كـتـاب ألموقع

هل تحمي مرجعية السيستاني نظام حكم المحاصصة الطائفية فعلا؟// علاء اللامي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

علاء اللامي

 

عرض صفحة الكاتب 

هل تحمي مرجعية السيستاني نظام حكم المحاصصة الطائفية فعلا؟

علاء اللامي*

 

أعتقد أن تصريح الوزير السابق عبد الحسين عبطان حول علاقة المرجعية النجفية بنظام الحكم القائم في العراق لا يمكن ان يحكم عليه بخفة لا تحتمل سوى التصديق والتأييد أو التكذيب والنفي. ولكن إذا أردنا ان نفهم مضمون التصريح بعيدا عن أجواء المناكفات التي يحفل بها الموسم الانتخابي بالغ السوء والبذاءة فينبغي أن نضع التصريح وموضوع التصريح أي علاقة المرجعية بنظام الحكم الذي أقيم بعد احتلال العراق وكواحدة من نتائج ذلك الاحتلال في سياقهما السياسي والاجتماعي والتاريخي الحقيقي. فمن هو صاحب التصريح؟ لم يكن السيد عبد الحسين عبطان بعيدا عن تجربة حكم المحاصصة الطائفية التوافقي منذ بداياته وكان من أحد بناته ومسؤوليه فقد تولى منصب نائب محافظ النجف من 2005 إلى 2009، أي بعد سنتين من الاحتلال الأميركي وفي سنة تشكيل حكم المحاصصة الطائفية، ثم أصبح نائبا في البرلمان العراقي عن النجف من 2010 إلى 2014، وبعدها أسند منصب وزير الشباب والرياضة من عام 2014 حتى تشرين الأول 2018. وحين انتهى دوره كوزير وخرج من الحكومة وأسس حزبا أطلق عليه اسم "تجمع اقتدار وطن". أضف إلى كل ما سبق فهو ينتمي لإحدى العوائل النجفية المتنفذة. هذه السيرة الذاتية لهذه الشخص تعطي لكلامه الكثير من الصدقية المضمونية رغم أن الكثيرين سينفونها مستندين إلى الوقائع على الأرض ومنها أن المرجعية النجفية تقاطع – بمعنى لا تلتقي بمسؤولي الحكم أو تسمح لهم بزيارة المرجع وليس بمعنى تقطع الصلة بهم تماما ومن منطلق معارض - ولكننا لا ننفيها تماما ولا نؤكدها تأكيدا جازما بل سنحاول وضعها في سياقها الحقيقي. لنق نظرة أولا على تصريح السيد عبطان:

 

 قال عبطان خلال استضافته في برنامج تلفزيوني "النقطة": إن "النظام السياسي مستند على النجف الأشرف بشكل كبير جدا"، واصفاً المرجعية العليا بـ "التچوة الچبيرة". "التكوة الكبيرة/ بكشكشة ربيعة" أي المتكأ الكبير". وأشار عبطان إلى أن "النظام السياسي في العراق سيسقط خلال ساعات إذا رفعت المرجعية الدينية العليا يدها منه".

 

وأكد أن "المرجعية العليا تطالب دائما بالحفاظ على المكتسبات والتداول السلمي للسلطة". وبين أن "الانتخابات ستجري في موعدها المحدد دون أي تأخير، كونها الجزء الأساسي من هوية النظام العراقي بعد العام الفين وثلاثة".

 

تعليقي: معروف تماما أن المرجعية السيستاني لم تعارض الحملة الأميركية لاحتلال العراق سنة 2003 وما سبقها، أو تدعو الشعب العراقي لمواجهته وطرده بل نقل عنها رجال النظام آنذاك إنها اعتبرت المحتلين الأميركيين وحلفاءهم ضيوفاً على العراق ولا ينبغي مواجهتهم بالسلاح - كما قال مستشار الأمن القومي العراقي آنذاك موفق الربيعي - ولم يصدر عن المرجعية ما ينفي هذا الموقف.

 

مواقف عديدة للمرجعية موثقة بالصورة والوثيقة والمصادر الإعلامية أكدت تدخل المرجعية بقوة في الشأن السياسي ولمصلحة تمكين وترسيخ حكم المحاصصة الطائفية من ذلك مثلا دعوتها العراقيين للتصويت بنعم على الدستور المكوناتي الرجعي الذي كتبته مجموعة من الحزبيين الجهلة وذوي الأجندات المشبوهة وأسماء هؤلاء معروفة. كما أن دور وموقف ممثل المرجع السيستاني أي السيد أحمد الصافي النجفي في لجنة كتابة الدستور كانا معروفين تماما وقد حمله بعض أعضاء اللجنة مسؤولية كبيرة عن كتابة الدستور وإخراج مواده بهذا الشكر.

