شفق نيوز- ترجمة خاصة

قدم معهد "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" الأميركي مشهد إنذار لأحوال المسيحيين في العراق، معتبراً أن البطريرك الجديد مار بطرس بولس الثالث نونا، يحمل الآن عبء العمل عن منع تلاشي أبناء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، وأن جهود واشنطن لتعزيز سيادة الحكومة العراقية سيساعد في حماية المسيحيين في العراق.

 

وقال المعهد الأميركي في تقرير له، ترجمته وكالة شفق نيوز، إن حفل تنصيب البطريرك مار بطرس بولس الثالث نونا، كان يحمل جميع سمات الكنيسة المزدهرة، حيث أحاط البطريرك رجال الدين المرتدين الأزياء الدينية التقليدية بما يؤشر إلى بدء عهد جديد لواحدة من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم.

 

إلا أن التقرير الأميركي أشار إلى أن الجماعة التي ورثها البطريرك الجديد قد تلاشت تقريباً منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث كان عددهم قبل الغزو نحو 1.5 مليون نسمة، لكن لم يتبق منهم الآن سوى أقل من 150 ألف شخص.

 

ومع ذلك، لفت التقرير إلى أن الكنائس التي جرى ترميمها تمثل أملاً متجدداً، حيث إن القداديس لا تزال تملأ المقاعد في أربيل وقرقوش. ومع ذلك، اعتبر التقرير أن الحياة المسيحية لم تتعافَ من الحرب، مضيفاً أن مناشدات البطريرك نونا من أجل وحدة المسيحيين ليست فقط بسبب الاهتمام الروحي، وإنما أيضاً تمثل إقراراً بأنه إذا لم يقف المجتمع المسيحي موحداً فإنه لن يظل قائماً.

 

وبحسب التقرير، فإن التضامن بين المسيحيين يبقى الأمل الأخير لمجتمع كان نابضاً بالحياة في يوم من الأيام لكن جرى محوه تقريباً بسبب عقود من العنف الذي سهّلته ضعف الدولة القائم حتى الآن.

 

وفي هذا الإطار، استذكر التقرير الغزو الأميركي وفراغ السلطة وظهور تنظيم القاعدة الذي استهدف المسيحيين بهجمات مميتة مراراً، بما في ذلك اقتحام كنيسة سيدة الخلاص عام 2010، وعمليات الخطف والابتزاز التي أجبرت مسيحيي بغداد من المنطقة المعروفة باسم "الفاتيكان العراقي" في الدورة، على النزوح والهجرة. كما تناول التقرير صعود تنظيم داعش الإرهابي الذي احتل الموصل ووجه تهديداته إلى المسيحيين ودمر الكنائس، بما في ذلك دير القديس إيليا الأقدم في العراق، وطرد حوالى 120 ألف مسيحي من سهل نينوى.

 

وبرغم هزيمة التنظيم، اعتبر التقرير أن الخطر لم ينتهِ مع داعش، حيث يحصل استنزاف حالياً في ظل حكم الميليشيات الذي يجعل حياة المسيحيين تفتقر إلى الاستدامة.

 

ولفت التقرير إلى العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على القيادي الكلداني ريان الكلداني واتهمته بمنع المسيحيين من العودة إلى منازلهم، والاستيلاء على الأراضي من خلال التزوير والترهيب.

 

وبحسب التقرير، فإنه بعد هزيمة داعش، فإن سهل نينوى يجب أن يستقطب المواطنين الذين هجرهم الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي، إلا أنه بدلاً من ذلك فإن استمرار وجود الميليشيات جعل الانتعاش مستحيلاً، مما أدى إلى إحباط جهود إعادة التوطين وإعادة البناء بشكل مستدام.

 

ونقل التقرير عن سارة، وهي مسيحية تدير منظمة تطوعية في المنطقة، أن "الكثيرين هنا يفقدون الأمل، لأنهم أدركوا أن البدء من جديد سيكون صراعاً شاقاً. فلا توجد خدمات ولا وظائف. يمكننا مساعدة بعضنا البعض ولكن من الصعب تخيل مستقبل".

 

وذكر التقرير أنه من أجل ضمان مستوى محدد من التمثيل للمسيحيين في مجلس النواب العراقي، فإن 5 من هذه المقاعد مخصصة للمسيحيين، إلا أنه بالنظر إلى أن نظام الحصص في العراق يسمح لأي شخص بالتصويت على من سيشغل تلك المقاعد، طالما أن المرشحين مسيحيون، فإن الكتل الشيعية ساعدت حركة بابل بقيادة الكلداني على الفوز بأربعة من المقاعد الخمسة في عام 2021، مذكراً بأن البطريرك السابق لويس ساكو كان حذر من أن الكلداني "لا يمثل المسيحيين".

