عتبات البوح وهندسة الحرف:

حوار غائر في الوجدان مع الشاعرة أميرة محمد فرزان

حوار عطا درغام

 

يقف المتلقي أمام التجربة الشعرية للشاعرة أميرة محمد فرزان مستشعرًا نبضاً مختلفاً يزاوج بين جلال الكلمة وعمق المعاناة الوجودية، حيث يتحول النص في يدها إلى مرآة حية تعكس أوجاع الإنسان المغترب ومحاولاته المستميتة للإمساك بفلول الأمل والسكينة. في هذا الحوار الحصري الشامل، نغوص عميقاً في مختبرها الأدبي والفلسفي، لنفكك معاً أبعاد "الحزن الساكت" الذي برعت في تشريحه، ونقف على دلالات "الزمن المراوغ" في قصائدها، وكيف واجهت خيبات الواقع بعنفوان الصخر وعزيمة الأنفة، مستدعيةً طقوس التناص الرمزي والموروث التراثي لتقدم تجربة إنسانية فريدة قادرة على الولادة والانبعاث من جديد.

 

المحور الأول: معمارية الفقد وعقدة "الحزن الساكت" واغتراب الذاكرة

1-يلاحظ القارئ لنصوصكِ أن الذاكرة لا تحضر كملاذ آمن، بل كمسرح للتآكل والتشظي العاطفي، حتى وصفتِها بأنها "أدراج ينخر فيها السوس"؛ كيف تتشكل هذه المعمارية القاسية للفقد في وعيكِ الإبداعي؟

 نعم، الإنسان منا بحاضره مجموعة من الذكريات نَخلد لها ،وتكون ملاذنا الآمن تلك التي جعلتنا نستمر، وكانت الطُوب في دعم ذواتنا ومنحتنا كثيرا من الأمل بيد حانية .أما تلك التي حفرت مقابرها بسعينا لتجاوزها ستتآكل مع رُطبةِ الترك فلن نأخذ منها لأخشاب جسورنا بثقافة السؤال سنغُني مَعيننا، وننهض ونقتلع جذورا كانت ستقتلعنا لو تركناها تأكل تلك الفروع الطيبة التي تصلح للبناء.

 

2-  انحزتِ في نصوصكِ المحكية إلى تشريح "الحزن الساكت يلي بيدل على الساكت" واعتبرتِهِ أقسى أنواع الزعل؛ كيف يستطيع قلمكِ حمل هذه الغصّة الباطنية التي تعجز الحروف عن وصفها وتتحول داخلياً إلى حرب طاحنة؟

حين يُلجأنا الحزن إلى الصمت لا بد أنه تَجَذرْ  وأخذ مساحات في أعماقنا، وكما أسلفت عن الحرب التي تعتمل داخل كل منا لتجاوز أحزانه لابد من تشريحها وتجزئتها حتى لا تستعصي على انتصارات الفرح ،ولو كان ببريق أمل. كل منا تُدخله مفروضات كثيرة الصراع حتى نصل إلى ما نحب .بكثير من المعرفة وما تعطينا إياه من وقود للسير والارتقاء.

 

3  عندما يطرح عليكِ العابرون سؤالاً مألوفاً مثل (كيف أنت؟)، يتحول السؤال في نصكِ إلى محطة مزدحمة بالصور والركاب يضيع في سراديبها العنوان؛ لماذا يثير السؤال البسيط كل هذا الاغتراب والتشظي الذاتي؟

لو أخذت هذا السؤال، وكيف يمكن للكثيرين أن يجيب عليه كل حسب السائل والمسؤول، وعندما نُسأل نجيب باقتضاب إجابة مريحة  تَعارف عليها الجموع، ولكنها تأخذك بلحظات لأسئلة هل أنا فعلا بخير ؟..هل أنا على ما أريد..؟هل أنا راض غير راض..؟ هل هناك مايمكن أن يكون أفضل..؟

تراودنا وتأخذ بنا برحلة أوجاعنا وآمالنا المهرقة دماؤها على دروب التمني،حتى ترى بالوجوه من قسماتهم المرتسمة الكثير التي تحمل على الحيرة حتى بالتفاسير.

 

4- تظهر "الابتسامة المرسومة" في قصائدكِ كضماد زائف نخفي به نعيق الجرح لنخبر الآخرين بأننا على طريق التشافي؛ هل ترين أن مواجهة المجتمع تفرض على الذات الشاعرة كبتاً ومحاكاة زائرة للتماسك؟

عندما نترك أنفسنا لآلامها جُروحنا تتّشفى بها أولاً ذواتنا الكسولة، التي تستسلم وتنطوي على خيباتها وتتقوقع داخلها، فتثقل أنفاسنا وتمنعنا من الحياة،لذلك لابد للابتسامة أن تكون نبراس أمل ليس لنقنع الآخرين فقط، بل هي لنغير المجرى ونفتح الطريق للماء أن يُخّضر مروج الآت.

