مِشرَط الحرف وصيدلة القافية: حوار مع " الشاعر" الدكتور أسامة أيمن أسعد
حوار عطا درغام
بين معادلات الكيمياء الدقيقة وسيولة المجاز العامي، يقف الشاعر والطبيب الصيدلي أسامة أيمن أسعد ليصنع توليفة إبداعية خاصة جدًا. هو ليس مجرد شاعر يكتب لينفس عن مشاعره، بل هو "مُشرِّح" للواقع، يمسك بـ "مشرط" الكلمة ليداوي ندوب الخذلان والوقت في دواوينه مثل "ساعات" و**"شعر أكرت"** و**"سما سيما"**. في هذا الحوار، نتخلى عن الأسئلة التقليدية الجاهزة، ونبحر معه في فلسفة الصعيد، وجدلية الوقت، وعلاقة الصيدلة بالشعر، وبنية قصيدته العامية.
المحور الأول: "سيكولوجية الوقت" وجدلية ديوان (ساعات)
1. في ديوانك "ساعات"، هل يتعامل الشاعر مع الوقت كأداة للشفاء أم كعامل تعرية يلتهم الملامح والذكريات؟
بالطبع ذلك صحيح، فمن وجهة نظري الشخصية تعتبر الساعات جيوباً فارغة في حقائب الزمن، وهذه الجيوب تمتلئ بما هو مسير لنا أو ميسر باختياراتنا وأيدينا، وللقدر أحكامه بالطبع، لذلك تعاملت مع الساعات في ديواني كشفاه صادقة، تعبر عما في داخل أنفسنا من تغيرات تغمرها، وتحديات تسيطر عليها، وتفاصيل تنبعث من خلالها، فلقد جعلت كل قصيدة جسداً ذو حالة، وهذه الحالة لا تخفى على أحد، وتمر على الجميع، وبالتالى جعلت كل قصيدة مرآة ينظر فيها القارئ فيرى نفسه فيها كما أرى نفسي في قصائدي، أتوحد معه ويتوحد معي، وجسرنا الرئيسي هو القصيدة.
2. كيف تنجو بالقصيدة من فخ "الرثاء المبتذل للوقت" إلى مصاف الفلسفة اليومية التي تهم الرجل العادي؟
رأيت أن البساطة والتركيز على المعنى هما مفتاح الأمر الحقيقي، فالأمر بالنسبة لي ليس إبهاراً لقارئ، أو التكثيف الذي يجعله يبتعد عن الواقع بتحريك المشاعر فحسب، ولكنني باختصار أحاول أن يدخل القارئ القصيدة بشكل، ويخرج منها بشكل آخر، لا أسعى لإبهاره بالمعنى الحرفي، ولكن لجعله يتماهى مع القصيدة، ويخرج بشئ ما في حياته.
3. هل كتبت "ساعات" بعقلية الصيدلي الذي يحسب الجرعات بدقة، أم بعشوائية العاشق الذي يرتجل مشاعره؟
بالطبع كان لتخصصي المهني رأيه في الأمر، ولكن لا أنكر أبداً كوني مزجت بين عشوائيتي وعقلية الصيدلي، لنخرج قصيدة صارخة دوائية، تعالج شيئاً في دواخل شخصية القارئ وتكوينها.
4. يرى البعض أن "الساعة" في شعرك هي رمز للمواجهة المؤجلة مع الذات، متى دقت ساعة المواجهة الحقيقية في تجربتك؟
في الحقيقة لا أذكر بالضبط متى حدث ذلك، ولكني أعرف كم من التحديات التي واجهت تجربتي الحياتية والشعرية، فذلك المزيج من الإحباط والتشجيع، والدمع والبسمة، والرغبة والعزوف، جعلت رصد كل هذه التقلبات والأحداث أمراً لا بد منه، وجعلت من تجربة حديثي مع الذات أمراً حتمياً، وحكمت بأن يكون ديواني ساعات محضراً لجلسات محاكمتي للذات والحياة في صورة قصائد.
