نهر الكلمات ونبض الوجدان: حوار يبحر في عوالم الشاعر فهمي محمود حجازي

حوار عطا درغام

 

نلتقي اليوم في هذا الحوار الشيق مع الشاعر والكاتب فهمي محمود حجازي، الذي استطاع عبر قصائده الممزوجة بآلام الواقع وآمال الوجدان أن يبني جسرًا متينًا مع القارئ العربي. سنبحر معه في تفاصيل تجربته الإبداعية، ونستكشف رؤيته للقصيدة، ودور الأدب في معالجة القضايا الاجتماعية، وكيف يرى مستقبل الكلمة في زمن المنصات الرقمية.

 

المحور الأول: شعر الوجدان وتجربة العتاب والإنسانيات

    كيف تولد قصيدة العتاب في وجدانك، وهل ترى أن الألم هو المحرك الأساسي للإبداع الوجداني؟

    تولد قصيدة العتاب في وجداني عن طريق إما التجربة وظلم الحبيب وهجره وهي عتاب محب، أو نتيجة لتجربة بخيالي أو مر بها بعض الأشخاص الذين أعرفهم. فالألم هو أكبر محرك للإبداع، فعندما تولد القصيدة بعد معاناة تكون قوية وجميلة، كولادة أجمل طفل بعد تعب الأم في المخاض.

 

في قصيدتك "ستائر الأوهام"، نقلت القارئ من عتمة الصدمة إلى نور الوعي؛ كيف تصنع هذا التحول النفسي داخل النص؟

نعم، في "ستائر الأوهام" نقلت القارئ من عتمة الصدمة إلى نور الوعي؛ فمن المحن تأتي المنح، ويأتي نور الفجر بعد زوال عتمة الليل. إنها صناعة التحول إلى الأفضل كصناعة الذهب، كلما زادت عليه النار تخلص من الشوائب وزاد بريقه ولمعانه.

 

هل الشاعر يكتب تجاربه الشخصية أم أنه يعبر عن خذلان الآخرين ومشاعرهم؟

نعم، الشاعر يكتب تجاربه وأيضاً تجارب من حوله، وأيضاً عندما يكتب قصيدة من وحي صورة في مسابقة أو غيرها يعيشها بخياله.

 

كيف يوازن الشاعر بين كشف جراحه الوجدانية أمام الجمهور والحفاظ على خصوصية مشاعره؟

هذا صعب طبعاً، ولكن ممكن أن يجعل القصيدة تتحدث عن غيره، أو أن يجعلها في إطار جماعي عن معظم من حدث لهم ذلك.

 

متى يتحول العتاب في قصائدك من ضعف وكسر إلى قوة ونضج إنساني؟

تحول العتاب في قصائدي من ضعف وكسر إلى قوة ونضج إنساني؛ أولاً في اعتقادي أن الضربة التي لا تقتلك تقويك، وأن من المحن تأتي المنح، وحتى أسيطر على ضعفي أحوله بذلك الاعتقاد.

 

المحور الثاني: الطابع الوعظي والرسالة الاجتماعية في الأدب

    تميل بعض قصائدك إلى الوعظ والإرشاد، كيف تحافظ على شعريّة النص دون السقوط في المباشرة والخطابة؟

    تحميل بعض قصائدي إلى الوعظ دون السقوط في المباشرة والخطابة؛ لأنني أرى بعين المراقب الجيد ما يدور حولي وتحويله إلى قصائد، وإلى بعض مفهوم الأحاديث والآيات القرآنية وتحويل تلك المعاني إلى مواعظ مما فهمت بطريقة شعرية سهلة.

 

"تِعبان واللي بقلبه مسامح عند الإله كسبان".. كيف توظف قيم التسامح الديني والاجتماعي في أعمالك؟

توظيف قيم التسامح الديني في أعمالي لأنني مؤمن بها وهذا طبعي، وأحث عليها كما وردت في القرآن والأحاديث النبوية.

 

ما هي القضايا المجتمعية الأكثر إلحاحاً والتي تشعر أن الشعر يمتلك القورة على تغييرها اليوم؟

القضايا المجتمعية الأكثر إلحاحاً هي القضايا الأسرية بجميع صورها؛ عقوق الوالدين والبر، وبين الزوجين من طلاق وتشتت أسري وضياع أطفال، وقضايا التدخين والإدمان، وقضايا الظلم والغش، والضمير السارق، وكل ما يهم المجتمع.

 

هل ترى أن دور الشاعر المعاصر يتجاوز الجماليات الفنية إلى دور "المصلح الاجتماعي"؟

أكيد، فبالكلمة ترقى الشعوب، وبالحكمة نصلح كل شيء عندما تكون صادقة من شاعر يحب ما يكتب.

 

كيف تقيم تفاعل الجمهور مع القصائد ذات الطابع الأخلاقي مقارنة بالقصائد العاطفية؟

الجمهور يتفاعل أكثر بالقصائد ذات الطابع الأخلاقي لأننا شرقيون وشعب يميل إلى التدين.

 

المحور الثالث: التنوع اللغوي والإيقاعي بين الفصحى والعامية

    تتنقل بسلاسة بين الفصحى المبسطة والعامية؛ أيّهما الأقرب لقلبك، وأيّهما تجده أكثر تعبيراً عن نبض الشارع؟

    طبعاً العامية أقرب لقلبي وأكثر تعبيراً أيضاً.

