرد" و"المط السردي في الشعر"؟

-الحدّ الفاصل ليس في كثرة الشعرية، بل في وظيفتها: إذا خدمت الشعريةُ الحدثَ، وكشفتْ باطن الشخصية فهي شعريةُ سرد، وإذا غطّت الحدثَ واستبدلت الحكايةَ بالتأمل صارت السردَ في الشعر.

النبل أن تبقى اللغة رقيقة بقدر ما يحتمل الوجع، وواضحة بقدر ما يحتاج اليقين ، فالشعور لا يزاحم الحكاية، بل يمنحها إنسانيتها.

 

4.في نصك "غفوة قلم غيم ومطر"، هل كان القلم يغفو هرباً من حقيقة السرد، أم استيقاظاً في حضن المجاز الشعري؟

لم يكن القلم يغفو هربًا من حقيقة السرد، بل كان يستريح من صرامته ليستيقظ على ما وراءها؛ فحين غفا، لم يترك الحكاية، وإنما دخل حضن المجاز ليستعيد نبضها. غفوة القلم هنا ليست غيابًا عن الحقيقة، بل طريقة أخرى لقولها؛ غيمةٌ تمطر شعرًا، دون أن تطمس ملامح السرد.

 

5.كيف تختار الفكرة ثوبها لدى هيفاء؟ متى تولد الفكرة وتصر على أن تكون "قصة قصيرة" لا "قصيدة نثر"؟

الفكرة لا تختار ثوبها اعتباطًا، هي التي تملي على القلم شكلها. تولد قصةً قصيرة حين يكون في قلبها حدثٌ وشخصيةٌ وتحولٌ يريد أن يُروى، وتولد قصيدة نثر حين يكون جوهرها إحساسًا أو صورةً لا تحتاج إلى حكاية. وأنا لا أفرض التوازن بينهما، بل أترك الفكرة تقودني ،فإن احتاجت السردَ منحته وضوحه، وإن استدعت الشعرَ تركت للمجاز مساحته. ومن رحم الفكرة، حين تصدق مع نفسها، يخرج لونها الأدبي إلى وحي القلم دون تكلّف.

 

المحور الثاني: الواقعية الإنسانية وأدب الأزمات (جماليات الوجع والركام)

6.كتبتِ عن الحرب السورية وتأثيراتها، كيف يمكن للأديب أن يفصل بين "الشهادة التوثيقية" كصحفي، و"الرؤية الجمالية" كفنان يتعامل مع المأساة؟

أبحر في الواقعية الإنسانية من موضع الإنسان لا من موضع الوجع؛ أقترب من الركام لأرى ما بقي تحته من قلبٍ وذاكرةٍ ويقين. لا أستعجل الفكرة، أترك الشعور يختمر حتى يتحول الألم من مشهدٍ يُبكى عليه إلى معنى يُبصره المتلقي. وحين ينضج النص، لا أزيّن الوجع ولا أستثمره، بل أمنحه صدقه وكرامته؛ فالجمال في أدب الأزمات ليس في الركام، بل في الإنسان الذي يواصل النهوض من تحته.

على الأديب أن يفصل بين عين الصحفي التي تُوثّق الحدث، وعين الفنان التي تنفذ إلى معناه، فلا يزوّر الحقيقة لصالح الجمال، ولا يجمّد الألم في تقريرٍ بارد. يوثّق الحرب بصدقها، ويصغي إلى أوجاع أهلها وعمق معاناتهم، ثم يحوّل المأساة إلى رؤيةٍ إنسانية لا تكتفي بوصف الركام، بل ترسم من داخله طريق الحرية؛ حريةً تستمد يقينها من الحق، وثباتها من المبدأ، وكرامتها من الإنسان. فالجمال هنا ليس تزيينًا للمأساة، بل كشفٌ لما يبقى فيها من حقٍّ وأملٍ وإرادة.

 

7.الركام في قصصك ليس مجرد حجارة ميتة، بل يبدو كشخصية تنطق؛ كيف تعيدين بناء جغرافيا الدمار لتصبح بيئة خصبة لولادة النص الأدبي؟

-لا أعيد بناء جغرافيا الدمار بتجميل الركام، بل بمنحه صوتًا إنسانيًا؛ أجعل المكان شاهدًا يتنفس، والجدار ذاكرة، والنافذة عينًا تنتظر، والركام أثرًا لحياةٍ كانت هنا. ومن بين الخراب ألتقط الإنسان: خوفه، فقده، صمته، وتشَبّثه بما تبقّى من أمل. عندها تتحول الجغرافيا من مساحةٍ للدمار إلى شخصيةٍ تنطق وتتألم، ويولد النص من رحمها صادقًا؛ لا يستثمر الوجع، بل يصونه ويمنحه معنى.