5. كيف صهرت مفهوم "الانتظار" في هذا الديوان ليتحول من عجز إنساني إلى طاقة شعرية منتجة؟
بالطبع كنت أخاف من تجربة أول ديوان، مع التعطش الشديد لأن أرى قصائدي بين أحضان الكتاب، وبين هذا التناقض ظهرت بذرة الأمر، فقمت بكتابة الديوان الذي رصدت فيه كل ساعاتنا من وجهة نظري الخاصة، وقلت لنفسي لماذا نكتفى فقط بالرصد، ولا نترك في نفس المتلقي قيمة مضافة يرتكز عليها شعوره بعد الانتهاء، من هنا بالضبط كان منطلق بلورة كل المعاني الداخلية للقصائد لخدمة هذا المنجز، وخرج ساعات بشكله وصفته محققاً المراد، وممثلاً هذه القيمة المضافة التي هي حق كل قارئ تمر عيناه على صفحات الكتاب.
المحور الثاني: تشريح البيئة والتمرد في (شعر أكرت)
6. اختيار اسم "شعر أكرت" يحمل دلالة خشنة ومتمردة؛ ما الذي كنت تحاول "تجعيده" أو التمرد عليه في قوالب العامية المستقرة؟
لقد جعلت ديوان شِعر أكرت معبراً شكلاً وموضوعاً عن فترته وهيئته، فالفترة التي كتبته فيها كانت فترة خشنة الطباع، ومتشابكة الأحداث والتفاصيل، وذلك بالرغم من كونها ذات أحداث رئيسية محددة، ولكن كان التشابك سيد الموقف، فجعلت الديوان كذلك، بالرغم من قلة قصائده عدداً، إلا أنها كانت تمثل تداخلاً "مجعداً" ينقل هذه الحالة للمتلقي، ويفصح له عن كل شئ، علاوة على أن القصيدة الأم في الديوان تحمل اسم الديوان وتشرح فكرته بشكل مختصر.
7. الصعيد (نجع حمادي وقنا) حاضر بظله لا بصوته الزاعق في شعرك، كيف زاوجت بين خشونة المنشأ ورقة التعبير؟
لقد حفرت مفردات التنشئة الصعيدية، وبوادرها المعروفة كل التفاصيل، فأنا ابن قرية في صعيد مصر بمركز نجع حمادي تسمى "هو"، وهي قرية ذات تراث عريق في كل العصور، منذ العصر الفرعوني حتى اليوم، فكل شئ هناك ينطق بالتاريخ والحضارة معاً، وأنت ترصد هذه العملة النادرة من التنوع، فلقد ولدت بين أحضان هذا الثراء الريفي التراثي، وولدت في بيت جدي لأمي الذي وبالرغم من بساطته لا يمكن أن يخرج منه إلا المبدع أو الحكيم، فلم أرى الصعيد بصوته الزاعق أبداً، بل بثرائه المختلف تقافياً وتراثياً، فلقد رأيت الصعيد " بيئة بكراً"، لم تفسدها الحداثة المفرطة، ولم يثقلها القديم بأحكامه، فهي مزيجٌ في مزيجٍ من الأشياء، وهذا المزيج صنعني، وحفر نفسه بداخلي، رغم انتقالي إلى العيش بمدينة الغردقة بمحافظة البحر الأحمر، مازلت ذلك الطفل الذي يرى الشمس الصعيدية مختلفة، والهواء الصعيدي مختلفاً، والبهجة الصعيدية مختلفة، فإني أرى الصعيد شاعراً منذ القدم، ورساماً منذ القدم، ومغنياً يبعث في داخل من يريد أن يراه على حقيقته أنغاماً إبداعية ساحرة، وأرى خشونة طبعه دافعاً منطقياً للإبداع.
8. الخذلان في "شعر أكرت" ليس بكاءً على الأطلال، بل هو أقرب للمكاشفة الساخرة، لماذا اخترت "السخرية السوداء" كدرع ضد الصدمات؟
لأن السخرية تشفي غليلي من الحياة، فكلما عدت إليها أجد تطبيباً لذلك الجرح الكامن، وتضميضاً لهذه الفراغ الدفين، وأرى أنها مع الوقت تتحول ل"مضاد حيوي" يحميني ويحمي جسدي، ومصلاً يرشدني بحمايته مما هو قادم.
9. هل ترى أن "الشعر الأكرت" (بمعناه المجازي) هو الأقرب لتمثيل جيل الشباب الحالي مقارنة بالشعر "الناعم" أو الرومانسي الكلاسيكي؟
بالطبع أرى ذلك، فمن وجهة نظري سئم الشباب من الرومانسية المفرطة، فهم اليوم يريدون ما يعبر عنهم بمفرداتهم وحياتهم اليومية، بوتيرتها السريعة والمتغيرة، فهم ليسوا كالأجيال السابقة، وذلك تراه في ذوق ملابسهم وأغانيهم واهتماماتهم، فنحن في عصر التشابك والتداخل المفرط في كل شئ، وذلك بالطبع له تأثيره الجلي على الشباب، بالتاي فإن "الشعر الأكرت" يشبه ما هم فيه فعلاً من وجهة نظري.
