«في محراب الكلمة والوجد: حوار مع الباحث والكاتب وليد عبد الله الشاذلي حول شجون الحرف، ومرافئ التصوف الرباني، وأسئلة التربية الروحية المعاصرة».
حوار عطا درغام
في زمنٍ تتسارع فيه خطى المادة، وتتلاطم أمواج العصر بروح الإنسان، يبرز قلمٌ يحاول إعادة الصياغة والترميم؛ قلمٌ يمزج بين رصانة الفكر ونقاء الوجدان، ويرى في الحرف وسيلةً لا غاية، وفي التصوف طريقاً للإحسان والتزكية لا مجرد طقوسٍ وعزلة.
يسعدنا اليوم أن نلتقي بالباحث والكاتب الأدبي والصوفي القدير، الأستاذ وليد عبد الله الشاذلي؛ لنبحر معه في عوالم إنتاجه الفكري، ونستجلي رؤيته حول تجليات شعر العارفين، والحدود الفاصلة بين التصوف الرباني النقي والأنماط الدخيلة، وكيف يمكن للأدب والتربية الروحية أن يشكلا طوق نجاةٍ للإنسان المعاصر. أهلاً ومرحباً بك معنا في هذا الإبحار المعرفي...
_____________________________
1. أستاذ وليد، حين يمتزج المداد بالوجد، تصبح الكتابة مسؤولية ثقيلة. كيف تُعرّف لحظة ميلاد النص لديك؟ ومتى تشعر أن الكلمة قد أدت رسالتها الروحية كاملة؟
لحظة ميلاد النص عندي لا تبدأ حين تلامس أصابعي القلم، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ حين تضيق الروح بما اختزنته من تأمل أو وجع أو دهشة، فلا تجد سبيلاً إلى الخلاص إلا أن تفيض على الورق. إن بعض النصوص لا نكتبها اختياراً، بل هي التي تكتبنا، وتفرض علينا أن نكون شهوداً على ميلادها.
أما الكلمة، فلا أشعر أنها أدت رسالتها كاملة لمجرد أنها جاءت جميلة أو بليغة، وإنما حين تعبر من الصفحة إلى القلب، ومن القلب إلى الوعي، فتوقظ في الإنسان شيئاً كان نائماً، أو تفتح فيه باباً إلى نفسه وربه والعالم. عندئذ فقط أشعر أن الحرف لم يكن صوتاً عابراً، بل كان له نصيب من الرسالة.
2. تميل في أسلوبك إلى "إعادة الصياغة الأدبية البليغة" للفكر المعرفي، كما بدا في استلهامك لأطروحات الدكتور مصطفى محمود. كيف توازن بين دقة المفهوم العلمي/ الفكري وبين حرية الخيال الأدبي وسحر البيان؟
أرى أن الفكرة العميقة لا ينبغي أن تُقدَّم دائماً في ثوب جاف، كما أن جمال العبارة لا ينبغي أن يكون على حساب صدق الفكرة. ولذلك أحاول أن أبقي المعنى أميناً لجوهره، ثم أترك للغة أن تمنحه جناحين.
فالخيال عندي ليس خصماً للحقيقة، بل قد يكون أحد أجمل الطرق إليها، إذا أحسن الكاتب استعماله. والبيان لا ينبغي أن يزيّف المفهوم، وإنما أن يكشف عنه، وأن ينقله من برودة الذهن إلى حرارة الشعور.
إنني أبحث دائماً عن تلك المنطقة التي تصافح فيها الفكرة العقل، ولا تنسى في طريقها أن تمر بالقلب؛ حيث يصبح العلم قابلاً للتذوق، والفكر قريباً من الوجدان، دون أن يفقد شيئاً من دقته أو هيبته.
