رباعيات الوجع والرضا.. رحلة وجدانية في محراب الشاعر محمد القسط
بقلم: عطا درغام
في فضاء القصيدة العامية، حيث الكلمة ابنة الشارع واللحن ابن الروح، يبرز صوت الشاعر محمد القسط كحالة متفردة تمزج بين رقة الوجدان وجلال التجربة الزهدية. لم يكتفِ القسط بأن يكون مجرد ناظم للكلمات، بل جعل من "الرباعية" كبسولة شعورية تغوص في عمق التحولات الاجتماعية، ليعيد قراءة قيم "المصلحة" و"الوفاء" و"تقلبات الزمن" بلغة مصرية أصيلة، بسيطة في مظهرها وعميقة في فلسفتها.
يلقبونه بـ "العاشق"، لكن عشقه يتجاوز حدود الغزل الوجداني ليذوب في عشق الأرض والناس، متبنياً مسلكاً يرى في الرضا واليقين طوق نجاة وسط صخب المادية المعاصرة. في هذا الحوار، نبحر مع محمد القسط في عوالم قصيدته، ونفتش معه عن سر تمسكه بالعامية، ونستكشف ملامح مشروعه الشعري الذي يصفه بأنه "الصدى الصادق" لقلوب البسطاء.
المحور الأول: الهوية واختيار العامية المصرية
1. ما الذي جذبك للكتابة بالعامية المصرية تحديداً، وهل ترى أنها الأقدر على ملامسة وجدان المواطن البسيط مقارنة بالفصحى؟
إنَّ انحيازي للعامية المصرية نابعٌ من كونها أقرب اللهجات واللغات المحلية إلى اللغة العربية الفصحى؛ فهي "السهل الممتنع" القادرُ فعلياً على النفاذ إلى قلب المتلقي دون حواجز. أرى فيها المعبر الوجيز عن روح العصر، واللسان الصادق الذي يجسد حال المبدع والمتلقي على حدٍّ سواء، مما يجعلها الأقرب لملامسة الوجدان وبث الإحساس بكافة تفاصيله.
2. في ظل انتشار كتابات العامية على منصات التواصل، كيف يحافظ محمد القسط على خصوصية المفردة المصرية الأصيلة دون الوقوع في فخ الابتذال؟
هي عمليةٌ شاقةٌ ومضنيةٌ؛ فالمبدع اليوم محاصرٌ بسيلٍ من المرادفات الشاذة التي تتدنى باللغة إلى الحضيض. وهنا يتقاطع دوري كمعلمٍ للغة العربية طوال سبعةٍ وثلاثين عاماً، مع كوني أحد المهتمين بالزجل والشعر العامي. وقد خلصتُ إلى أن اللفظ السهل العذب العفيف له صدىً في القلوب لا يُملّ، لذا أتحرى الحذر الشديد في اختيار كل مرادفة، مخافة أن تنزلق قصيدتي إلى الشعبوية الهابطة.
3. لُقبت بـ "الشاعر العاشق"، كيف جاء هذا اللقب؟
حكايةُ هذا اللقب أغربُ من الخيال؛ فقد بدأت بمتابعةٍ من الأستاذ "أحمد فهمي" عبر (فيسبوك)، وكان يأخذ كلماتي ويحولها إلى لوحاتٍ فنيةٍ مبهرةٍ كاملة الأوصاف. وهو من أصرَّ على إطلاق هذا اللقب عليَّ، ورغم محاولاتي لإثنائه عن ذلك، إلا أنني فشلتُ. والعجبُ أنني لم أرَ هذا الرجل قط، ولم أستطع حتى التواصل معه هاتفياً؛ لكنه سيظل صاحب فضلٍ أعتز به.
4. كيف توازن في شعرك بين العشق الرومانسي وعشق الوطن والأرض؟
أرى أن عشق الرومانسية وعشق تراب الوطن وجهان لحبٍّ واحدٍ؛ فمن استحال عليه حب وطنه، لن يجد في قلبه متسعاً لحب بني جلدته. الحبُّ هو الفضيلةُ التي تميز الإنسان، وحب الأوطان هو أسمى درجات هذا الحب. وأعظم صور الانتماء تتجلى في ذلك "العتاب" الذي يوجهه المبدع لمعشوقه الأكبر (الوطن)؛ رغبةً في الإصلاح وغيرةً عليه.