10. كيف وظفت الهامش واليومي والمهمش في هذا الديوان لتصنع منه مركزًا للدراما الشعرية؟
جعلت هامش ديواني كل شعور صادق ألم بي، وتألمت بسببه، أو أثر في داخلي، وعكفت على إسقاطه على تفاصيلي اليومية، صانعاً منه مادة خصبة لتشكيل القصيدة، وبالأخص الجانب السردي والقصصي منها، والذي أميل إليه في إيصال الفكرة والمضمون، وعند تكوين القصيدة النهائي أهمش التقييد الأعمى بالقواعد الشعرية الصارمة، وأجعل الأهم في الأمر إيصال الفكرة، ذلك هو بالضبط وباختصار ما تركزت عليه فلسفتي الدرامية الشعرية.
المحور الثالث: البنية البصرية والصورة في (سما سيما)
11. ديوان "سما سيما" يحيلنا فورًا إلى الكاميرا والشاشة، كيف تخرج القصيدة عندك من حيز السماع إلى حيز الرؤية البصرية (السينمائية)؟
في الحقيقة أنا بطبيعتي أميل إلى السرد القصصي، وأحب القصيدة القصصية جداً، فهي الأقرب إلى قلبي، والأقرب لقلب الجمهور، فالقصيدة عندي تكون أقرب إلى السيناريو والحوار المتبادل، مع تشكيل بيئة مناسبة لهذا الحوار، وهذه الأحداث، هذا بالطبع ما ارتكزت عليه في "سما سيما"، فالقصيدة فيه كفيلمٍ سنيمائي قصير، يستخدم أدواته الإداكية والخيالية لتشكيل الصورة، فالقصيدة الأم على سبيل المثال في الديوان والتي تحمل اسمه ترى السماء شاشة عرض كبيرة، وتجعلني نائماً مواجهاً نظري للسماء، متخيلاً أحداث حياتي الشخصية، واستخدم في ذلك أدوات الطبيعة كلها من رياح وسحاب ونجون، وكأن الكون هو المنتج الذي يكون لنا العمل بأدواته وتفاصيله، وبالتالي يصير الأمر جلياً كشريط سنيمائي فريد من نوعه على شكل قصيدة.
12. من هو "المخرج" الحقيقي داخل قصيدتك: وعيك الثقافي أم لا وعيك الذي يختزن صور الشارع المصري؟
اظن أن وعيك بالشارع واحتكاكك بالجمهور هو المخرج الحقيقي والمحرك الأكبر، فالشاعر الذي يجعل وعيه الثقافي فقط هو من يحكمه، وينظر إلى الناس من شرفته الثقافية العالية فقط لا يكون مبدعاً من الأساس، فالوعي الثقافي والوعي بالجماهير من وجهة نظري وجهان لعملة واحدة، هذه العملة تصنع الشاعر وتنميه وتميزه.
13. هل تعتمد على "المونتاج الحذِف" في قصائدك العامية أم تترك المشهد يسترسل ليأخذ مداه الشعوري الكامل؟
لا اترك المشهد يسترسل ليأخذه مداه وحقه كامله، فالقصيدة بالنسبة لي هي الفضاء الخاص، الذي انطلق فيه بحرية، وينلق فيه قلمي بانسيابية بالغاً ما يرنو إليه ويطمح في أن يوصله.
14. في "سما سيما"، أين تنتهي حدود الواقعية الفاضحة وتبدأ خيالات "الفانتازيا" المحلقة؟
تنتهي حدود الواقعية عند تحديد أطراف الفكرة والإطار، من مداخل منطقية ونهاية منطقية، وتسلسل مقنع، وفي هذه اللحظة تبداً الفنتازيا في الالتفاف حول الحبكة وبلورتها لخدمة النص، وتطويع ديناميكية دراما النص لإيصال الفكرة دون حشو أو إنقاص، فالأمر يتم بالشعرة قدر الإمكان لعمل نص متميز.