3. هل ترى أن اللغة العربية المعاصرة ما زالت قادرة بمرونتها الحالية على استيعاب الفيوضات الروحية الدقيقة، أم أن الكاتب بحاجة أحياناً لنحت "قاموسه الخاص"؟
اللغة العربية أوسع من عجزنا عنها، وأغنى من فقرنا إلى مفرداتها. إنها لغة حملت دقائق الفلسفة، وأسرار التصوف، وأحكام الفقه، وصرخات الشعراء، وهمسات العشاق، فلا أظن أن تجربة روحية صادقة يمكن أن تضيق بها لغة هذا اتساعها.
لكن الكاتب الحقيقي يمنح الكلمات حياة جديدة. وليس المقصود أن نخترع ألفاظاً غريبة، أو نستعير الغموض لنوهم القارئ بالعمق، وإنما أن نستخرج من الكلمة طاقة لم نكن قد انتبهنا إليها.
فلكل تجربة صادقة قاموسها، لا بمعنى أنها تخلق لغة منفصلة، بل بمعنى أنها تجعل اللغة القديمة تولد من جديد. والكلمة التي مرت على ألسنة آلاف الناس قد تصبح في يد شاعر صادق كأنها قيلت للمرة الأولى.
4. في مقالاتك، يلمس القارئ جرأة أدبية مغلفة برداء من الأدب الرفيع. كيف يصنع الكاتب معادلة الجمع بين "الحقيقة العارية" و"الجمال البلاغي"؟
الحقيقة لا تصبح أكثر صدقاً كلما ارتفع صوتها، كما أن الجرأة لا تعني دائماً الخشونة. هناك من يملك الفكرة ولا يملك أدب تقديمها، فيظن الفظاظة شجاعة، ويحسب الصدام دليلاً على قوة الموقف.
أما الكاتب الحقيقي، فيستطيع أن يقول الحقيقة بكل وضوح، دون أن يهين اللغة أو يجرح الإنسان. فالبلاغة ليست ستاراً نخفي به الحقيقة، وإنما هي النور الذي يجعلها أوضح وأعمق أثراً.
وأنا أؤمن أن الكلمة يمكن أن تكون حادة كالسيف، ولكنها لا تحتاج إلى أن تكون مبتذلة؛ وأن الحقيقة يمكن أن تكون عارية، ومع ذلك يكسوها الأدب بجلال لا يحجبها، بل يزيدها حضوراً.
5. ما الذي ينقص المشهد الثقافي الحالي ليعود الأدب وسيلة لـ "تزكية الوعي" بدلاً من كونه مجرد أداة للترفيه أو التعبير العابر؟
ينقصنا أن نستعيد إيماننا بأن الأدب ليس ترفاً، وأن الكلمة ليست مجرد لعبة لغوية. فالأدب في أرقى صوره كان دائماً شريكاً في صناعة الإنسان، ومشاركاً في تشكيل ضميره ووعيه.
لقد أصبح كثير من الإنتاج المعاصر أسيراً للحظة السريعة؛ يكتب ليُستهلك، ويُقرأ ليُنسى، ويبحث عن الدهشة العاجلة أكثر مما يبحث عن الأثر الباقي.
ونحن بحاجة إلى أدب يعيد إلى الإنسان أسئلته الكبرى؛ أدب لا يخاف من الحديث عن المعنى، والروح، والضمير، والرحمة، والمصير. فحين تصبح الكلمة قادرة على أن تجعل الإنسان أكثر وعياً بنفسه وأكثر رحمة بغيره، تكون قد استعادت وظيفتها النبيلة في تزكية الوعي.
6. كتبتَ مقالاً لافتاً بعنوان «بين التصوف الرباني وتصوف البلاط: حين يتحول طريق الإحسان إلى وسيلة». برأيك، كيف يمكن تحصين "التصوف الشعبي" من الاستغلال، وإعادته إلى نبعه الأول المتمثل في تزكية النفس والزهد الحقيقي؟
لا أرى أن تحصين التصوف الشعبي يكون بمحاربة عواطف الناس أو السخرية من وجدانهم الديني، وإنما يكون بإعادة المعنى إلى أصله، ورد الطريق إلى منابع الكتاب والسنة والأخلاق.
