"بين يقين النص والتباس المنفى:

 حوار مع الشاعر والروائي السوري فريد ياغي حول قصيدة الوجع، ومآلات السرد، ومسؤولية الحرف"

حوار عطا درغام

 

يتحرك نتاج الأديب السوري المعاصر فريد ياغي في منطقة خصبة تلتقي فيها لغة الشعر الصارمة بأبعاد السرد الروائي والمسرحي. منذ بزوغ اسمه بحصوله على المركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي، وهو يطرح من خلال أعماله مثل "العائدون إلى المنافي" و"كي لا نكون" ورواية "العشبة الزرقاء" أسئلة حيوية ترتبط بالذات والمجتمع. في هذا الحوار المكثف، نضعه أمام 25 سؤالاً تقارب مسيرته عبر خمسة محاور رئيسية، دون مواربة أو مجاملة، سيباً من الطقوس المعتادة والتساؤلات المستهلكة.

 

المحور الأول: الهوية المركبة وأثر البيئة المحلية (دمشق، فلسطين، والاغتراب)

1-كيف يعاد ترتيب المفردات في نصوصك عندما تصبح دمشق -بكل إرثها- بيئة بعيدة جغرافياً، بينما تظل حاضرة كمركز لشعرك؟

 

دمشق لا تعطيك نفسها، ولا تتركك أبدًا. حين كنت فيها، لم أشعر أنها قريبة مني، وحين ابتعدت عنها آلاف الكيلومترات، لم أشعر أنني ابتعدت عنها أكثر. دمشق هكذا، كالسماء، على مسافة واحدة من كل الأرض.

 

2.تحمل جذوراً فلسطينية وعشت في سوريا بوثيقة إقامة مؤقتة قبل الانتقال إلى ألمانيا. كيف ينعكس هذا اللجوء المركب والممتد على كتابة مفهوم "الوطن المستقر" في قصائدك؟

 أولًا، لا أرى أن وصف «الجذور الفلسطينية» دقيق في حالتي. أنا أنتمي إلى بلاد الشام، وأعتقد أن بلاد الشام بلد واحد، وأن تقسيمه لم ينجح في الفصل بين شعوبه حتى بعد أكثر من مئة عام. فحين تدخل سوريا حربًا، لا يبقى لبنان خارج آثارها، والقضية الفلسطينية، بالنسبة إليّ، قضية سورية أيضًا.

أما أصول عائلتي القديمة فتعود إلى بعلبك، وقد استقرت في دمشق منذ عام 1860. وأما الجنسية الفلسطينية، فقد جاءت نتيجة ظرف تاريخي مرتبط بسفر أحد أفراد العائلة في عشرينيات القرن الماضي، لمدة عامين، في زمن لم تكن فيه الحدود والهويات الوطنية قد استقرت في وعي الناس كما نعرفها اليوم، وكان كثيرون لا يقرأون ولا يكتبون، ولا يميزون أصلًا بين السوري والفلسطيني. وعلى أي حال، لم يزدني حمل هذه الهوية إلا فخرًا.

أما أثر ذلك في شعري، فقد وُلدت لاجئًا بالصفة الرسمية، وهذا أمر يترك مفهوم الوطن مجروحًا في قلب الإنسان. فالوطن، بالنسبة إلى من يولد لاجئًا، ليس مجرد مكان ينتمي إليه، بل مكان يشعر منذ البداية أن انتماءه إليه يحتاج إلى إثبات.

 

3.في ديوانك "العائدون إلى المنافي"، هل تنظر إلى المنفى بوصفه عقاباً زمنياً أم مساحة بديلة لإعادة صياغة الهوية؟

قال لي أحد الأصدقاء ذات مرة: «تبًّا لك، لقد تنبأت لنفسك في ديوانك الأول!». والمفارقة أنني حين كتبت «العائدون إلى المنافي» لم أكن قد غادرت البلاد بعد، لكن شعور الهرب والمنفى كان يراودني باستمرار، كأنني كنت أستشعر ما ينتظرني.

أما عن العقوبة التي تتحدث عنها، فقد وُلدتُ معاقَبًا يا صديقي.