15. كيف تصنع "الموسيقى التصويرية" للقصيدة دون أن تقع في فخ الخطابة الصوتية المزعجة؟
أحاول المحافظة على الموسيقى الداخلية للنص والإيقاع الشعري المناسب دون التقيد المفرط به، ومن ثم أتناول النص إلقائياً بسكتاته، ومناطق رفع الصوت، ومناطق خفض الصوت، والإلتفاف، والإلتفات، ولفت النظر، أحاول أن اتمايل بين كون القصيدة ذات طابع مقبول عند المتخصصين، وبين كونها مادة تواصل بيني وبين المتلقي.
المحور الرابع: "صيدلة الكلمة" وعلم الميراث الثقافي
16. هناك مفهوم شائع يربط بين الطب والتشريح، كيف تمارس "التشريح الصيدلي" على جروح شخوصك في القصيدة؟
بالطبع هذا صحيح، فتشريح الجروح يبرز نقاط قوتها وضعفها، ويسمح لي أن اعرف علاجها ودواء الموقف، وبالتالي تتم عملية الشفاء، فالصيدلة والشعر كلاهما بنفس الوظيفة، فوظيفتهما إيجاد العلاج للعلل، وتطبيب الجروح الغائرة، والأمراض والألم.
17. هل تجد قواسم مشتركة بين تركيب الأدوية (التركيبات الصيدلانية) وتركيب الاستعارة المكنية في العامية المصرية؟
نعم بالطبع ، فالدواء في الأصل مكون من مادة كيميائية، والقصيدة مادة، والمادة الكيميائية تتكون من عناصر مترابطة بروابط كيميائية، والقصية تتكون من حروف مترابطة معاً بروابط لغوية لتكوين الكلمات، والكلمات مترابطة معاً بروابط بلاغية وبيانية لضبط النص، والدواء والقصيدة كلاهما يطرحان العلاج ويبحثان عن الحل، فلا أرى أي تعارض بين الأمرين، فكلامها يخدم المتلقي، سواً تلقى علاجاً أو قصيدة.
18. لقب "دكتو شاعر" قد يحجّم أحدهما لصالح الآخر؛ أين يثور الصيدلي على الشاعر، وأين يداوي الشاعر جنون الصيدلي؟
لا أعتقد ذلك مطلقاً، فكلاهما يكمل الآخر، وكلاهما يمثلني، فكل شق له دلالته، وسنوات ممارستي له، وسنوات تطبيقي لمسئولياته، فلكل لقم مذاقه الخاص وطعمه الفريد.
19. في مسابقات الجامعات ومهرجانات الشباب (مثل إبداع وهمسة)، ما هي "الآفة" الثقافية التي رصدتها في جيلك وتحاول معالجتها؟
آفة البحث عن "اللقطة والتريند"، وتغليب الانتشار على الاهتمام بالمضمون، وتسطيح الفكرة وتقليد الرائج، فلقد وجدت أن انتشار ثقافة الأشباه في الوسط قد أثر على التجارب الحقيقية الموجودة، كما أن الاحتفاء الشديد بمن هم غير ناضجين فنياً استناداً على علاقاتهم الفنية أو قاعدة متابعي وسائل التواصل الاجتماعي لديهم قد أثر بالسلب على كثير من التجارب الصاعدة والقوية، فبطبيعة الحال توفر المسابقات مناخاً صحياً وخصباً للاحتكاك المباشر بلجان تحكيم تضم قامات كبيرة جداً شعرياً، وتارب ناشئة تستحق أن تكون في الصدارة ولا تجد الفرصة المناسبة.
20. كيف تتجنب أن يتحول وعيك العلمي الأكاديمي إلى حائط صد يمنع عفوية القصيدة الصعيدية؟
بالإطلاع المباشر على التجارب الشعرية المتنوعة، بداية من الكبار كالشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي والشاعر الكبير صلاح جاهية رحمهم الله، مروراً بتجارب الكبار من المعاصرين، وصولاّ لتجارب أبناء جيلي، والتجارب الواعدة هذه الأيام، فأنا أرى الوعي العلمي يدفعك للاطلاع الدائم، وتحديث مداركك، بشكل يخدم قدرتك على ضبط الحبكة، وترك الانسيابية والعفوية تأخذ مجراها في الإطار المناسب والمثمر.