 

8.في قصة "قلب طفلة"، كيف تمكنتِ من تقمص وعي الطفولة المصابة بصدمة الحرب دون الاستسلام للغة البكائيات الجاهزة؟

-في قلب طفلة، لم أحاول أن أتكلم بلسان الطفلة بقدر ما عشت الحرب بقلب طفلة، تبحث عن تفاصيل صغيرة تخبىء فيها أحلامها المؤجلة، حيث لا تُقاس المأساة بالمصطلحات الكبيرة، بل بتفصيل صغير يخيفها، أو لعبةٍ فقدت معناها، أو حضنٍ تبحث عنه. تركت الألم يتكلم من خلال سلوكها وصمتها، لا عبر البكاء الجاهز، لأن الطفولة حين تُصاب لا تحتاج إلى مبالغة كي تُوجع. وكان النضج الشعوري أن أخرج بها من الصدمة دون أن أمحو أثرها؛ لتبقى طفلةً مجروحة، لكنها قادرة على أن تستعيد شيئًا من الأمان والرجاء، فيصبح وجعها إنسانيًا لا بكائيًا.

 

9.هل تعتقدين أن أدب الأزمات السوري والعربي الحالي قد نضج كفاية ليصنع نظريته النقدية الخاصة، أم أنه ما زال تحت تأثير الصدمة؟

-أظن أن الأدب السوري والعربي لم يتجاوز الصدمة تمامًا، لكنه لم يعد أسيرها أيضًا، انتقل من تسجيل الجرح إلى مساءلته، وفهم ما تركه في الإنسان والذاكرة واللغة. ونضجه الحقيقي أن يصنع رؤيته النقدية من داخل تجربته، بشفافية لا تستثمر المأساة، ووعيٍ أدبي لا يجمّلها، وقلمٍ يحفظ مصداقية الحدث وكرامة الإنسان. فالأدب الناضج لا يهرب من الصدمة ولا يقيم فيها ،يحوّلها إلى معرفة وجمال وسؤالٍ إنساني يتجاوز زمن الأزمة.

 

10.كيف تنجو هيفاء البريجاوي كإنسانة من عبء القصص المأساوية التي تكتبها، وهل الكتابة تطهير أم تخليد للألم؟

-الكتابة عندي ليست تطهيرًا من الألم ولا تخليدًا له وحده ،إنها محاولة لإنقاذ المعنى من النسيان، وإنقاذ الإنسان من أن يُختزل في رقمٍ داخل إحصائية. أن يبقى له اسمٌ ووجهٌ وذاكرةٌ وحلم، لا مجرد خبرٍ عن موتٍ أو نزوحٍ أو فقد. وبعد سرد المأساة، لا تكون النجاة بإنكار الألم، بل بالعودة إلى الحياة محمّلةً بمعناه، أن أترك للضحايا كرامتهم، وللوجع صدقه، وللقارئ نافذةً نحو الأمل. فالكاتب لا يخرج من الحكاية كما دخلها، لكنه يستطيع أن يخرج منها أكثر وعيًا بالإنسان، وأكثر تمسكًا بالحياة.

 

المحور الثالث: النزعة التفاؤلية وجدلية "الألم والأمل" (الفلسفة الإنسانية)

11.في "من عمق الألم يولد الأمل"، تبدين كمن يمارس التفاؤل كفعل عناد؛ هل الأمل في نصوصك خيار فكري واعي أم غريزة بقاء تفرضها الكينونة السورية؟

-الأمل ليس تفاؤلًا ساذجًا، ولا إنكارًا للوجع، هو واقعيةٌ أسمى ترى الجرح كما هو، ثم تبحث في أعماقه عن معنى يليق بالإنسان. إنه صمّام أمانٍ للروح، وضمادٌ حقيقي لا يخفي آثار الجرح، بل يمنعها من أن تتحول إلى هزيمة. وبوعيٍ ناضج، يرتقي الأدب فوق الألم لا ليمحوه، بل ليمنحه معنى، ويفتح من بين الركام طريقًا إلى حياةٍ أكرم وأبصررؤيةً وأرسخ  عقيدةً، وأثبت موقفاً.