 

5- وظفتِ رمزية "خيوط العناكب" التي أغلقت الأبواب على نسخ قديمة منّا لم نعد نقوى على تصديقها؛ هل الكتابة عندكِ هي محاولة للتصالح مع هذه الهويات المهجورة أم رغبة في التبرؤ منها للعبور نحو النور؟

خيوط العنكبوت هي كناية عن زمن طويل من الهجر، ولو كانت صالحة للحياة لِما استطاع العنكبوت أن ينسج شبكته على مداخيلها

نسخنا القديمة صاغتنا، بترك ما يجب تركه وبقاء ماهو درجة ليوصلنا إلى النور .

 

المحور الثاني: فلسفة الزمان: مراوغة الوقت الحتمي وقسوة مرافئ الرحيل

6- للوقت في قصائدكِ فلسفة حادة، فالزمان كائن متسلل كالماء مهما رُفعت أكف الرجاء، وعجلة العمر راكضة؛ لماذا تبدو عقارب الساعة في عالمكِ كأنها تنعي الزمان لمن تسمَّر أمامها؟

وهل رأيت الزمان يعود بك إلا في إرادة لفتح كتاب الماضي ،وكما قال  الفيلسوف هرقليط:"  إنك لا تستحم في مياه جارية مرتين"

الوقت الذي يمر لن يعود ،وإيقاف الزمن شيء مستحيل ،وهدرنا له هو تخلي بغير مكانه، وخسارة لاتعوض

 

7- تضج نصوصكِ بـ"صافرات القطارات المعكوسة" التي ترمز لعودة الزمن للوراء، وبثقل أحمال المقطورات المليئة بالحقائب وصور الحنين؛ كيف تجعلين من أدوات السفر والرحيل فخاً داخلياً ومحاصرة دائمة لعفوية اللحظة؟

ربما حتى في هذه الصورة صورة أخرى من تَسّمرنا ،الذي يتركنا خارج الركب حيث قطاراتنا لا تعثر على وجهتها وحقائبنا المحزومة. لن نَحّل أشرطتها كون الوصول مستحيل.

8-تستعطين في لحظات الوداع ما بقي من وقت لتوقف الأشرعة على شواطئ الأحلام علّها تتزود بالسكينة قبل السفر؛ هل مرافئ الرحيل في نصوصكِ هي محطات حتمية للفناء أم نوافذ مؤجلة للبحث عن الأمان؟

 هناك رحيل ليس منه رجوع،يستوقفك بموت الأمل ويضعك على شواطئ الذكريات لا حياة بها ،إلى لصور نستدعيها كلما شعرنا بالحنين لكن دون لقاء.وهناك رحيل يتحالف مع الزمن علّه يأخذك بمراكبه لِمَواطن  النور.

 

9-وصفتِ الأمل في أروقة الغربة والانتظار بأنه "عدّاء يمم وجهه للخلف فخانته قدماه وتعسرت ولادة الخطوة"؛ كيف تقرأ الشاعرة مسارات الأمل الجماعي وسط وطأة المحطات المتروكة للذكرى؟

 كنت قبل الخيبات التي ابتلينا بها يحدوني أمل، وكنت أظن أن الآخرين مثلي بريق الأمل في الآت، بأحجار وصخور تتكسر كي نفتح الطريق، الأمل إشرافة فجر ينعي العتمة، ولكن في الواقع صدمني أولئك الذين يخافون النور وينتظرون (كرّاز بأجراس مي يقود خطواتهم). لذلك أضحى القطار يسير إلى الخلف (الكراز هو ذكر الغنم يضع الراعي بعنقه إجراءات كي يتبعه القطيع)

 

10-في نص "وحشة الغربة"، يتردد صدى الأمل كـ"رغاء إبل" في صحراء مترامية الأطراف؛ إلى أي مدى تعكس هذه المفردات المكانية القاحلة حجم التيه والضياع الروحي الذي يفرضه اغتراب المكان؟

وهل ترى في الجغرافيا التي نعيش شيئًا من الخصب الذي يمنحك استقرارًا للحياة ؛فالكلأ دائما يمنحك قاعدة كي تبني وتستمر، وأنا لا أشعر برجوع صدى ولا صوت يمنحك حياة.