فالتصوف حين نشأ في صفائه الأول لم يكن صناعة للخوارق، ولا تجارة بالمشاعر، ولا سلطة روحية تُمارس على البسطاء؛ وإنما كان مدرسة في محاسبة النفس، وتطهير القلب، ومجاهدة الهوى، والإحسان إلى الخلق.
وحين يعود العلم ليكون رفيق المحبة، وتصبح الأخلاق مقدمة على المظاهر، والعمل مقدماً على الادعاء، يسقط كثير من أبواب الاستغلال.
إن التصوف الحقيقي لا يصنع من الإنسان كائناً يتعالى على الناس، بل إنساناً أكثر تواضعاً؛ ولا يجعله مشغولاً بادعاء الكرامة، بل بإكرام الخلق. فإذا تحول الطريق إلى سلطة أو تجارة أو استعلاء، فقد فقد شيئاً من روحه الأولى مهما بقيت الأسماء والشعارات.
7. يرى البعض أن التصوف في جوهره "انكفاء على الذات وهروب من الواقع"، بينما يرى فيه آخرون "قوة دفع إيجابية". كيف تجيب على هذا الجدل من واقع أطروحاتك التربوية؟
التصوف الصحيح ليس هروباً من الواقع، وإنما هروب من أسر النفس إلى رحابة المسؤولية. فالإنسان لا يخلو بنفسه ليكره العالم، بل ليهذب نفسه ثم يعود إليه أكثر رحمة ووعياً ونفعاً.
إن العزلة في بعض مراحل التربية قد تكون دواءً، لكنها لا ينبغي أن تصبح وطناً دائماً. فالإنسان لا يعتزل ضجيج الناس ليبقى بعيداً عنهم، وإنما ليعود وقد استطاع أن يسمع صوت الحق في داخله.
ومن هنا أرى أن التصوف التربوي قوة دفع إيجابية؛ لأنه يبدأ بإصلاح الإنسان من الداخل، وكل إصلاح حقيقي في المجتمع لا بد أن يبدأ من إنسان يعرف كيف يضبط شهوته، ويهزم أنانيته، ويقيم علاقة سوية مع نفسه وربه والآخرين.
فالمتصوف الحقيقي لا يهرب من الحياة، وإنما يتعلم كيف يعيش فيها دون أن يصبح عبداً لما فيها.
8. كيف تعيد صياغة مفهوم "الولاية" و"العرفان" بلغة يفهمها جيل الشباب اليوم، بعيداً عن الصور النمطية السائدة في الدراما أو الموروث الشعبي؟
أقول للشباب: الولاية ليست أسطورة، وليست ثوباً غريباً، ولا مجموعة من الحكايات الخارقة التي تملأ بعض الموروث الشعبي. الولاية في جوهرها قرب من الله يظهر أثره في قرب الإنسان من الفضيلة.
فالولي الحقيقي هو إنسان استطاع أن ينتصر على شيء من نفسه، فصار أكثر صدقاً، وأرحم قلباً، وأقل ادعاءً، وأشد خوفاً من ظلم الناس.
أما العرفان، فهو معرفة لا تقف عند حدود المعلومات. قد يعرف الإنسان كثيراً، لكنه لا يتغير. أما المعرفة العرفانية فهي معرفة تترك أثرها في السلوك؛ أن تعرف الله معرفة تجعلك أرحم، وأن تعرف نفسك معرفة تجعلك أكثر تواضعاً.
فالولاية ليست أن تملك قدرة خارقة، وإنما أن تتحرر من سلطان الهوى، والعرفان ليس أن تحفظ أسراراً غامضة، وإنما أن تتحول المعرفة فيك إلى نور وأخلاق.