 

12.كيف تصنعين التوازن في قصصك بحيث لا يتحول "الأمل" إلى وعظ إرشادي ساذج، وبحيث لا يسقط "الألم" في سوداوية تامة؟

-أوازن بينهما بألا أشرح الألم ،ولا ألقّن القارئ كيف ينجو منه،أترك التجربة تقول حقيقتها، وأدع الأمل ينبت من داخلها لا أن أزرعه فوقها. فلا يتحول الوجع إلى موعظة، ولا يصبح الأمل إنكارًا للواقع ،بل يظل كلاهما في مساحة إنسانية هادئة: جرحٌ نعترف بعمقه، ونورٌ نتمسك به دون ادّعاء. فالأدب الأصدق لا يعظ ولا يُجمّل، وإنما يمنح الألم معنى، وللإنسان سببًا كي يواصل.

 

13.في نص "بكارة الألم"، هل الألم هنا حالة تدشين لوعي جديد بالوجود، أم أنه الوجع الكوني الأول الذي لا يزول؟

-بكارة الألم عندي ليست استدعاءً للوجع من أجل الوجع، ولا محاولةً لتدشينه في وعيٍ جديد ،بل إنصاتٌ إلى جرحه الأول قبل أن تستهلكه اللغة. هو وجعٌ إنساني كوني، يتبدّل وجهه ولا يزول، لكن الأدب يمنحه وعيًا ومعنى، ويرده إلى الإنسان بكرامته لا بانكساره. رسالتي أن أكتب الألم دون أن ينحت بطريقه سبيل اليأس ، وأن أستخرج من عتمته بصيرةً لا موعظة، ونورًا لا ينكر الجرح.

 

14.هل ترين أن القارئ العربي اليوم يبحث في أدبك عن مرآة لانكساراته، أم يبحث عن نافذة سرية تهرب به نحو الضوء؟

-القارئ لا يبحث في الكتابة عن مهربٍ من ألمه بقدر ما يبحث عن موضعٍ يضع فيه جرحه دون خجل، يخاطبه بشفافية وواقعية ليجد له منارة ضوء يقيني بالنجاة، يبحث عن مرآةٍ يرى فيها انكساره كما هو، ثم عن نافذةٍ يتسلل منها الضوء. وحين يبلغ الألم ذروته، لا أدّعي أن الشفاء يكون بمحو أثره ، فالندبة جزء من الحقيقة.

إنما أتعامل معه باليقين الذي لا ينكر الجرح، وبالإرادة التي ترفض أن تجعل منه قدرًا نهائيًا، وبالتصميم على تحويل التجربة من ثقلٍ يُسقط الإنسان إلى معنىً يرفعه. هكذا يكون الأدب ترميمًا لا يردّ الأشياء إلى ما كانت عليه، بل يمنحها شكلًا جديدًا من القوة والبصيرة ،فيخرج القارئ من النص لا بلا جرح، وإنما بقلبٍ يعرف كيف يحمل جرحه ويمضي.

 

15.الجدل بين اليقين والشك يحضر كثيراً في خلفيات شخصياتك؛ ما هي مقومات "اليقين" الأدبي في زمن تتهاوى فيه كل الثوابت؟

-اليقين في زمنٍ تتهاوى فيه المبادئ ليس غيابًا للشك، بل قدرةٌ على العبور خلاله دون أن نفقد البوصلة.

مقوماته عندي: وعيٌ يسائل ولا يستسلم، وإيمانٌ يهب القلب طمأنينته دون أن يعفي العقل من مسؤوليته، ومبدأٌ يُختبر في المحنة فلا يتبدّل بتبدّل الظروف. بين الشك واليقين، لا أبحث عن إجاباتٍ مكتملة، بل عن حقيقةٍ أستطيع أن أعيش وفقها ،فاليقين الأصيل ليس صلابةً عمياء، بل بصيرةٌ تمنح الإنسان ثباتًا أخلاقيًا، وإرادةً تحمي إنسانيته، وأملًا يفتح الطريق حين تشتد العتمة.أضاف الانتشار الرقمي والجمهور العابر للحدود اتساع دائرة القرّاء ،وسرعة الانتشار والتفاعل الثقافي، لكنه فرض على الكاتب المثقف أدبيًا مسؤولية أكبر في الحفاظ على جودة النص ،والهوية الثقافية، مع مراعاة اختلاف الأذواق والسياقات الثقافية.