 

4.كيف استطاعت مدينتك الجديدة "كوبلنس" الألمانية أن تفرض إيقاعها الهادئ على لغة شاعر اعتاد على ضوضاء الشرق وتناقضاته؟

 حين تولد في دمشق، تكون منصهرًا في ضوضائها، أما أن تنتقل إليها وافدًا، فهذا يعني أن تضيع فيها. وأظن أن الأمر نفسه ينطبق على مدن كبرى مثل برلين وباريس.أما أنا، فمرتاح هنا في كوبلنز. غربتي فيها على حجمها؛ أضيعها بدلًا من أن أضيع فيها.أرأس اليوم تجمعًا أدبيًا يضم ثمانية شعراء، يحمل اسم «شُبّاك»، وهو اختصار لكلمات: شعراء، باحثون، أدباء، كوبلنز. وأعمل هنا، ولي عائلة صغيرة: زوجتي وابنتنا وأنا. وهذا كثير، كثير جدًا بالنسبة إليّ.في النهاية، الحب الكبير يجعل المدن مدنًا كبرى.

 

5.متى يشعر الشاعر المغترب أن لغته العربية أصبحت وسيلته الوحيدة للاحتماء من الذوبان في مجتمع جديد تماماً؟

 لا أحب أن أعرّف نفسي بوصفـي شاعرًا مغتربًا. أصلًا، كانت بلادنا الحزينة أصغر من أحلامنا، فمن منّا لم يغترب؟ نزار قباني مات في لندن، ومحمود درويش مات في هيوستن، والجواهري مات بعيدًا عن دجلة.

بلادنا هذه جميلة للشعر، قبيحة للحياة، ولذلك فإن الغربة عندي حالة نجاة، لا حالة ضياع.أما الشعر واللغة، فهما زيارة للنفس، بعد أن تمضي يومك كله وكأنك تتفرج على MBC2 (أي تمضي يومك كله وأنت تسمع لغة أجنبية)

 

المحور الثاني: الإنتاج الأدبي (القصيدة، الرواية، والمسرح)

6.تنتقل بسلاسة بين بحور الشعر وتفعيلاته، وبين نثرية السرد في روايتك "العشبة الزرقاء". ما الذي تقوله الرواية ولا تتسع له القصيدة العمودية؟

في الشعر تغلب العاطفة على الفكر، أما في الرواية فيغلب الفكر والحدث على العاطفة. وفي «العشبة الزرقاء» تحديدًا، كان الحدث الدرامي أكبر من أن تتسع له قصيدة، حتى شعرت بأن القصيدة تضيق بما أريد قوله، فاخترت أن أكتبه رواية.

 

7.مسرحيتك "حياة الحلاج" تقترب من شخصية صوفية إشكالية. هل كان استدعاء الحلاج محاولة لإسقاط مصير المثقف المعاصر على الرموز التاريخية؟

كتبتُ «حياة الحلاج» في مرحلة كان التجريب فيها بطل الحكاية. أردت أن أجرّب كتابة مسرحية شعرية عن رجل أجد نفسي في أفكاره، فكان الحلاج.لا أقول إنني أتبرأ من هذا العمل، لكنني اليوم أجد في أعمالي مسرحية ما يمثّلني أكثر من حياة الحلاج ، مثل «رومي» و«زنازين العشاق» و«العهد الجديد جدًا».

 

8.مجموعتك القصصية تحمل عنواناً لافتاً "المتفرد بتمزيق الرحيق". كيف توازن في القص القصير بين تكثيف الدلالة الشاعرية وبين متطلبات الحبكة السردية؟

 أعتقد أن المشكلة تبدأ حين ينسى الشاعر، وهو يكتب قصة، أنه مطالب بأن يروي حكاية، لا بأن يكتب قصيدة متنكرة في هيئة قصة قصيرة. أحب اللغة الشعرية، بطبيعة الحال، لكنني لا أريد لها أن تكون على حساب الحدث والشخصيات. فالجملة الجميلة لا تنقذ قصة ضعيفة، بينما تستطيع الحكاية الجيدة أن تمنح أبسط الجمل جمالًا خاصًا.في القصة أترك للشاعر أن يختار الكلمات، لكنني لا أسمح له بأن ينتزع الحكاية من يد القاص.