5. كيف تصفُ علاقتكَ بالجمهورِ الرقميِّ، وهل تؤثرُ تعليقاتُهم على توجيهِ قصيدتِكَ القادمةِ؟
علاقتي بالجمهورِ الشغوفِ بشعرِ العاميةِ علاقةٌ جيدةٌ تنمو مع كلِّ نصٍّ؛ فلكلِّ تعليقٍ مكانةٌ خاصةٌ في قلبي. أنا أؤمنُ بأنَّ للمتلقي الحقَّ كاملاً فيما يرى، طالما اخترتُ طواعيةً عرضَ قلمي عليه. وبالفعلِ، مقياسُ التجاوبِ هو الذي يفرضُ عليَّ أحياناً مراجعةَ النفسِ وأخذَ هدنةٍ من التريثِ والتأملِ قبلَ النشرِ مجدداً.
المحور الثاني: القضايا الاجتماعية والإنسانية
6. في قصيدتِكَ: "لما كبرت بجد عرفت.. اللي بيني وبينكو مصالح"، هل تعكسُ تجربةً شخصيةً مريرةً أم هي رصدٌ لظاهرةٍ عامةٍ؟
هيَ انعكاسٌ لبعضِ ما مررتُ بهِ شخصياً وما يمرُّ بهِ غيري؛ بل هيَ نبضُ ما لمحتُهُ في أعينِ الناسِ من حقائقَ. تعكسُ هذهِ الأبياتُ كشفي لما أراهُ وأسمعُهُ ممَّن أعاشرُهُم، لتكونَ صرخةً صادقةً في وجهِ تبدُّلِ القيمِ أمامَ طغيانِ المصلحةِ.
7. تتناولُ في رباعياتِكَ موضوعَ "غدرِ الزمانِ وتقلباتِ البشرِ"، هل ترى أنَّ الشعرَ وظيفتُهُ تعريةُ الواقعِ أم بثُّ الأملِ؟
الشعرَ راصدٌ جيدٌ ومؤرخٌ صادقٌ؛ وتعريةُ الواقعِ هيَ بدايةُ العلاجِ. لكنَّ هذا لا يعني السقوطَ في فخِّ السوداويةِ؛ بل الهدفُ هو البحثُ عن مخرجٍ، وانتظارُ بزوغِ فجرٍ جديدٍ وشمسِ أملٍ دافئٍ تشرقُ على القلوبِ.
8. كيفَ تقيمُ دورَ الشاعرِ في معالجةِ القضايا اليوميةِ للشارعِ المصريِّ؟
هوَ دورٌ محيّرٌ؛ إذ لا ينبغي للمبدعِ الاكتفاءُ بالنقدِ السلبيِّ، بل يجبُ أن يكونَ لهُ دورٌ فاعلٌ في بثِّ الأملِ، ومحاولةِ اقتراحِ الحلولِ، والتحذيرِ من خطرِ التمادي في الخطأِ، أو صمِّ الآذانِ عمَّا يجري حولَنا.
9. تميلُ في بعضِ مقطوعاتِكَ إلى مساحةِ "الزهدِ والرضا"، كيفَ ينعكسُ التصوفُ العاميُّ في كتاباتِكَ؟
أرقى درجاتِ الزهدِ هيَ الرضا، وأعظمَ القناعةِ هيَ قناعةُ النفوسِ لا الفلوسِ. أرى أنَّ التوفيقَ يكمنُ في طهارةِ القلبِ من علائقِ الدنيا، والحذرِ من الانغماسِ فيها والانشغالِ بها عنِ الآخرةِ والحسابِ؛ وهذا اليقينُ هوَ ما أغرسُهُ في قصائدي.
10. ما هيَ أشدُّ الصدماتِ الاجتماعيةِ التي هزت وجدانَكَ ووجدت طريقَها مباشرةً إلى الورقِ؟
صدمتي في نتائجِ الثانويةِ العامةِ وما شابَها من خللٍ وفسادٍ يمسُّ جوهرَ التعليمِ. لقد رأيتُ بعيني ما يشيبُ لهُ الولدانُ؛ فكم من نابغٍ مجتهدٍ زلَّت بهِ النتيجةُ إلى مصيرٍ لا يستحقُّهُ، بينما ارتقى غيرُهُ من المُهملينَ. فإلى اللهِ المشتكى، وحسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلِ.