9. في ظل الانفتاح المعرفي الرقمي، هل تعتقد أن "الصحبة الروحية" (الشيخ والمريد) ما زالت ضرورة في طريق السلوك، أم أن "النص المعرفي" المكتوب يمكن أن يحل محلها اليوم؟
النص يفتح لك باب المعرفة، لكنه لا يستطيع دائماً أن يرى مواضع عثرتك. ولذلك تبقى الصحبة الصادقة ذات قيمة كبيرة في طريق التربية؛ لأن الإنسان قد يكون أقدر الناس على رؤية أخطاء الآخرين، وأعجزهم عن رؤية عيوب نفسه.
لكن الصحبة الصحيحة لا تعني إلغاء العقل، ولا صناعة شخص معصوم من الخطأ. الشيخ في معناه التربوي الحقيقي مرشد ودليل، لا مالك للقلوب ولا وصي على العقول.
أما الكتاب، فهو شيخ صامت عظيم الأثر، وقد يحمل من الحكمة ما يغير حياة قارئه، لكن التجربة الإنسانية تظل في بعض مراحلها محتاجة إلى قدوة حية.
وأحسب أن العصر الرقمي لم يلغ الحاجة إلى الصحبة، لكنه جعل الحاجة أشد إلى التمييز بين المرشد الصادق وصناعة الصورة الروحية الزائفة.
10. كيف يمكن للتصوف الرباني أن يساهم في علاج أزمة "الاغتراب النفسي والوجودي" التي يعاني منها الإنسان المعاصر؟
أزمة الإنسان المعاصر ليست في قلة الأشياء التي يملكها، وإنما في السؤال الذي لم يعد يعرف كيف يجيب عنه: لماذا أعيش؟
لقد أصبح الإنسان قادراً على الوصول إلى أقاصي الأرض، لكنه قد يعجز أحياناً عن الوصول إلى نفسه. وتضاعفت وسائل الاتصال، بينما اتسعت في داخله مساحات الوحدة.
والتصوف الرباني يعيد الإنسان إلى مركزه الداخلي؛ يعلّمه أن قيمته ليست فيما يجمعه من أشياء، بل فيما يصنعه من معنى. وأن القلب ليس مخزناً للرغبات، بل موضعاً للمعرفة والمحبة والسكينة.
وحين يستعيد الإنسان صلته بالله، ويصالح نفسه، ويشعر أن لحياته معنى يتجاوز الاستهلاك والمنافسة اليومية، يبدأ ذلك الاغتراب الطويل في الانحسار.
11. قدمت دراسة متميزة لشعر العارف بالله الشيخ علي عقل تحت عنوان «حين تصبح القصيدة طريقاً إلى الله». ما الذي جذبك خصيصاً في إرث الشيخ عقل؟ وما الفارق الجوهري بين الشاعر الفلسفي والشاعر العارف؟
الذي جذبني إلى إرث الشيخ علي عقل أن قصيدته لم تكن تتحدث عن التجربة الروحية من خارجها، بل كنت أشعر أن كثيراً من أبياتها خرج من معاناة وجدانية حقيقية.
كان الشعر عنده في لحظات كثيرة أشبه بلغة اضطر إليها القلب، حين ضاقت العبارة العادية عن حمل ما فيه. ولهذا لم أقرأ قصيدته بوصفها صناعة لفظية فحسب، بل بوصفها أثراً لطريق طويل بين الإنسان ونفسه وربه.
أما الفارق بين الشاعر الفلسفي والشاعر العارف، فأراه في زاوية الاقتراب من الحقيقة. الشاعر الفلسفي يسعى إلى فهم الوجود بالفكرة، أما الشاعر العارف فيحاول أن يذوقه بالتجربة.
الأول يسأل كثيراً: ما الحقيقة؟ أما الثاني فقد تقوده لحظة وجد إلى أن يقول: لقد لمست منها شيئاً فعجزت اللغة عن وصفه. وبين السؤال والذوق تولد خصوصية الشعر العرفاني.