 

المحور الثالث: ثنائية الوجد والخذلان: جدلية الحضور الرومانسي وحذر الانكسار الواقعي

 11- تتقنين بناء المحاورات الوجدانية الثنائية (قال لها.. وأجابته) حيث يتأرجح النص بين لهفة الشوق العاطفي وصرامة الحذر الواقعي؛ كيف توازنين بين رغبة الروح في التوحد العاطفي وخوفها من الخذلان؟

الصراع بين العقل الجمعي الذي يمثل قيما وبين بِكر عاطفة تأسرك العواطف بجمال حضورها، وتأخذك لأماكن الحلم التي يستعصي علينا في  الواقع الوصول إلى  روابيها. فعالم الكلمة ينتشي بهذا الصراع ويدّون انتصارات وانكسارات

 

12- عندما يستأسد الشوق برومانسية حالمة تتوسد العطور الممتزجة بالمسامات وتطير بالخيال، تتدخل الأنا الأخرى لترفض الرهان على غد مفقود الأمان؛ هل ترين أن القرب العاطفي في زمننا بات محفوفاً بالاعتلال؟

عندما يستأسد الشوق وهو دلالة على قوة ما نشعر بها يشغل المساحة الأكبر بالسيطرة على السلوك، ولكن في خضم هذا أن تكشف ساحتك وأنت بلا حصون ،ستدخل وأنت معتمدًا على حظوظ ستتبرأ منك إن لم تضعها في الحسبان.

13- يتحول الحب في بعض معالم نصوصكِ إلى ساحة انكسار مأهولة بـ"المراكب بلا سواري" وجفاف القناديل المنطفئة؛ كيف يخدم هذا الجفاف الوجداني تصوير الواقع العاطفي المعاصر؟

نحن ننتمي إلى مراكب هائمة لا تحمل رؤية واضحة لمسيرها؛ لذلك ننتظر الوجهة التي ييمم وجهنا إليها كدوران، أوديب ثلاثا وبعدها ستسير حيث أقدارا مسبقة كتبت لك وليس ماتحارب من أجل الوصول إليه

 

14- استخدمتِ مجازاً نباتياً دقيقاً في وصف الوعود بأنها "كترخون تنبت في غير أراضيها"؛ ما هي الدلالة النفسية التي أردتِ إيصالها من خلال فكرة نمو المشاعر في بيئة غريبة لا تنتمي إليها؟

ج-معروف أن الترخون تزرعه في مكان ولكنه ينبت بمكان آخر حتى  أنهم ينعتونه بالخيانة .وهذا دلالة على من يضع آماله بمكان ويستثمر فيه، لكنك لا تحصل على نتيجة ،ويزهر ويثمر في مكان آخر .

 

15- في مشهد صفقة القمر والبحر، يمتد الموج بقسوة ليمحو خطوط اللقاء المرسومة على الرمال ويسقط الأسوار؛ لماذا يصر الماء في قصائدكِ على ترك دموعه على انكسارات الذات بدلاً من منحها الارتواء؟

كنت أتعلم في كل لحظة من حكايا الموج مع الخطوط أن الكثير مما يشقينا، يمكن لدموع الماء أن تمحوه الدموع تعقم جروحك ،و ترفع لديك عتبة الآلم

 

المحور الرابع: التناص الطقسي والرمزي: الدمج بين الموروث الديني والميثولوجيا الأسطورية

16- تتميزين بقدرة لافتة على تطعيم المعجم الشعري بطقوس تعبدية ترفع الوجع الشخصي لمصاف التجربة الإنسانية العامة، كاستدعاء "الرجم بالسجيل وبحصى المؤمن"؛ كيف تولد هذه الصورة لطرد شيطان الظنون؟

الإنسان ينضوي داخله مجتمع بكل ما فيه وبكل أطواره بحلوله المنطقية وغير المنطقية ،عندما يعترضه ما يعجزه يلجأ لكل السبل ،حتى يستطيع حل ألغازه

 

17- تطوفين "سبعاً حول ذكرياتنا" لكي يبرأ قلبكِ من الشجون، ويتوضأ المحجر بدموع الشوق المعقمة؛ هل الطقس الشعائري هنا هو محاولة لتطهير الذاكرة أم لمنح التجربة العاطفية صبغة صوفية مقدسة؟

 لطالما كان الإيمان نوعا من الطاقة يحملك إلى نور أمل، وكما قيل عن السيد المسيح (آمن بالحجر تبرأ).