المحور الثالث: الأسلوب الفني والبناء الشعري
11. تعتمد بشكل كبير على "الرباعيات"، هل هذا النمط هو الأنسب للعصر الحالي؟
الرباعياتُ هي العشقُ، وهي أقصرُ الطرقِ وأصدقُها للنفاذِ إلى الوجدانِ؛ إذ تمثلُ جسراً للعبورِ السريعِ نحو المتلقي، فأنا أؤمنُ بأنَّ خيرَ الكلامِ ما قلَّ ودلَّ.
12. كيف تولد القافية عندك؟ وهل القافية والوزن هما شغفك الأكبر؟
القافيةُ والوزنُ وسيلةٌ لتعلقِ المتلقي، لكنني لا أخفيكَ سراً أنَّ الوزنَ عندي قد يكون غيرَ منضبطٍ في كثيرٍ من الأحيانِ. جلَّ اهتمامي ينصبُّ على وصولِ شعوري للمتلقي؛ فإن أطرَبَهُ فذاك فضلٌ، وإن لم يطربْهُ ولكن أقنعَهُ، فهذا هو غايتي.
13. كيف ترى وظيفة الكوميديا السوداء في شعر العامية؟
هي أصعبُ أنواعِ التعبيرِ؛ فهي "همٌّ يُبكي وهمٌّ يُضحكُ"، والضحكُ هنا وجعٌ موجعٌ. وأنا أحدثكَ الآن، لا أرى إلا "نجيب الريحاني" ماثلاً أمامي؛ بعينينِ تفيضانِ بالدموعِ وضحكةٍ تكشفُ الكثيرَ. وكم في مصرَ من المضحكاتِ المبكياتِ.
14. هل تفضل إلقاء قصائدك صوتياً أم تكتفي بالكلمة المكتوبة؟
في الواقعِ، أعاني في التواصلِ الشفهيِّ المرئيِّ مع الآخرينَ، ولأجلِ هذا كانتِ الكلمةُ المكتوبةُ هي سفيرتي الدائمةَ والوسيطَ الأصدقَ لنقلِ أحاسيسي للجميعِ.
15. مَن مِن رواد العامية المصرية تجد صدى أسلوبه يتردد في كتاباتك؟
جميعُهم روادٌ وقاماتٌ شامخةٌ. ولكني أجدُ في "صلاح جاهين" مثلاً يُحتذى؛ كما أرى نفسي كثيراً في المبدعِ "حسين بيكار"، ذلك الفنانِ المَنسيِّ، ففيهِ أجدُ ذاتي ولو عبرَ ريشةٍ بسيطةٍ وكلماتٍ قليلةٍ.
المحور الرابع: الرؤية والمستقبل الأدبي
16. كتبت: "يا مصر أنا الدرويش يا صاحبة الحضرة"؛ كيف تطور مفهوم "الوطن" في شعرك؟
الوطنُ هو التطورُ الطبيعيُّ لبشرةِ الإنسانِ؛ من رحمِ الأمِّ إلى بيتِها وصدرِها، ثم الشارعِ والقريةِ. ولكنَّ أجملَ الأوطانِ هي المحبوبةُ؛ والعشقُ العذريُّ ليس رغبةً بل هو تضحيةٌ وانتماءٌ. وعندما تشاهدُ مجازيبَ الأوطانِ ترى ذلك العشقَ جلياً.
17. هل تفكر في جمع هذه القصائد في ديوان ورقي مطبوع؟
كنتُ أتمنى جمعَ هذا الشتاتِ، ولكنَّ التكلفةَ الماديةَ أصبحت عبئاً لا يُطاقُ بسبب الشروطِ التعجيزيةِ. والحمدُ للهِ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ التي أصبحت لي سجلاً وافياً وديواناً رقمياً لا يُمحى.