 

المحور الرابع: الانتشار الرقمي والفضاء الافتراضي (الكاتب الرقمي والجمهور العابر للحدود)

16.نشرك المستمر في منصات كـ"بوابة على باب مصر" و"منبر العراق الحر" يعكس عابريتك للحدود؛ هل ألغى الفضاء الرقمي مفهوم "الأدب المحلي" ليخلق "أديباً عربياً كونياً"؟

-الفضاء الرقمي لم يُلغِ الأدب المحلي، بل وسّع مداه ،فأصبح الكاتب قادرًا على الانطلاق من خصوصيته المحلية والوصول إلى قارئ عربي وعالمي. وأرى أن هذا الانفتاح إيجابي أدبيًا لأنه يثري التجربة، ويعزز الحوار الثقافي، بشرط ألا يفقد الكاتب هويته وخصوصيته لصالح إرضاء جمهور عابر للحدود.

 

17.كيف تؤثر ردود الفعل الفورية (التعليقات والإعجابات) في المشهد الرقمي على طقوس كتابتك ومراجعتك لنصوصك؟

أرى أن ردود الفعل الفورية في الفضاء الرقمي أعادت تشكيل طقوس الكتابة ومراجعة النصوص، فمنحت الكاتب جسورًا آنية إلى قارئ واسع ومتعدد، تتيح له اختبار نصه وتلمّس أثره وتطوير أدواته.

غير أن الإفراط في الارتهان للإعجاب والتعليق قد يحوّل الكتابة من فعل إبداعي حرّ إلى استجابة لذائقة الجمهور. لذلك، يظل الرهان الأدبي الأسمى في أن يستثمر الكاتب هذا الانفتاح دون أن يفقد نوعيته ، وعمق صوته، واستقلال رؤيته الجمالية.

 

18.هل تخشين على نصوصك المكثفة من "سطحية القراءة السريعة" التي تميز مستخدمي الإنترنت اليوم، وكيف تجبرين القارئ الرقمي على التمهل؟

-العلاقة بين الكاتب والقارئ في الأدب ليست علاقة عابرة، بل رحلة مشتركة في فضاء المعنى ، فالكاتب يضع كلماته بعناية، والقارئ لا يكتفي بقراءتها، بل يبحث عن قيمة الكلمة، وإيحاء الحرف، وما تختزنه المفردات من دلالات. يمضي بين الكلمات كمن يوجّه مركبه في بحر من المعاني، من إشارة إلى أخرى، حتى يبلغ مبتغى النص ويكتشف ما وراء ظاهره. وهنا تكتمل الدائرة الأدبية: كاتب يمنح النص روحه، وقارئ يمنحه حياةً وتأويلًا، ونصٌّ يظل مفتوحًا على آفاق لا تنتهي من الجمال والمعنى.

 

19.الفضاء الرقمي منح الجميع فرصة الكتابة؛ كيف تحافظ هيفاء البريجاوي على "نخبوية ورقابة الجودة الفنية" في نصوصها وسط هذا التضخم الرقمي؟

-الحفاظ على نخبوية الكتابة في زمن التضخم الرقمي لا يكون بالانغلاق عن الجمهور، بل بالارتقاء بمعايير النص؛ أن يظل الكاتب وفيًّا لعمق تجربته، دقيقًا في لغته، واعيًا بجمالياته، وألا يجعل سرعة النشر ،أو وفرة التفاعل معيارًا لقيمة ما يكتب. فالنخبوية الحقيقية ليست إقصاءً للقارئ، وإنما احترامٌ لعقله وذائقته، وتقديم نصٍّ يستحق أن يُقرأ ببطء، ويُراجع بوعي، ويصمد أمام الزمن. أما الرقابة الفنية، فتبدأ من الكاتب نفسه: مراجعةٌ صارمة، وانتقاءٌ واعٍ، وإيمانٌ بأن كثرة النصوص لا ينبغي أن تنتقص من قداسة الكلمة.

