صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب

حكاية عقود التراخيص– 4 مناقشة العقود

صائب خليل

 

في أواخر 2011 كتبت مهاجماً عقود التراخيص بمقالة عنوانها "هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟"(1)، أشرت فيها الى "الخلل الكبير" في سياسة العراق النفطية. فالمسؤولون لا يملكون خطة اقتصادية استراتيجية مقنعة، بل يكتفون بالمفاخرة ببلادة مثيرة للدهشة، بخطط لرفع "الإنتاج" بلا حدود، وكأنه هدف مقدس. وتشرح عناوين الصحف توجه الحكومة وترويج بلادتها، مثل: "بغداد تتطلع إلى منافسة الرياض في إنتاج النفط الخام."

كانت عقود جولات التراخيص توقع بسرعة جنونية تنافس سرعة توقيع هوارمي لعقود كردستان، قد وضعت أيضاً أهدافاً جنونية لما يسمى "انتاج" النفط، بتأثير الفقرة 12 سيئة الصيت التي اشرنا اليها.

 

رغم كل هذه الانتقادات، فإني في السنوات التالية ركزت على الدفاع عن عقود التراخيص بوجه الحملة الإعلامية في، وليس نقاط ضعفها، لأن هجوماً إعلامياً شرساً، شن على تلك العقود، تضمن أكاذيب ومغالطات لم تكن دائماً بريئة، وكان الهجوم الإعلامي ضمن حملة تستهدف كما بدا واضحاً، استبدال تلك العقود، باعتبارها عقود خدمة، بعقود "مشاركة الإنتاج" الأسوأ.

 

نلاحظ أن التضليل الإعلامي بشأن عقود التراخيص كان مركزاً بشكل خاص على بضعة نقاط، أهمها المبالغة في حساب كلفة البرميل الواحد في تلك العقود (إضافة الى نقاط أخرى سأقوم بإيرادها باختصار في نهاية المقالة). ورغم ان الكثير من الذين نشروا الأرقام الخاطئة حول كلفة “الإنتاج” تلك، كانوا من الأبرياء الذين تم اقناعهم بها خطأً، فان اصل الخطأ ليس بريئاً في تقديري.

 

لماذا هذه الحسابات الخاطئة؟ ما هو الهدف من المبالغة بكلفة استخراج برميل النفط وفق العقود، ومن يمكن ان يستفيد منه؟

الهدف في تقديري هو خداع المواطن بضرورة تبديل عقود التراخيص بعقود جديدة تحقق "ارباحاً أكبر". وبما ان سعر البرميل في سوق النفط ثابت في الحالتين، فالربح يعتمد على كلفة "الإنتاج". لذلك يجب ان نقوم بحساباتنا لتبدو تلك الكلفة اكبر من حقيقتها، فتبدو الأرباح ضئيلة في عقود التراخيص، وهذه المراوغة تتيح لنا ان نوقع عقوداً سيئة ونحن بأمان.

فلو فرضنا ان كلفة "انتاج" البرميل من النفط وفق عقود التراخيص يبلغ بالحساب الصحيح 6 دولار. فإذا تم استبدالها بعقود جديدة تكون فيها كلفة البرميل 15 دولاراً مثلا، فستكون فضيحة كبيرة لمن يريد توقيع العقود الجديدة. أما إن تم اقناع الناس قبل ذلك بأن كلفة "الإنتاج" لعقود التراخيص هي 20 دولاراً للبرميل الواحد، فسيبدو الـ 15 دولار أفضل، لأنه يوفر 5 دولارات للبرميل الواحد!

لذلك يتم التركيز في المراوغات الحسابية على حساب كلفة "انتاج" البرميل الواحد، ولنفس السبب يتوجب علينا أن نوجه اهتمامنا أولاً للطريقة الصحيحة لحساب تلك الكلفة، ثم نوضح كيف تمت المراوغة في حسابها. ودعونا نبدأ من البداية لكي تشمل الفائدة غير المتخصصين في النفط، وحتى غير المتابعين لملفه، فنبدأ بشرح مبسط للمفاهيم الأساسية لحساب الأرباح كما تطبق على الصناعة النفطية وتجارتها، وتوضيح بعض مفاهيمها مثل كلفة الإنتاج وكلفة رأس المال والكلفة التشغيلية والاندثار، فبدون معرفة هذه المصطلحات ولو بالحد الأدنى، لا يمكن للمواطن غير المتخصص او المتابع فهم ملف النفط.

فيكاد النفط يمثل كل الاقتصاد العراقي وبالتالي مصير البلاد. ولكثرة الأموال في هذا الحقل، فأن الدافع للخداع كبير جداً. ومن المهم أن يفهم المواطن الاعتيادي الأمر بشكل صحيح، خاصة وأنه يتعلق بمستقبله، وفي ظرف انعدمت فيه الثقة بشكل شبه تام.

 

الحلقة القادمة: أسس حساب التكاليف والأرباح في النفط

 

(1) "هل تم تكليف العراق بتحطيم أوبك؟"

المقالة في صحيفة "الأخبار" اللبنانية،