18. ما هي الأغراض الشعرية التي تشعر بأنك لم تعطها حقها بعد؟
لا يزالُ أدبُ الطفلِ حلماً لم أحققْهُ بعدُ، وهو الأصعبُ. أما السياسةُ فقد أرهقتني بل وأدخلتني المحاكمَ بسببِ قضايا النشرِ، ومع ذلك فإنَّ معظمَ ما أكتبُهُ هو جوهر السياسةِ. أما الهجاءُ، فهو "شرشحةٌ" أربأُ بنفسي عنها.
19. كيف ترى ظاهرة "شعر العامية المصحوب بالموسيقى"؟
الموسيقى هي قرينُ الكلمةِ؛ وليتَ شعري أرى في يومٍ من الأيامِ كلماتي وهي تعانقُ موسيقى اللحنِ لتُصبحَ أغنيةً تترددُ على الألسنةِ.
20. ما هي نصيحتك للشباب الذين يبدأون خطوتهم الأولى؟
مَن أنا لكي أنصح؟ فأنا ما زلتُ طفلاً يحبو. وإن كان لابدَّ من كلمةٍ، فهي أن يكتبوا ما يحبونَ ويحسُّونَ بهِ بصدقٍ، وألّا يتوقفوا؛ فحتماً سيأتي النورُ إليكَ وسيضيءُ النفقَ، حتى وإن لم ترَ كلماتُكَ النورَ حالاً.
المحور الخامس: أسئلة نوعية لعمق الحوار
21. "وفجأه العمر قام يجرى مابين الأيام.. مالحقتش أعيش شبابي"، هل الشعر محاولة لإيقاف الزمن؟
العمرُ يهرولُ بنا فجأةً ما بينَ "معلش" و"استحملْ". والمقصدُ أنَّ ما انقضى لن يعودَ، فعسى أن يحققَ لنا ما بقيَ من أيامٍ جُبرانَ ما فاتَ؛ فالقصيدةُ هي محاولتي لتثبيتِ اللحظةِ الهاربةِ.
22. كيف توفق بين عملك الروتيني وبين حالة "الدرويش" أثناء الكتابة؟
يا ليتني عشتُ الحياةَ درويشاً؛ فقد وجدتُ لديهِمُ الحكمةَ والنقاءَ. وللأسفِ، فرض عملي عليَّ روتيناً كئيباً، عسى أن أتخلصَ منهُ قريباً بـ "المعاشِ". إنَّ اللحظاتِ في رحابِ "الحضرةِ" هي الغسولُ الشافي الذي يردُّ إليكَ روحَكَ الضائعةِ.
23. هل واجهت هجوماً من حراس الفصحى؟
حاولتُ الكتابةَ بالفصحى ولم أجد لنفسي مكاناً بين أصحابِها. ولا أرى تعارضاً بين فرعي العربيةِ؛ فهما الجناحانِ معاً. ولن تكونَ العاميةُ خنجراً في ظهرِ الفصحى، بل هي ظلٌّ خفيفٌ ونسيمٌ عليلٌ يرافقُها.
24. إذا طُلِب منك اختيار قصيدة واحدة لتمثلك، ماذا تختار؟
كلُّ قصائدي هم أولادي، وجميعُهُم يسكنونَ القلبَ والذاكرةَ؛ وما خرجَ مني بصدقٍ هو ابني البكرُ، ولا أستطيعُ تفضيلَ أحدِهِم على الآخرِ.
25. ما هي الرسالة الأخيرة التي يتركها محمد القسط لمتابعيه؟
لولاكُم ما أكملتُ وما واصلتُ؛ فكنتُم ليَ السندَ. وجلُّ ما أتمنَّاهُ أنَّ ما يصلُكُم مني يمسُّ شغافَ قلوبِكُم؛ فأنا منكُم، أعيشُ أيامَكُم، وأحلمُ بما تحلمونَ بهِ، وأفرحُ لفرحِكُم، وأحزنُ لحزنِكُم.
خاتمة الحوار:
سيدنا الفاضل، لقد أسعدني اهتمامُكُم ومرورُكُم العطرُ وحوارُكُم الممتعُ الراصدُ لتجربتي المتواضعةِ. لكُم مني أطيبُ المنى، ولعلَّ في العمرِ بقيةً لنلتقيَ لقاءَ محبٍّ بمحبٍّ. خالصُ تحياتي، والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاته.