المحور الخامس: قضايا الهوية وأسلوبية "العامية الثالثة"
21. العامية المصرية غنية بالروافد (القاهرية، الصعيدية، الساحلية)؛ أي "خلطة لغوية" صهرتها لتصنع صوت أسامة أسعد الخاص؟
أنا لا أومن بتقسيم الأمر، فالعامية المصرية في كافة أشكالها وطرق كتابتها المتنوعة تفرض ذاتها، والمهم في الأمر أن تكون اللفظة والمفردات مفهومة وذات ثقل، وقد لمست ذلك الأمر ليس في كون العامية مفومة داخل القطر المصري فقط، بل و حتى في خارج مصر، فلقد وجدت أن العامية المصرية مفهومة ورائجة حتى بين الأشقاء العرب مع اختلاف لهجاتهم، بل و يتفاعلون مع قصائدي العامية وكأنهم يعيشون في الشقة المجاورة لنا، فلو كنت سأتحدث عن ال"خلطة اللغوية" الخاصة بي، فأنا أراها "القاهرية، الصعيدية، الساحلية، النوبية، السيناوية، الريفية"، فأنا أرى أنني كل هؤلاء، وأن قصيدتي ذات مرونة كافية أن تخترق وجدانهم، وتصل لقلوبهم جميعاً على حدٍ سواء.
22. كيف تواجه الاتهام الجاهز لشعر الشباب بأنه "سطحي" أو "لحظي" لا يعيش طويلًا؟
أرى أنه اتهام ساذج، وغير موضوعي، والتعميم فيه يظلم كثيراً من الأصوات الشابة الحقيقية، والمحزن في الأمر أن معظم من يطلقون مثل هذه الاتهامات كانوا شباباً يافعين يبحثون عن الفرص، وربما لم يكونوا على المستوى المكافئ لمن يطلقون عليهم هذه الالتهامات وهم في مثل سنهم، لا أقول أنه لا يوجد من ينطبق عليهم ذلك الاتهام ملةً وتفصيلاً، ولكن لماذا نعمم؟!، ولماذا لا نأخذ بيد هؤلاء لطريق أكثر احترافية؟!، و لماذا نحتكر الاحترافية ونجعلها فينا فقط؟!، أرى أنه من الظلم أن نحكم بشكل عام، وإلا سيكون الأمر مجرد هراء وسخف.
23. القصيدة الأدائية (التي تُلقى على المسرح) تختلف عن قصيدة القراءة، كيف توازن في أسلوبك بين بهرجة الإلقاء وعمق النص المكتوب؟
لا أعتقد أن الأمر يختلف كثيراً عن بعضه، فأنا أكتب قصيدتي للمتلقي، وللمتلقي كامل الحرية أن يتناولها كيفها يحب، فهناك من يحب أن يقرأ، ويجد راحته في ذلك، وهناك من يحب أن يسمع، ويجد راحته في ذلك، وكلاهما وسائل تلقي، لكن الاهتمام الأول والأخير بالنص، وتعبيراته وجمالياته وفكرته، فأنا عندما أكتب نصاً أتخيل نفسي على المسرح أقوم بتأديته، وأفكر أيضاً في القارئ، وأحاول ضبط النص إملائياً و تنسيقياً ليناسب ذوقه و مزاجه الشعوري داخل النص.
24. ما هو موقفك من "قضية الالتزام" في الفن؟ هل الشاعر ملزم بتبني قضايا مجتمعه أم أن حريته الفردية هي أسمى قضاياه؟
لا أرى أن الأمر يحتمل أن نسميه التزاماً بالمعنى الحرفي، ولكنه مسئولية، وكون الشاعر مسئول في مجتمعه يجعله دون شعور يعبر عن ذلك المجتمع، ولكن بطريقته الخاصه، وأسلوبه الخاص، ومفرداته الغير مفروضة عليه، فالمجتمع له مذاقه السلوكي الخاص، الذي سيؤثر على الشاعر، ولكن لا يقيده، ولا يقايض قبوله كشاعر بذلك الأمر، فالجمهور هو المتلقي، والشاعر يكتب ما يناسبه أولا ثم ما يناسب الناس، بما تقتضيه المسئولية الإبداعية عليه.
25. إذا جردنا قصيدتك من المحسنات البديعية والأوزان، ما هي "النواة الفلسفية" العارية التي ستبقى للمتلقي؟
ستبقى فكرتي المجردة، وإيماني بالقضية التي أناقشها، والأبعاد الحقيقية للأمر، فالقصيدة دون فكرة حقيقية كأعجاز نخل خاوية، مهما زينتها المحسنات البديعة والأوزان والموسيقى، فالفكرة هي الأصل، ولا شاعر دون فكرة.
________