 

9.في ديوانك "كي لا نكون"، هل كان العنوان صرخة احتجاج ضد التلاشي، أم اعترافاً مسبقاً بهزيمة أدوات التعبير أمام الواقع؟

كُتب ديوان «كي لا نكون» في الأصل حول الثورة السورية والحرب الأهلية، في لحظة كانت فيها سوريا تعيش أزمة وجودية حقيقية، وتواجه سؤالًا مصيريًا: إما أن تكون أو لا تكون.لذلك كان العنوان اعترافًا أكثر منه صرخة احتجاج، وإن كان يحمل شيئًا من الاثنين معًا. ففي تلك المرحلة، لم يكن الخوف من التلاشي مجرد هاجس شعري، بل كان احتمالًا يواجه بلدًا بأكمله.

 

10.كيف يتعامل المبدع المعاصر مع كتابة بواكيره الأدبية حين يعيد نشرها؟ وكيف تقرأ اليوم نصوصك المنشورة في "من ملامح جرح مراهق"؟

كلما قرأت تلك القصائد ابتسمت، وعادت إليّ أحلامي الكبيرة، يوم كنت أظن أنني آخر الشعراء في هذا العالم، قبل أن أتعرف إلى شاعر آخر!نعم، تطورت لغتي وأدواتي الشعرية كثيرًا منذ ذلك الحين، لكن أيام تلك القصائد هي الأيام التي أدفع عمري كله لأعيشها مرة ثانية.

 

المحور الثالث: المحطات التنافسية والجوائز الأدبية

11.فوزك بالمركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2014 كان نقطة تحول كبرى. هل تمنح الجوائز صك الشرعية للكاتب، أم أنها مجرد اعتراف مؤقت بجهد محدد؟

 باختصار، الشاعر هو من يمنح نفسه الشرعية والاعتراف الشعري. أما الجائزة، فهي اعتراف مؤسسي بالشاعر، يدفعه إلى إنجاز أكبر، ويساعده على الانتشار، ويزيد ثقته بنفسه.وأنا أتحفظ على كلمة «مجرد» الواردة في السؤال؛ فالجائزة ليست مجرد اعتراف، بل هي اعتراف بكل ما تحمله حروف هذه الكلمة من معنى.

 

12.شاركت في مسابقة "أمير الشعراء" في دورتها الخامسة ووصلت لمرحلة متقدمة. كيف تؤثر الشاشات التلفزيونية والجمهور العريض في صياغة لغة الشاعر لاحقاً؟ هل تسلبه بعضاً من غموضه

-نحن لسنا في زمن بلاط الوليد أو الرشيد، وفي زمن أصبح فيه ممثل كومبارس في مسلسل تلفزيوني، أو مطرب مهرجانات، أشهر من أشهر الشعراء، يمنح برنامج «أمير الشعراء» الشاعر فسحة لطيفة للانتشار.والشاعر لا يحتاج إلى الغموض بقدر ما يحتاج إلى الانتشار، وهذا ما يوفره البرنامج.

لكن الشاعر تجربة متكاملة، بينما يقدم «أمير الشعراء» بضع قصائد وفق معايير محددة. فقد تكون أفضل قصيدة كتبتها في حياتك قصيدة مطوّلة؛ فهل تستطيع قراءتها في البرنامج؟ وقد تكون أجمل نصوصك ومضة نثرية؛ فهل تستطيع تقديمها فيه؟ لذلك لا أرى أن البرنامج يعرض التجربة الشعرية كاملة، بقدر ما يمنح الشاعر فرصة محببة للانتشار.

 

13.هل ترى أن معايير لجان التحكيم في المسابقات العربية الكبرى تنصف النص المجدد والمتمرد، أم أنها تميل دوماً لترسيخ الكلاسيكية؟

-ثمة مليون جائزة، بعضها منصف وبعضها الآخر ليس كذلك.

 

14.حصلت على جائزة اتحاد كتاب دمشق مبكراً في عام 2013. ما الفرق في الأثر النفسي بين تكريم محلي نابع من مدينتك وتكريم عربي إقليمي؟

-كانت جائزة دمشق آنذاك أقل انتشارًا وحوافز من جائزة الشارقة، لكنها كانت أول جائزة أحصل عليها في حياتي، ولذلك منحتني فرحًا كبيرًا.أما جائزة الشارقة، بما تمثله من مكانة وحضور عربي، فقد كانت في مستوى آخر من الاعتراف، وحافزًا مختلفًا لمواصلة تجربتي الشعرية.