12. القصيدة الصوفية تتوسل برمزية عالية كـالخمر والجمال والظعائن. كيف يمكن للقارئ غير المتخصص أن يعبر بوابات هذه الرمزية ليصل إلى المعنى الإشراقي المقصود دون الوقوع في الفهم المادي؟
المفتاح الأول لقراءة الشعر الصوفي هو أن نعلم أن اللغة فيه ليست دائماً لغة الأشياء، بل لغة الإشارات. فالخمر قد لا تكون خمراً حسية، وإنما رمزاً لمعرفة تسكر القلب عن الالتفات إلى ما سواها، والجمال قد يكون جمالاً روحياً أو تجلياً لمعنى أسمى.
لكن القارئ لا ينبغي أن يحول كل كلمة إلى رمز بصورة آلية، فالسياق هو الذي يكشف المعنى. ومن أجمل ما في الشعر الصوفي أنه يملك طبقات متعددة؛ يقرأه البسيط فيجد فيه جمالاً، ويقرأه المتأمل فيجد وراء الجمال باباً آخر.
إنه شعر يدعوك إلى أن تسأل قبل أن تحكم، وأن تتذوق قبل أن تفسر. ومن دخل عالمه بعين واحدة رأى الكلمات، أما من دخله بعين القلب والعقل معاً، فقد يرى ما وراء الكلمات.
13. هل توافق على أن أعلى مراتب الشعر هي تلك التي تنطلق من باحة الوجد الإلهي، لأنها تتعامل مع "المطلق" لا مع "النسبي"؟
لا أحب أن أضع الشعر في سُلّم جامد، فالإبداع أوسع من أن يُختصر في موضوع واحد. لكنني أؤمن أن الشعر الذي يصدر عن تجربة روحية صادقة يملك أفقاً خاصاً؛ لأنه لا يقف عند حدود اللحظة العابرة، بل يفتح أبواباً على أسئلة الوجود والحب والمصير.
والوجد الإلهي يمنح الشعر قدرة على تجاوز الذات الصغيرة، حتى تصبح التجربة الشخصية قابلة لأن تتحول إلى تجربة إنسانية عامة.
غير أن شرف الموضوع وحده لا يصنع شعراً عظيماً؛ فكم من إنسان تحدث عن أقدس المعاني فجاء كلامه بارداً، وكم من شاعر صادق جعل من تجربة بسيطة نافذة إلى أعماق الإنسان.
العظمة في الشعر هي اجتماع صدق التجربة، وسمو المعنى، وقدرة اللغة على أن تمنح ذلك كله حياة لا تنطفئ.
14. كيف تقرأ واقع "الشعر الروحي الحديث" اليوم؟ هل ترى فيه امتداداً لرواد التصوف الأدبي كابن الفارض والرومي، أم أنه اتخذ مسارات وتلوينات أخرى؟
الشعر الروحي الحديث يقف اليوم عند مفترق طرق جميل وصعب في آن واحد. فهناك من يحاول استعادة التراث الصوفي بلغته ورموزه القديمة، وهناك من يبحث عن لغة جديدة للتجربة الروحية تناسب قلق الإنسان المعاصر وأسئلته.
ولا أرى بأساً في الطريقين إذا كان الشعر صادقاً. فالامتداد الحقيقي لابن الفارض أو جلال الدين الرومي لا يكون بتكرار مفرداتهم، وإنما بامتلاك شجاعتهم في تحويل التجربة الداخلية إلى لغة خاصة.
المشكلة تبدأ حين يتحول التصوف في الشعر إلى مجرد زينة ثقافية؛ كلمات من قبيل الفناء والعشق والوجد تُلقى بلا تجربة حقيقية تسندها.
فالشعر الروحي لا تصنعه المفردات، وإنما تصنعه الروح التي تقف خلف المفردات.
15. متى يتحول النقد الأدبي لشعر العارفين من مجرد "تفكيك نصوص وتحليل أوزان" إلى "مشاركة وجدانية" في التجربة الروحية ذاتها؟
يتحول النقد إلى مشاركة وجدانية حين يدرك الناقد أن القصيدة ليست جسداً لغوياً فقط، بل هي أيضاً أثر لرحلة إنسانية وروحية.