 

وتابع التقرير أنه بالنظر إلى أن العراق لديه دستور يمنح الإسلام امتيازاً، بما في ذلك قوانين الردة التي تمنع المسلمين من ترك الإسلام لأي دين آخر، والبطالة المزمنة بين المسيحيين، فإن النتيجة ليست مفاجئة حيث إن 57% من مسيحيي نينوى فكروا في الهجرة بينما يتوقع 36% المغادرة في غضون خمس سنوات.

 

وبعدما تساءل التقرير عما بإمكان الولايات المتحدة القيام به، أشاد باستمرار معاملة المسيحية العراقية كقضية تراثية من خلال تمويل ترميم المباني الجميلة والاعتراف بفظائع الماضي، إلا أنه اعتبر أن كل ذلك يتجاهل المخاطر الحالية التي تواجه المسيحيين في العراق، موضحاً أن التهديدات التي تواجه المسيحيين مصدرها وجود دولة عراقية ضعيفة منحت السيطرة على وظائفها الأساسية للفصائل المرتبطة بالحشد الشعبي التي حولت، بمساعدة إيران، مناطق مسيحية فيما بعد داعش إلى مناطق تديرها الميليشيات.

 

ولهذا، رأى التقرير أن الأكثر فائدة الذي بإمكان واشنطن القيام به هو أن تدفع بغداد لكي تستعيد تلك المسؤوليات.

 

كما دعا التقرير واشنطن إلى إعادة إدراج العراق ضمن تصنيف البلدان الأكثر إثارة للقلق فيما يتعلق بالحريات الدينية الدولية، مشيراً إلى أن العراق مدرج حالياً فقط في قائمة المراقبة الخاصة، مما يمثل مستوى أقل من القلق. وتابع قائلاً إن استعادة التصنيف الأكثر قسوة والذي كان مطبقاً من قبل، سيوجه رسالة إلى الحكومة العراقية بأن تجاهل معاناة المسيحيين يحمل تكاليف دبلوماسية حقيقية.

 

بالإضافة إلى ذلك، دعا التقرير واشنطن أيضاً إلى الوقوف بحزم وراء إصرارها على عدم تعيين رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، أي وزراء ينتمون إلى أحزاب سياسية تابعة للميليشيات التي صنفتها الولايات المتحدة كمنظمات "إرهابية". وأضاف التقرير أن الزيدي احترم حتى الآن هذا الطلب. إلا أن التقرير تابع قائلاً إن جعل العراق على المدى الطويل آمناً للمسيحيين والأقليات الأخرى يعتمد على كسر قبضة الميليشيات ورعاتها في طهران على الدولة العراقية.

 

وتابع التقرير أن بإمكان واشنطن أيضاً الضغط على مجلس النواب العراقي لإصلاح نظام حصص الأقليات بحيث تعكس المقاعد البرلمانية الناخبين الذين من المفترض أن يمثلوا بدلاً من تفضيلات الكتل السياسية الخارجية الأكبر.

 

وختم التقرير الأميركي مذكراً بأن البابا فرانسيس، بينما كان يقف وسط أنقاض قراقوش في عام 2021، حث المسيحيين على عدم "نسيان من هم أو من أين أتوا"، في حين أن البطريرك ساكو اعتبر أنه بدون تغيير في الحكومة العراقية قد يختفي مسيحيو البلد قريباً تماماً.

 

وخلص التقرير إلى القول إن خليفة ساكو، البطريرك نونا، يتحمل الآن عبء العمل لضمان عدم حدوث ذلك، مضيفاً أن واشنطن، كجزء من استراتيجيتها الأوسع لمواجهة طهران، تسعى بالفعل إلى حكومة عراقية على استعداد للحد من جهود إيران لدعم الميليشيات، مضيفاً أن نفس الخطوات ضرورية لحماية المسيحيين العراقيين.

 

ونبه التقرير من تحول كنائس سهول نينوى من مراكز حية للمسيحية العراقية إلى أطلال، مضيفاً أن ذلك يعتمد على ما إذا كان بإمكان العراق، بمساعدة أميركية، حماية مسيحييه.