 

15.هل تتحول الجائزة المادية والمعنوية أحياناً إلى عبء أو قيد يدفع الأديب لتكرار الصيغة التي نجحت بدلاً من المغامرة بالتجديد؟

بالنسبة إليّ، لم يكن الأمر كذلك.

 

المحور الرابع: السمات الفنية والفلسفة الشعرية

16.قصيدتك "رباعيات الخيام" تبدأ بـ: (وراءَ الغيبِ أنغامٌ تحاولُ بعدُ أنْ تحيا). لماذا يصر شعرك على التنقيب في المجهول والغيب بدلاً من الانشغال بتفاصيل الملموس اليومي؟

دعني أعقّب أولًا بأن مطلع القصيدة هو:

«هو الليلُ الذي قد طالَ

أم ليلًا به خاطوا؟»

أما بالعودة إلى السؤال، فلو قرأنا «رباعيات الخيام» مثلًا، لوجدنا أننا أمام نص يتحدث عن واقع الحال، لا عن الغيب المبهم. ودعني، من خلال منبر حضرتك، أقول إنني أتحدى أيًّا كان أن يأتيني بنص شعري معاصر أرّخ لأزمة اللجوء السورية، وهي من أكبر أزمات اللجوء في تاريخنا الحديث، أكثر مما فعلت «رباعيات الخيام»..أما إذا أردت أن تسألني لماذا أحفر أحيانًا في الغيب، فالجواب بسيط: لأن الحاضر قد عرفناه، والغيب هو ما نريد معرفته.

 

17.توظف البحور الخليلية المتنوعة كـ (الكامل، البسيط، المديد). هل تجد في القوالب الموسيقية الجاهزة حماية للنص، أم تحدياً يتطلب ترويضاً مستمراً لئلا يبتلع فكرة الشاعر؟

 أجيبك ببساطة: أنا أستمتع بقراءة الشعر الخليلي، ولذلك أكتب ما أستمتع بقراءته. ونعم، هذه القوالب الموسيقية تحمي النص من جهة، وتشكّل تحديًا يتطلب حرفية عالية من جهة أخرى.

 

18.تحضر ثنائيات حادة في دواوينك، مثل (الحب والحرب) أو (الانكسار والبحث عن النور). كيف تنجو قصيدتك من فخ الخطابية المباشرة والوقوع في النحيب البكائي؟

لا أكتب الشعر المباشر، لأن هذه ببساطة طريقتي في الكتابة. لكن دعني أصحح شيئًا: قصائدي لا تنجو دائمًا من الخطابية والمباشرة، وإنما كل قصيدة وقعت في هذا الفخ حذفتها، فلم تصل إلى القارئ، وبالتالي لم تصل إلى حضرتك.أما النحيب، فلا، قصائدي لا تنجو منه، وفي دواويني نماذج كثيرة لقصائد ناحبة، كما أن فيها قصائد ليست كذلك.

 

19.درست إدارة الأعمال والاقتصاد في الجامعة السورية. كيف لعلم قائم على الأرقام، والجدوى، والحسابات العقلانية البحتة أن يتجاور داخل عقلك مع عشوائية الشعر وتحليقه؟

دعني أصحح أولًا أنني درست الصحافة في جامعة دمشق، ثم حصلت على درجة الماجستير في الإعلام التاريخي من المعهد العالي للإعلام في باريس، وكانت رسالتي بعنوان «الحرب الإعلامية بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان».وأُعدّ الآن رسالة الدكتوراه في مجال سوسيولوجيا الدين في «Oxford E-University»، وأبحث فيها نشوء بعض المجتمعات المذهبية الإسلامية وتشكّلها، ضمن مشروع بحثي بعنوان «المذاهب والمآرب»...أما إدارة الأعمال، فقد درستها تنفيذًا لشرط وضعه والدي، مقابل وعد منه بأن أتسلّم «دار الفريد للطباعة والنشر». وهكذا درست ما لا أحب، وأتقنت ما لا أهوى.

ومع ذلك، خرجت من التجربة بمعرفة في الاقتصاد وآليات عمل الشركات وطرائق الإدارة. وهي معرفة جميلة لم أستفد منها كثيرًا حتى الآن، لكنني قد أحتاج إليها يومًا.