فلا يكفي أن نعرف البحر والقافية والصورة والرمز، على أهمية كل ذلك، بل ينبغي أن نصغي إلى النبض الذي جعل هذه القصيدة ممكنة.
النقد العارف لا يتخلى عن العقل والمنهج، لكنه يضيف إليهما حساسية القلب. فبعض النصوص يمكن تحليل بنائها، لكن لا يمكن إدراك سرها كاملاً إلا بشيء من المشاركة الشعورية.
وهذا لا يعني أن يتحول الناقد إلى شاعر أو مريد، وإنما أن يقف أمام النص متواضعاً، مدركاً أن بعض المعاني لا تُفتح أبوابها بالمفاتيح البلاغية وحدها.
16. تولي أهمية كبرى لربط الفكر الصوفي بالجانب التربوي العملي. كيف نحول "النظريات الأخلاقية" في كتب التراث إلى "سلوك يومي معاش" في مجتمع مادي بامتياز؟
المشكلة في رأيي ليست أننا لا نعرف الفضائل، وإنما أننا لا نتدرب عليها. نقرأ كثيراً عن الصبر، ثم نغضب من أول امتحان. ونتحدث عن التواضع، ثم نكتشف أن أنفسنا تضيق بأبسط نقد.
ولهذا لا بد أن تنتقل الأخلاق من صفحات الكتب إلى ميادين الحياة. فلا يكفي أن نقول للإنسان: كن رحيماً، بل ينبغي أن نفتح أمامه أبواباً يمارس فيها الرحمة. ولا يكفي أن نتحدث عن الإيثار، بل نحتاج إلى مواقف يتعلم فيها أن يقدم غيره على بعض رغباته.
الأخلاق لا تُحفظ كما تحفظ المعلومات، وإنما تُكتسب بالممارسة والمجاهدة والتكرار. وكل فضيلة لا تجد طريقها إلى السلوك اليومي تظل فكرة جميلة معلقة في الهواء.
17. يعيش عالمنا أزمة قيم حادة؛ ما هي "الروشتة الروحية" التي يقدمها وليد عبد الله الشاذلي لإعادة بناء وترميم الإنسان من الداخل قبل الخارج؟
لو أردت أن أختصرها في كلمات لقلت: صدق مع النفس، وصلة بالله، ورحمة بالناس، وعمل نافع في الحياة.
إن الإنسان يحتاج أحياناً إلى أن يتوقف عن الهروب من نفسه، وأن يجلس معها جلسة صادقة لا مجاملة فيها. أن يسأل: ماذا أريد؟ وما الذي أفسد قلبي؟ وأين أخطأت؟ وما الذي ينبغي أن أصلحه؟
ثم يبدأ البناء من الداخل؛ بتطهير القلب من الحقد، والعقل من الوهم، واللسان من الأذى، واليد من الظلم.
فالعالم لن يصبح أكثر سلاماً إذا بقي الإنسان يحمل حربه الداخلية معه إلى كل مكان. إصلاح الخارج يبدأ دائماً من تلك اللحظة الصامتة التي يقرر فيها الإنسان أن يكون أفضل مما كان.
18. كتبتَ كثيراً عن "طريق الإحسان". كيف يمكن لهذا المفهوم الإسلامي الرفيع أن يصبح مظلة عالمية للتعايش الإنساني وقبول الآخر؟
لأن الإحسان في جوهره هو أن ترتقي بعلاقتك بكل شيء؛ بالله، وبالإنسان، وبالحياة. وهو لا يقف عند حدود العدل، مع أن العدل أساس، بل يفتح أمام الإنسان أفقاً أرحب من الرحمة والفضل.
وحين يتربى الإنسان على الإحسان، فإنه لا ينظر إلى المختلف عنه باعتباره عدواً بالضرورة، بل يراه إنساناً له كرامته وحقه في العدل وحسن المعاملة.
الإحسان لا يعني ذوبان الهويات، ولا التنازل عن المبادئ، وإنما يعني أن نمتلك أخلاقاً تمنعنا من تحويل اختلافنا إلى كراهية.