 

18- أطلقتِ في قصيدة "وحشة الغربة" دعوة رمزية بالغة العمق لإقامة "صلاة الاستسقاء" لأجل القلوب التي أصابها الجفاف وشح المحبة؛ كيف تحولين الطقس الجماعي المادي إلى أداة لإنقاذ المشاعر من التصحير؟

عندما ينحبس الشتاء ينبرئ الجميع لقيام صلاة استسقاء حتى الغيم يروي جفاف تربة، وليس أولى بأن نرى جفاف المحبة، أحق بهذه الصرخة .أيضا، فالعالم أضحى تتحكم به المصالح والأنا ،حتى أصبحنا عالما بلا أرواح.

 

19-يستحضر أفقكِ الرمزي تراجيديا التاريخ بأسلوب حاد عبر صورة "(زنوبيا) مقيدة تقودها للحتف خيول"؛ كيف ينعكس هذا الرمز التاريخي المصلوب على واقع الإنسانية المعاصرة وخيباتها المجلجلة؟

الانكسارات والخيبات التي تتوالى يستصرخ فينا ذاك الرمز ،الذي وقف بوجه الطغاة وآثرت تجرع السّم على الإذلال ،وكم نحن أحوج الآن لتلك الرموز التي بقيت صورا في التاريخ.

 

20- ينتهي نصكِ البديع (كيف أنت) بانتفاضة عارمة تتكور فيها الروح كدوائر زوبعة وتنتفض "كالتنين من بين الرماد"؛ ما سر هذا الاستدعاء الأسطوري الميثولوجي لإعلان قدرة الذات على الانبعاث المتجدد؟

الإنسان لديه قدرات على التجدد على الانبعاث ،عندما توجد الإرادة .فكم من أمة دمرتها الحروب، وعادت لتنتفض لصوت الحياة ولم تيأس .واليابان وألمانيا لخير مثال

 

المحور الخامس: المقاومة الأخلاقية والأنفة الذاتية أمام الرداءة وضجيج الوهم

21- "تأبى النفوس العزيزة تصاغراً.. وإن كان صوت التباهي باهي"؛ كيف ترسمين ملامح دستوركِ الأخلاقي والوجودي في الانحياز لعزة النفس والأنفة أمام بهرج المظاهر الزائفة ونبرات التملق؟

بالتواضع بالسعي بإيماننا بأنفسنا .كلما ازدادت المظاهر بهرجا كلما ،دللت على كم الخواء الموجود

 

22-شبهتِ الجهل وعروشه بـ"عرش العنكبوت الواهي" تأكيداً على هشاشته أمام نور المعرفة؛ وسط طوفان الرداءة الرقمية وضجيج "البوز"، كيف يمتلك المبدع الشجاعة ليجعل من عقله نوراً لا ينحني للهزائم؟

عندما نسعى وراء بناء الشخصية لا عديد الأفراد ،عندما  نوأد الجهل بنور المعرفة. ها هي الشمس مع كل فجر بحالة تحدي لظلمة الليل وحلكته.

 

23-تشنين هجوماً نقدياً لاذعاً على البطولات الوهمية في نصكِ (يكسر الصمت)، وتصفين المعارك بـ"الواجهات الدونكيشوتية" وسهرات المقاهي التي تلوك أساطير الماضي؛ كيف ينقذ الوعي الإنساني نفسه من زاد الوهم؟

بالثقافة بالسؤال بالبعد عن ثقافة النقل إلي العقل .العاطفة أهواءها ،التي تجنح ملا يوجد غير العقل هو الذي سيضع الميزان الأصح.

 

24-يصرخ نصكِ بمأتم كلمة الحق وسط ضجيج عارم يلف المكان بالصراخ والعويل، حيث يشد كلٌ لحقه خيطه في واقع تشابكت خطوطه؛ كيف نعيد لأنفة الكلمة هيبتها المفقودة أمام تضارب المصالح الأنانية؟

عندما يعلو صوت الأنا تتشظى المجتمعات ،ويغلب على ألوانها لون السواد كل يتقوقع داخل صخرة الحق الذي ينجم عن خوف الفقدان؛ فيلوذ بخيمته الأقرب .كل ما ننشده هو أن نحطم حواجز الأنا لنصبح نحن

 

25- نختتم بصرختكِ الأخلاقية المدوية: "أغمدوا سيوف اللسان وأحسنوا القول علّ العقول لصوت الحق يوماً تتول"؛ إلى أي مدى تري

 للكلمة صداها على العقول .فكلما كانت اللسان يلهج بباطل ممنهج، كلما أصبح العقل في حالة عطالة، ونحن الآن أحوج إلى صوت العقل الذي يتخذ من السؤال دلالة للوصول بعد التقصي.