اخر الاخبار:
سقوط مدني ضحية بقصف جوي تركي شمال دهوك - الخميس, 18 تموز/يوليو 2024 09:01
قصف بطائرة مسيرة يستهدف قرية في السليمانية - الأربعاء, 17 تموز/يوليو 2024 08:48
حماس توقف مفاوضات هدنة غزة - الأحد, 14 تموز/يوليو 2024 09:31
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

السؤال الصعب: كيف تتعرف على العميل؟ (الجزء1)// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب 

السؤال الصعب: كيف تتعرف على العميل؟ (الجزء1)

صائب خليل

18 أيار 2023

 

من الطبيعي انه لا توجد طريقة أكيدة للتعرف على العميل، وإلا لأصيبت مهنة العملاء بالبطالة، فهي تعتمد على ان لا تعرفه. هناك أنواع من العمالات اسهل تعرفا وظروف مساعدة، لكن العملية عدا ذلك تعتمد على التقديرات، وغالبا ما لا تتوفر أدلة كافية لإدانة عميل أمام محكمة.

 

مثلا، العملاء الذين يكلفون بجمع المعلومات (الجواسيس) قد يمكن امساكهم متلبسين عند جهاز الإرسال. وتنشط المخابرات في البحث عن العملاء اثناء الحروب بشكل خاص، لأنهم مضطرين الى الخروج من جحورهم وممارسة عملهم في تلك اللحظة الزمنية، وهذا يسهل اصطيادهم. واذكر في إحدى الهجمات الاسرائيلية على غزة، (2008) تم القاء القبض على عدد من جواسيس اسرائيل من العرب وهم يرسلون المواقع والمعلومات.

كذلك كشف اختراق داعش للمدن العراقية أن الغالبية الساحقة من القيادات العسكرية العراقية العليا كانت من العملاء الذين امروا الجيش بترك مواقعه وترك حتى اسلحته للدواعش. وكشفت طريقة التعامل مع هؤلاء بعد ذلك، ان الحكومات مخترقة بالعملاء الى أبعد حد، فلم يتم معاقبة اي خائن من هؤلاء عقوبة حقيقية. وعندما يكون الاختراق شاملا، تصبح عملية اكتشاف ومحاسبة العملاء قضية صعبة للغاية. فعندها يكونون قد اخترقوا الجهاز المخصص للقبض عليهم ومحاسبتهم، تماما كما يخترق الإيدز جهاز المناعة.

 

إننا نعرف اليوم ان العراق مخترق حتى النخاع بالعملاء، بل يحكمه الجواسيس والعملاء. فمنذ انكشاف اختراق الجيش في موضوع داعش، لم يتغير الحال في البلد إلا نحو الأسوأ، ولم تأت حكومات إلا أكثر شبهة بالعمالة من سابقاتها. ولذلك فالعملاء آمنين تماما من الكشف، وحتى اكتشافهم لن يؤدي الى محاسبتهم ومحاكمتهم، وليس هدف هذا المقال أمني او يأمل بالتخلص من شبكات العملاء، بل هو اقرب الى "الثقافي" قد يساعد الفرد في تحديد المشبوهين للانتباه للمخططات التي يكلفون بها، ولاجتناب انتخابهم لا أكثر، فهم أسياد البلد وسادته ولهم السلطة المطلقة فيه، على كل الأطراف، الشيعية والسنية والكردية، حسب تقديري.

هذا المقال ليس بحثا علميا، بل حديث عن طريقتي الشخصية في اعتبار الشخص مشبوها (أو اكيدا) كعميل، وقد تنفع بعض نقاطها القارئ في تحديد اسلوبه الخاص لذلك الكشف.

 

بعيدا عن الجواسيس العسكريين، حيث ليس لدي اي شيء اقوله، اتحدث عن العملاء السياسيين. وهؤلاء اصعب اكتشافا لأن الظروف الخاصة التي تسهل الكشف، لا تنطبق على العملاء في الوظائف الهامة مثل الوزير أو الاعلاميين او ربما رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية والنواب والساسة عموما.