    ما هي التحديات الفنية التي تواجهك عند صياغة نص بالعامية الدارجة مع الحفاظ على عمق الفكرة؟

    لأنه يصل لكل العقول، وهو نبض الشارع المصري ويصل إليه بسلاسة.

 

    كيف تختار الإيقاع الموسيقي المناسب لكل قصيدة لضمان سهولة حفظها وترديدها من المتلقي؟

    اختيار الإيقاع باختيار الكلمات الصادقة المعبرة ذات الطابع الموسيقي الذي يصل إلى القلب قبل السمع والبصر.

 

    هل تعتقد أن الفصحى المبسطة هي الحل لإعادة جذب الشباب المعاصر إلى قراءة الشعر؟

    نعم، الحل لإعادة جذب الشباب هو الشعر؛ والشعر الراقي الجميل الهادف بطريقة سلسة.

 

    كيف ترد على النقاد الذين يرون في الكتابة بالعامية تراجعاً عن الفصحى التراثية؟

    الرد على من يرى في الكتابة بالعامية تراجعاً عن الفصحى؛ أن العامية باب لكل العقول، أما الفصحى لا تصل إلا لفئة معينة، وأن جمال العامية في سهولة وجمال معانيها وهي لغة معظم الشعوب، مع الاحتفاظ أيضاً بجمال الفصحى ولكنها ليست لكل العقول.

 

المحور الرابع: النقد الثقافي ورسالة "ثورة كل شاعر"

    في نص "ثورة كل شاعر"، دافعت بقوة عن رسالة الكلمة؛ ما الذي يغضب الشاعر في المشهد الثقافي الحالي؟

    الذي يغضب في المشهد الثقافي أن هناك بناءً متهاوياً للقصيدة والهدف منها؛ لأن هناك قصائد للأسف عبارة عن رص كلمات فقط كما نقول، وهناك ألفاظ خارجة ومنافية وليست هادفة، عبارة عن كلمات هابطة تضر بالمفاهيم والقيم ونشر ثقافة تافهة سطحية.

 

    كيف ترى موجة السطحية الأدبية التي تكتسح بعض الساحات، وكيف يمكن للقصيدة الرصينة أن تواجهها؟

    فهناك موجة السطحية الأدبية كما ذكرت التي لا تعبر عن شيء سوى التفاهة وعدم الوعي وإفساد الذوق العام.

 

    ما هي المسؤولية الأخلاقية والأدبية التي تجد أنها أصبحت غائبة عند بعض كتاب الجيل الحالي؟

    فالقصيدة الرصينة هي إعادة بناء وتأسيس للأبيات الشعرية التي لها مغزى وهدف ينهض بها الشعوب.

 

    هل تعتقد أن النقد الأدبي الأكاديمي أنصف تجربتك، أم أنك تعتمد على نقد الجمهور المباشر؟

    فيجب على كل صاحب فكر وشاعر حر له هدف أن يوضح تلك المفاهيم ويوضح الفرق بين السفه وأصول الكلمة ومبتغاها وجمال معناها في صورة شعرية ومحاربة تلك التفاهات؛ لأنه مسؤولية كل قلم هادف وذو معنى.

 

    كيف يمكن لـ "ثورة القلم" أن تصحح مسار الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة؟

    والله أنا أعتمد على وعي الجمهور أكثر وأحاول أن أصل إليه بكل سلاسة.

 

المحور الخامس: التواصل الرقمي والإعلام البديل

    استثمرت منصات التواصل والصحف الرقمية بنجاح؛ كيف غير النشر الرقمي من علاقتك بالجمهور؟

    الذي غيره النشر الرقمي في علاقتي مع الجمهور أنه زادني قرباً منهم، وتوصيل كلماتي للجميع.

 

    هل تعتقد أن منصات مثل فيسبوك كسرت احتكار "الصالونات الأدبية التقليدية" وأعطت الشاعر حرية أكبر؟

    نعم، منصة الفيسبوك كسرت جميع الاحتكارات مثل الصالونات وغيرها وأعطت الشاعر حرية أكبر، وليست لها عيوب بالعكس هي أفضل للتقييم وتشجع على الكتابة.

 

    ما هي عيوب ومميزات التلقي الفوري والتعليقات المباشرة على قصائدك فور نشرها رقمياً؟

    حماية النصوص إما بالتوثيق على جوجل أو بعمل الدواوين.

 

    كيف يحمي الشاعر نصوصه من السرقات الأدبية والنسخ غير المشاع في الفضاء الأزرق؟

    المرجعية هي شعر وكتب المدارس.

 

    ما هي المرجعية الأدبية أو الثقافية التي شكلت وعيك الفني، ومن هم الشعراء الكبار الذين تجد صدى لأرواحهم في كتاباتك؟

    الشعراء الأجلاء ومنهم: المتنبي، فاروق جويدة، بيرم التونسي، عمر الخيام، نزار قباني (ولكن الشعر العفيف فقط والذي لا يمس الدين)، أحمد شوقي، عبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، وكثيرون.