ومن هنا يمكن لهذا المفهوم أن يقدم للعالم لغة إنسانية عظيمة: أن تكون ثابتاً على ما تؤمن به، دون أن تفقد قدرتك على الرحمة بمن يختلف معك.
19. في عصر "السرعة ومواقع التواصل"، كيف نوجه الطاقات الشبابية نحو "الخلوة الإيجابية والتأمل" دون أن نفصلهم عن أدوات عصرهم وتطوراته التقنية؟
لا أرى أن الحل في إعلان الحرب على التقنية، فهي جزء من عالمنا، وقد أصبحت أداة للعلم والعمل والتواصل. المشكلة ليست في الهاتف، بل في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان عاجزاً عن أن يعيش ساعة واحدة بعيداً عن ضجيجه.
الخلوة الإيجابية في عصرنا قد تبدأ بعشر دقائق فقط؛ يضع فيها الإنسان هاتفه جانباً، ويعود إلى نفسه. يقرأ، أو يتأمل، أو يصلي، أو يكتب ما يشعر به، أو يجلس في صمت بعيداً عن طوفان الإشعارات.
نحن لا نحتاج إلى أن نهرب من العصر، وإنما نحتاج إلى ألا نضيع فيه. فالإنسان الذي لا يملك لحظة لنفسه قد يملك العالم كله، ومع ذلك يظل غريباً عن قلبه.
20. كيف يسهم الفكر الصوفي التربوي في تعزيز "الصحة النفسية" ومواجهة ظواهر مثل القلق والافتقار إلى المعنى؟
الفكر الصوفي التربوي يقدم للإنسان معاني عميقة تساعده على مواجهة تقلبات الحياة؛ كالصبر، والرجاء، والرضا، والتوكل، والمحاسبة، وحسن الظن بالله.
وهو يعلم الإنسان أن ليس كل ما يحدث خارج إرادته ينبغي أن يهدم ما بداخله، وأن الخسارة لا تعني دائماً نهاية الطريق، وأن الألم نفسه قد يحمل درساً لا نراه في لحظته.
كما يعيد إليه سؤال المعنى، والإنسان يستطيع أن يحتمل كثيراً إذا عرف لماذا يحتمل.
لكنني أؤكد دائماً أن التربية الروحية لا ينبغي أن تُقدَّم بديلاً عن العلاج النفسي أو الطبي المتخصص عند الحاجة، وإنما هي رافد عظيم يعين الإنسان على بناء مناعته الداخلية، ويمنحه لغة يتصالح بها مع نفسه وحياته.
21. في كتاباتك ومقالاتك مساحات وارفة تفيض بمحبة النبي ﷺ وآل بيته الأطهار. ماذا تعني لك "المحبة" كمنطلق معرفي وعقائدي قبل أن تكون عاطفة وجدانية؟
المحبة عندي ليست مجرد حالة وجدانية جميلة، بل هي طريق من طرق المعرفة. فالإنسان لا يعرف معرفة كاملة ما يقف منه موقف البرود، لأن المحبة تفتح في القلب نوافذ للفهم قد لا تفتحها المعلومات وحدها.
ومحبة النبي ﷺ ليست أن نكثر من الحديث عن محبتنا له، وإنما أن نبحث عن أثر هذه المحبة في أخلاقنا. أن نحب رحمته فنكون رحماء، ونحب عدله فنكون عادلين، ونحب تواضعه فنكسر شيئاً من كبريائنا.
فالمحبة التي لا تتحول إلى سلوك تظل شعوراً نبيلاً، لكنها لم تبلغ بعد تمام ثمرتها.
وأحسب أن أعظم ما في المحبة أنها تجعل الاقتداء شوقاً لا تكليفاً ثقيلاً؛ فحين يحب الإنسان بصدق، يصبح التشبه بالمحبوب أمنية من أمنيات القلب.