 

أنا في الحقيقة لا "احكم" على شخص بأنه "عميل" بل، "اعتبر" شخصا "عميلا" حتى يثبت العكس، في متابعته ومحاسبته على تصرفاته وعباراته. واعتبر الشخص عميلا حتى يثبت العكس اذا شعرت ان احتمال كونه عميل يزيد عن 90%. ولأني لست قاضيا وليس لي سلطة ان احكم على احد بالإعدام أو السجن، بل بالتشكيك وربما الاتهام الصحفي فقط في اسوأ الأحوال القليلة، فلي ان اخطئ وللمتهم ان يهاجم حججي، هو أو من يعتقد ببراءته، وهذا معتاد في الصحافة. فالكثير من قرائي اعتبرني يوما اني اعمل لصالح ايران لكثرة ما كشفت من زيف ادعاءات ضدها أو امتدحت معظم مواقفها بقوة (وليس كلها طبعا). ولم يغضبني ذلك إلا نادرا وكنت ارد الحجة بالحجة عادة.

 

إن عبارة "عميل" عبارة كريهة تنفر القراء ويسعى الكتاب لتجنبها، والبحث عن تفسير آخر لتصرف الشخص المعني. والكاتب "المحترم" مستعد ان يغوص في اعماق التاريخ والجينات وحتى "السوالف" التاريخية التي لا اساس لها، ليجد تفسيرا "انيقا" لتصرف شخص معين، ولتجنب هذه العبارة. ومثل هذا الكاتب سيحظى باحترام القراء وسوف يدعى الى المؤتمرات البحثية وسوف يؤلف كتب التحليل السياسي.. لكن هذا كله لا يجعله اكثر صدقا في كشف الواقع. فالقصة "الأجمل" التي تبدو وكأنها تفسر كل شيء بدون "نظرية مؤامرة"، والأكثر قدرة على الاقناع، غالبا ما تكون "مؤلفة" اكثر مما هي حقيقية. وليس هذا غريبا، فالقصص الأدبية أكثر قدرة على شرح الواقع، من الواقع نفسه، لأن الواقع يحتوى على استثناءات كثيرة تقلل وضوح الخطوط العامة لفهمه. اما "المؤلف" فهو حر باستئصال تلك التفاصيل، وكذلك يفعل "المحلل" الذي يطمح الى أن يكون ضيف المؤتمرات ومقالاته في الصحف وتكثر مقابلاته في التلفزيون.

والحقيقة ان وصول البلد الى ما وصل اليه من اختراق مخيف لم يكن ممكنا لولا النفور الموروث من الشكوك بالعمالة، ومن ربط ذلك بأوهام "نظرية المؤامرة"، وكأن السفارة بموظفيها من الآلاف المؤلفة، قد جاءوا للعراق للسياحة فقط، أو انهم مغفلين فشلوا في تجنيد عدد يتناسب مع عددهم وتجهيزاتهم ورواتبهم. هذا هو المستحيل والحمق، وليس "نظرية المؤامرة".

 

قد يكون في طريقة "التقدير" و "الاعتبار" ظلما، لكني اجد هذه الطريقة ضرورية في عالم يغص بالعملاء كالعراق. فعندما تقدر ان سياسيا هو عميل بنسبة 95% مثلا، وتتابعه وتسائله وتتهمه في مواقفه، فأن نسبة الخطأ هي 1 من 20. يعني أن تكون محقا ومفيدا في 19 حالة ومضللا في حالة واحدة. ولو اشترطنا على انفسنا أن لا نشكك بشخص حتى نتأكد 100% فإن هؤلاء ال 19 سيعيثون فسادا قبل ان يفتح احد فمه بالتحذير منهم، ولن يكشفهم أحد.

كذلك، فأن التحذير من "تصرف السياسي" المشبوه والذي هو اقرب الى تصرف العملاء، مفيد بحد ذاته حتى لو كان صاحبه بريئا ومجرد مخطئ. فالتصرف يبقى خطأً ويبقى خطيرا والتحذير منه واجب والانتباه الى مثله ضروري.

(نهاية الجزء 1)

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.