 

20.هل تعتقدين أن المنصات الرقمية أنصفت الكاتبة المرأة وأخرجتها من صالونات الأدب الضيقة إلى فضاءات التلقي الحر دون أحكام مسبقة؟

في جوهر التلقي الأدبي، لا ينبغي أن يكون للجنس الإنساني سلطة على قيمة النص؛ فحين يمتلك النص قوته الجمالية والفكرية، يتقدم بذاته، ويصبح معيار الحكم هو ما يقدمه من معنى ورؤية، لا هوية كاتبه. والقارئ الذي يأتي إلى النص بموسوعة فكرية وذائقة واعية لا يبحث عن جنس المبدع، بل عن جمال العبارة، وعمق الفكرة، وصدق التجربة، وتماسك البناء. وهنا تبلغ العلاقة الأدبية أرقى صورها: أن تتوارى الأسماء خلف النص، وأن تتلاقى العقول عند الكلمة، فيقرأ القارئ المعنى بوعي، ويقدّر الجمال بإنصاف، ويترك للنص أن يقول قيمته بنفسه.

-وأقيّم الحراك الثقافي والنقدي اليوم بوصفه حوارًا حيًّا مع النص لا حكمًا نهائيًا عليه؛ فالنقد الأدبي الرفيع لا يكتفي بتصنيف العمل، وإنما ينفذ إلى لغته وبنيته ورؤيته وما يفتحه من أسئلة.

يمكن وضعه تحت بند النقد والحوار الثقافي وتدور محاورته حول: جمالية النص، عمق الفكرة، خصوصية اللغة، بناء الصورة، علاقة النص بواقعه، ثم تعدد التأويلات التي يتيحها للقارئ. وهنا يصبح الحراك الثقافي فضاءً تتداخل فيه النصوص والأفكار، ويغدو النقد وسيلةً لإضاءة العمل لا لمصادرة معناه.

 

المحور الخامس: الحراك الثقافي والمنظور النقدي (الموقع في خارطة الأدب)

21.من خلال نشاطك في "الاتحاد العربي للثقافة"، كيف تقيمين دور المؤسسات الثقافية المستقلة في رعاية الأدب الحقيقي مقارنة بالمؤسسات الرسمية؟

-أرى أن المؤسسات الثقافية المستقلة تفتح للأدب نوافذ أوسع على الحرية والاختلاف، وتمنحه فرصة أن ينمو بعيدًا عن القوالب الجاهزة، بينما تمتلك المؤسسات الرسمية قوة التنظيم والتوثيق واستدامة الرعاية. غير أن المعيار الأصدق لا يكمن في صفة المؤسسة، بل في قدرتها على الانحياز إلى النص الحقيقي، والموهبة الأصيلة، والقيمة الجمالية والفكرية.

ومن خلال مشاركتي في الاتحاد العربي الثقافي، أرى أن المؤسسة الثقافية يمكن أن تكون جسرًا يصل المبدع بفضاء عربي أرحب، فتتجاور التجارب، وتتقارب الرؤى، ويجد الأدب طريقه إلى قارئ يتجاوز حدود المكان. فالرعاية الثقافية حين تنطلق من الوعي لا من المجاملة، تصبح حاضنة للإبداع لا واجهة له؛ وحين يكون النص هو المعيار، تبقى الكلمة قادرة على أن تعبر الحدود، وأن تمنح صاحبها حضورًا يستمد شرعيته من جودة ما يكتب، لا من موقع من يرعاه.

 

22.أعمالك تحظى بقراءات نقدية متعددة؛ ما هي القراءة النقدية التي فاجأتكِ بأنها اكتشفت في نصوصك زاوية لم تخططي لها واعيةً؟

-من أعمق القراءات النقدية التي فاجأتني تلك التي لم تكتفِ بقراءة النص من ظاهره، بل نفذت إلى زواياه الخفية، وكشفت لي أبعادًا لم أكن قد رأيتها وأنا أكتبه. لقد منحتني الزاوية النقدية معنىً آخر للنص، وأعادت ترتيب بعض تفاصيله في وعيي، حتى بدا المشهد الإبداعي أكثر اكتمالًا واتساعًا.

وهنا تكمن قيمة النقد الحقيقي؛ فهو لا يقف في مواجهة الإبداع، ولا يكتفي بتقويمه، بل يحاوره ويضيء عتماته ،ويكشف ما استتر بين مفرداته. وحين يلتقي وعي الكاتب بعمق الناقد، يتجاوز النص لحظة كتابته الأولى، ويولد من جديد في فضاء التأويل، ليأخذ صورته الإبداعية التي تليق به.