 

 وكلنا نتذكر تصريحات ضياء الشكرجي بهذا الصدد وتصريحات أعضاء آخرين قالوا أن الطالباني وآخرين أضافوا مواد أخرى لمسودة الدستور. ومن تلك المواد "المادة 140 وما بعدها من مواد حتى المادة 144، وأنها في الحقيقة مواد أضيفت بشكل غير شرعي بعد إجراء الاستفتاء الشعبي على الدستور بمواده المائة وتسعة وثلاثين وكنت قد كتبت عن ذلك مقالة موثقة بفيديو لأحد النواب " النائب يوسف الكلابي" الذي كشف عن هذه الجريمة المسكوت عليها. بل وقد قامت لجنة التعديل البرلمانية التي شكلت ثم أهملت بمناقشتها ومنحتها صفة شرعية ليست لها. وكان الأجدر قانونيا أن تحذف هذه المواد فورا لأنها غير موجودة في نسخة الدستور التي استفتي عليها الشعب. وهذه الجريمة لو حدثت في دولة أخرى تحترم نفسها وشعبها لقلبت النظام وأسقطته وقدمت المجرمين الذين ارتكبوها الى القضاء العادل، ولكن في دولة تطلق رصاص القنص على المتظاهرين العزل وتمارس الخطف كأي عصابة إجرامية فلا يمكن أن ننتظر أكثر من هذه اللجنة لتعديل الدستور/ من مقالة لكاتب هذه السطور سنة 2020".

 

*إذن ما يقوله عبطان عن أن المرجعية النجفية لو رفعت يديها عن نظام المحاصصة الطائفية لسقط خلال ساعات لا يمكن رفضه بكليته فهو واقع حال ولكن هذا القول في أيمانا قد لا يخلو من المبالغة فحكم أحزاب الفساد لن يتردد عن اعتقال المراجع كلهم لو بلغ به المر درجة رفض النظام وتحريض العراقيين الشيعة خصوصا ضده، وقد ينحاز أهل النظام عندها الى حوزات ومراجع قم في إيران، ولكنهم من ناحية أخرى يستثمرون صمت المرجعية على نظامهم الفاسد ويرضون به وفق قاعدة: أنت ساكت وأنا ساكت وكل واحد يعمل ما بدا له!

 

أعتقد أن تحييد المرجعيات الدينية وإخراجها من الشأن السياسي العام دستوريا مطلب مهم ومفيد للمرجعية وللشعب معا، وبدونه لا يمكن أن تكون هناك حالة سياسية سليمة ومستقرة تحتكم لمؤسسات ديموقراطية وقضائية محايدة ومن الخطأ التعويل على دور ما للمرجعية سواء من قبل معارضي النظام أم أنصاره وقد شاهدنا ماذا أنتج تدخل المرجعية بالتعاون مع ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة السيدة بلاسخارت وفق خطة "الانتخابات المبكرة"، وكيف أدى ذلك التدخل إلى قتل انتفاضة تشرين المجيدة وتعويم حكم الطائفية السياسية وصعود مجموعة من الانتهازيين المتسلقين باسمها زوراً في حكومة الكاظمي، ثم عادت أحزاب الفساد "الإطار التنسيقي" التي قتلت المئات من المتظاهرين السلميين وأطلقت سراح بعض القتلة المجرمين الذين أدانتهم محاكم النظام بجريمة مجزرة جسر الزيتون في الناصرية ولم تقدم حتى اليوم قوائم بأسماء الشهداء والمفقودين والجرحى خلال الانتفاضة ولم يبدر عن المرجعية كلمة واحدة بهذا الصدد!

 

لقد أدى تدخل المرجعية صراحةً إلى انقاذ النظام الفاسد وإعادة انتاجه ولهذا تتحمل المرجعية مناصفة مع الأمم المتحدة مسؤولية إهدار دماء المتظاهرين السلميين ومسؤولية إعادة إنتاج المنظومة الحاكمة واستمرارها حتى اليوم.. بهذا المعنى -لا بغيره - يصح كلام عبطان عن أن رفع المرجعية يدها عن النظام سيؤدي إلى سقوطه خلال ساعات، وهي - بهذا المعنى - تتحمل مسؤولية كل ما حدث وما سوف يحدث من كوارث مستقبلا ليس أقلها موت الملايين عطشا بسبب عدم كفاءة وجبن الحكم في بغداد عن مواجهة الحكومتين التركية والإيرانية في ملف المياه ليس إلا!

 

فهل ستبادر المرجعية النجفية، قبل حدوث الطوفان المدمر القادم، إلى نفض يدها من نظام حكم المحاصصة الطائفية علنا وتترك الشعب يصفي حسابه مع سارقي قوته وقاتلي أبنائه ومضيعي سيادته واستقلاله أم ستواصل لعبة الصمت والترقب عن بعد والتدخل لتنفيس اختناقات المنظومة الحاكمة؟!

 

*كاتب عراقي