 

20.في قصيدتك "مياهم الوقت"، كتبت (سكبتُ لكِ الوقتَ من عقربي/ فشاخَ الزّمان ولم تشربي). كيف توظف مفهوم الزمن الشيخوخي في شعرك لمواجهة الفناء؟

 لا أعتقد أنني كنت أفكر في مواجهة الفناء حين كتبت هذا البيت. كنت أكتب عن الانتظار، وعن الوقت الذي نهبه لمن نحب دون أن نعرف إن كان سيقبل هديتنا أصلًا.أما شيخوخة الزمن، فهي صورة شعرية أردت بها أن أقول إن الانتظار قد يستهلك العمر كله، حتى يبدو الزمن نفسه وقد شاخ من فرط الانتظار.

 

المحور الخامس: النشاط الثقافي والإعلامي والمهني

21.قدمت برنامج "وهج المعرفة" على شاشة القناة التربوية السورية. كيف يستطيع الشاعر الحفاظ على نبرته الخاصة عندما يرتدي عباءة المذيع الملتزم بصرامة العمل التلفزيوني

لعل أقرب الأعمال المأجورة إلى روح الكتابة هو تقديم البرامج الثقافية، ولذلك مارس هذا العمل كثير من أصدقائي الشعراء، ولا سيما أن اختصاصي الأكاديمي هو الصحافة والإعلام. وأعتقد أن الشاعر، خارج القصيدة، ابن مهنته؛ سواء أكان في الاستوديو، أم المستشفى، أم عيادة الأسنان، أم الصيدلية، أم الصف الدراسي، أم ورشة النجارة والحدادة.

قد يضيف شيئًا من روحه الشعرية إلى عمله؛ فقد يقول الطبيب لمريضه كلمة مشجعة يستعيرها من قاموسه الشعري، وقد يحاور الإعلامي شاعرًا فيجد نفسه يتحدث معه في صميم اختصاصه، وقد يصنع النجار غرفة نوم رقيقة كان قد تخيّلها في قصيدة.لكنه في النهاية، حين يمارس مهنته، يكون ابن تلك المهنة. هذا باختصار.

 

22.نشأتك وعملك الباكر في مطبعة ودار نشر والدك وضعاك أمام كواليس صناعة الكتاب مبكراً. كيف أثر فهمك لتقنيات الطباعة والنشر والورق على تقديرك لقيمة المنتج الأدبي؟

 لا أستطيع القول إن تقنيات الطباعة هي التي أسهمت في تقديري للمنتج الأدبي، بقدر ما كان لاحتكاكي المبكر بالأدباء، وقراءتي كتبًا غير تقليدية، الأثر الأكبر في تجربتي. فبينما يبدأ الشاعر عادةً بقراءة الشعراء المشهورين، وجدت في بيتنا دواوين لشعراء مغمورين أثرتني تجاربهم، واطلعت من خلالها على الشعر خارج الصالونات الأدبية والأسماء المتداولة.أما التشجيع العائلي، فكان حاضرًا أيضًا؛ فوالدي ناشر ومثقف، ووالدتي خريجة قسم التاريخ ومثقفة، وقد أسهم هذا المناخ كله في إثراء تجربتي الأدبية.

 

23.عملت مدققاً لغوياً للعديد من الكتب والدواوين لكتّاب آخرين. هل يحد هذا الهوس اللغوي والتدقيقي من انطلاق عفوية قصيدتك الخاصة؟ أم أنه يحميها؟

 ليس لديّ هوس لغوي، وإنما كنت أقدّر العاملين في دار النشر على التدقيق اللغوي، وهذا كل ما في الأمر.

 

24.كيف تقيم النقد الأدبي المعاصر في مواكبة جيلك؟ هل يعتمد النقد على الشللية والمجاملات أم لا يزال يمتلك أدوات قراءة حقيقية؟

-بعضه يمتلك أدوات نقدية حقيقية، لكن معظمه، للأسف، يعتمد على الشللية والمجاملات.

 

25.في ظل طغيان وسائل التواصل وتدافع النصوص السريع، كيف يضمن الشاعر استمرار عمق كلمته وتميز صوته وسط هذا الضجيج البصري والقرائي؟

هل تنتظر مني إجابة رومانسية؟ الجواب: لا يستطيع، وكلنا أسرى هذا الجنون.