22. المدائح النبوية صنف أدبي عريق، كيف ينجو الأديب من التكرار والوقوع في النمطية عند الكتابة في هذا الفضاء الشريف والمطروق بكثرة؟
الممدوح ﷺ واحد، لكن أبواب النظر إلى شمائله لا تنتهي. ومن هنا لا يكون التجديد في المدح النبوي بالبحث عن موضوع لم يسبقه إليه أحد، وإنما بصدق الزاوية التي ينظر منها الكاتب.
فقد يكتب ألف شاعر عن الرحمة المحمدية، لكن الذي عاش تجربة حقيقية مع هذا المعنى يستطيع أن يمنحه صوتاً خاصاً.
إن الخطر الأكبر في المدائح هو أن تتحول إلى تكرار محفوظ من الصور والعبارات، بينما الكتابة الصادقة تنبع من تجربة وجدانية حية.
والأديب ينجو من النمطية حين لا يكتب ليقلد من سبقوه، بل يكتب لأنه وجد في قلبه معنى يريد أن يقدمه بين يدي صاحب المقام الشريف ﷺ.
23. لآل البيت مكانة خاصة جداً في قلوب أهل مصر وعموم المسلمين. كيف تقرأ هذا الارتباط التاريخي والروحي، وكيف ينعكس على نصوصك النثرية والشعرية؟
ارتباط المصريين بآل البيت ليس مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل هو جزء عميق من الوجدان المصري، تشكل عبر قرون طويلة من المحبة والزيارة والدعاء والاحتفاء بالسيرة والمقام.
وقد امتزجت في هذا الارتباط عاطفة المحب بتاريخ المكان، حتى أصبح ذكر آل البيت في وجدان كثير من الناس مرتبطاً بمعاني البركة والرحمة والحنين إلى البيت النبوي الشريف.
أما في كتابتي، فإن الحديث عن آل البيت يوقظ في داخلي مساحة خاصة من المحبة والوفاء. فهم ليسوا مجرد أسماء في صفحات التاريخ، بل نماذج حية لمعاني العلم والصبر والشجاعة والرحمة والثبات.
ولذلك أحاول أن أقترب منهم بصدق المحب، لا بصخب الشعارات، وأن أجعل حضورهم في النص حضوراً أخلاقياً وروحياً قبل أن يكون مجرد زينة تاريخية.
24. يرى بعض المفكرين أن "المحبة" هي المفتاح المفقود لتجديد الخطاب الديني. كيف يمكن لخطاب المحبة والجمال أن يتفوق على خطاب الترهيب والجمود؟
لأن الإنسان قد يخاف فيطيع، لكنه لا يستطيع أن يحب إلا إذا شعر بالرحمة. والخوف وحده قد يصنع انضباطاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع بالضرورة قلباً حياً.
إن الخطاب الديني في أجمل صوره هو خطاب يجمع بين الجلال والجمال، وبين الوعد والوعيد، وبين الخوف والرجاء. أما اختزال الدين في التهديد الدائم فإنه قد يرهق الإنسان بدلاً من أن يهديه.
ونحن بحاجة إلى أن نقدم الدين بوصفه طريقاً لتحرير الإنسان من عبودية الهوى والظلم والخوف، وطريقاً إلى الرحمة والمعنى والجمال.
فالمحبة لا تلغي المسؤولية، لكنها تجعل الإنسان يقبل على الخير بقلب مشتاق، لا بروح مذعورة فقط. وما دخل القلب من باب المحبة كان أبقى أثراً مما دخل إليه تحت وطأة الخوف وحده.
25. ختاماً أستاذ وليد.. لو طُلب منك كتابة "رسالة في سطر واحد" توجهها لمريدي طريق الحق والجمال في هذا العالم الصاخب، فماذا ستقول لهم فيها؟
امضوا إلى الله بقلوب رحيمة، ولا تسمحوا لضجيج العالم أن يطفئ فيكم نور الروح؛ فطريق الحق لا يُعرف بكثرة الكلام، وإنما بصدق القلب، وجمال الخلق، وأثر المحبة في حياة الناس.