 

23.يواجه النقد العربي اتهامات بالمجاملة أو الانعزال في أبراج عاجية؛ كيف تجدين التفاعل النقدي مع جيلك من الكاتبات؟

-أرى أن النقد العربي، رغم ما يواجهه من اتهامات بالمجاملة أو الانغلاق في أبراجٍ عاجية، يظل ضرورةً جوهرية لاكتمال المشهد الإبداعي. وبالنسبة لنا ككاتباتٍ من هذا الجيل، فإن الحيز النقدي الأكثر إشراقًا هو ذلك الذي ينحاز إلى النص لا إلى صاحبه، ويقرأ بضمير المعرفة لا بعاطفة المجاملة.

فالناقد الحقيقي لا يكتفي بإضاءة ما هو ظاهر، بل ينفذ بشفافية إلى كوامن النص، ومساحاته المسكوت عنها،وطبقاته الجمالية والفكرية، فيكشف للكاتبة ما قد تخفيه عنها لحظة الكتابة نفسها. وحين يأتي النقد بهذه الروح، فإنه لا ينتقص من النص، بل يمنحه فرصةً أخرى للحياة، ويضع أمام الكاتبة مرآةً أكثر عمقًا ترى فيها تجربتها من زاوية لم تكن مألوفة لها.ومن هنا أؤمن أن العلاقة الأجمل بين الكاتبة والناقد ليست علاقة مديح أو محاكمة، بل حوار معرفي نزيه؛ يترك للنص حريته، وللناقد شجاعته، وللكاتبة مساحةً رحبة كي تنضج تجربتها وتتسع رؤيتها.

 

24."على قارعة الانتظار" كعنوان يختصر مشهداً ثقافياً كاملاً؛ ما الذي ينتظره المشهد الأدبي العربي اليوم لكي يحدث قفزة نوعية في الرواية والقصة؟

على قارعة الانتظار، يقف المشهد الأدبي اليوم لا منتظرًا كثرةً جديدة في العناوين، بل قفزةً نوعية في الوعي والكتابة؛ قفزة تنقل القصة والرواية من مجرد سرد الحكاية إلى مساءلة الإنسان والواقع والذاكرة والمصير.ما ننتظره هو نصٌّ يمتلك جرأة الفكرة، وعمق الرؤية، وخصوصية اللغة، ونضج البناء الفني؛ نص لا يلهث خلف الحداثة ،ولا يستجيب لسطوة الانتشار، بل يكتب لأن لديه ما يستحق أن يُقال. وفي القصة والرواية تحديدًا، نحتاج إلى تجارب تفتح نوافذ جديدة على الإنسان العربي، وتلامس تحوّلاته وأسئلته وتناقضاته، دون مباشرة أو شعارات، بل عبر فنٍّ قادر على تحويل التجربة الفردية إلى دلالة إنسانية تتجاوز حدود المكان .

 

25.إذا أردنا تلخيص مشروع هيفاء البريجاوي في كلمة واحدة بعد كل هذه المسيرة بين الشعر والسرد، هل ستكون الكلمة هي "الترميم" أم "المواجهة"؟

-يقوم مشروع هيفاء البريجاوي تحت عنوان (مرايا الكلمة )على تخومٍ خصبة بين الشعر والسرد، حيث لا تبدو الكلمة مجرد أداة للتعبير، بل طاقةً جمالية لإعادة بناء ما تهدّم في الذات والذاكرة والواقع.

فالشعر يمنح التجربة كثافتها وإيحاءها، بينما يهبها السرد امتدادها الإنساني والزمني، لتتشكل كتابة تتجاوز الفصل بين الأجناس نحو أفق أكثر رحابة.وفي هذا المشروع، لا أرى الكلمة ترميمًا في مقابل المواجهة؛ بل أراها ترميمًا بالمواجهة. فهي تواجه ما انكسر، وتعيد مساءلة الذاكرة، وتمنح الجرح لغةً قادرة على تحويل الألم إلى معرفة، والتجربة إلى معنى. ومن هنا تنبع القيمة النوعية للمشروع: أن يجعل من الكتابة فعلًا جماليًا وفكريًا في آن، يقاوم التصدع دون أن ينكره، ويرمم الإنسان دون أن يهادن أسئلته.

ولعل القفزة الحقيقية تبدأ حين يصبح الكاتب  أكثر وعيًا بمسؤوليته، والناقد أكثر نزاهة في قراءته، والمؤسسة الثقافية أكثر إنصافًا في احتضانها؛ عندها لا يعود المشهد الأدبي ينتظر مستقبله، بل يصنعه نصًّا بعد نص، وصوتًا بعد صوت.