كـتـاب ألموقع

الطائفية السياسية وآليات مركزة السلطات وإقصاء المختلفين والمخالفين// علاء اللامي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

علاء اللامي

 

للذهاب الى صفحة الكاتب 

الطائفية السياسية وآليات مركزة السلطات وإقصاء المختلفين والمخالفين

علاء اللامي*

 

قلنا في مقالة سابقة أن الديموقراطية الليبرالية تتنافى مع ما يسمى الديموقراطية التوافقية الطائفية في العراق. إن بداية الخروج من التضليل الطائفي السياسي تكون بطرح السؤال الآتي: ما الفائدة من الانتخابات إذا كان الحاكم الحقيقي يؤتى به من خارجها كما حدث مع عبد المهدي والكاظمي والسوداني؟ وما الفائدة من الانتخابات إذا كان رؤساء الكتل النيابية هم الذين يقودون العملية التشريعية وتنحصر عملية اختيار الحاكم الفعلي بأيدي خمسة أو ستة أشخاص رئيسيين في قيادة الكتلة النيابية الأكثر عددا بعد الانتخابات؟

 

إنَّ الكلام عما يسمى "الديموقراطية التوافقية" حتى بمقاييس الديموقراطية الليبرالية البرجوازية ليس إلا هُراءً محضاً. فالديموقراطية تعني من حيث الجوهر، عدم التوافق بين طرفين مختلفين سياسيا من حيث الجوهر؛ طرف يحكم ولديه برنامجه السياسي الذي انتخبه الجمهور على أساسه، وطرف يعارضه ويمثل الأقلية النيابية التي لها أهدافها وبرنامجها المختلف إلى هذه الدرجة أو تلك. حتى في الأديب السياسي التقليدي المعروف منذ صعود البرجوازية الأوروبية في طورها التقدمي المناهض للإقطاع الرجعي، ولا عبرة كبيرة في اقتراب وتماهي برامج الأحزاب الكبرى وتكرس حالة "الحزبين الرأسماليين الأوحدين" في أوروبا وأميركا. وحتى هذا النمط من الحكم التوافقي، سواء كان يقوده العسكر أو أحزاب طائفية محمية بالهيمنة الأجنبية هو نظام انتخابي للحكم وليس نظام الديموقراطية البرجوازية عديمة العمق الاجتماعي في أنظمة الحكم القائمة اليوم في العالم. ربما نستثني دولة سويسرا من هذا الحكم لأنها تأخذ بما يسمى "الديموقراطية المباشرة –الحكم بالاستفتاءات الشعبية المستمرة" وهو النموذج المنفتح على الشعب أكثر من غيره والذي لا مثيل له حتى الآن. أما الكلام عن "ديموقراطية طائفية توافقية" وحكم المحاصصة الزبائني فهو كما قلت هراء بل هو في الجوهر نوع متخلف وبدائي من الدكتاتورية عبر آليتين مزدوجتين هما؛ مركزة السلطات باستمرار وإقصاء المختلفين والمخالفين. وإذا تتبعنا مراحل تجربة الحكم العراقية بعد الاحتلال الأميركي وبفضله سنجد تطبيقا عمليا لهتين الآليتين:

 

*فقد استولت الأحزاب الطائفية والعرقية على التمثيل السكاني للمكونات الرئيسة عبر تحالفها مع الاحتلال الأميركي أولا، فصار التحالف الكردستاني بأحزابه القومية الكردية ممثلا للمكون الكردي، والأحزاب والشخصيات العربية السنية ممثلة للمكون العربي السني، والأحزاب والشخصيات في الجنوب والوسط ممثلة للمكون الأكبر المسلمين الشيعة. وعمليا آلَ الحكم "أو غالبية عناصر السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية" بيد ممثلي أو زاعمي تمثيل الشيعية السياسية أو ما سمّاه صديق الاحتلال الأميركي الأول أحمد الجلبي مبكرا "البيت السياسي الشيعي".

 

*وثانيا، وضمن مساعي كل جهة سياسية تمثل مكون ما في الترويكة لصيانة او توسيع حصتها من الحكم والغنائم تشتغل آلية مقصودة أو غير مقصودة لتمركز هذه السلطات وهنا يحصل إقصاء لطرف من أطراف التمثيل الطائفي. وهذا ما حدث في الجهة السياسية التي تمثل المكون الشيعي حيث أقصي الطرف العلماني في "الشيعية السياسية" حين وأُفشِلت محاولة علاوي البائسة للتوفيق بين الآليات الطائفية السياسية وبرنامجه العابر للطائفية مع الإبقاء على تلك الآليات، ومنع من تشكيل حكومة بعد فوز تحالفه بأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب سنة 2010. وبهذا انحصر التمثيل الشيعي، وغالبية عناصر السلطة التنفيذية بيد الأحزاب الإسلامية الشيعية فقط وبدأ الطرف العلماني الشيعي بالذوبان والتلاشي وهذه نهاية متوقعة تماما عند من يفقهون شيئاً في علم الاجتماع السياسي.

 

وثالثا حصل إقصاء آخر للطرف الإسلامي الشيعي الأكبر نيابيا داخل المكون الشيعي هو التيار الصدري بعد فوزه بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات 2021. وأفشلت محاولته تشكيل حكومة اغلبية نيابية، لينحصر التمثيل الشيعي، وغالبية عناصر السلطة التنفيذية بيد تحالف يقوده حزب الدعوة جناح المالكي وحلفائه الخُلص.

 

إن حالة تركز السلطات بيد أولغارشية تمثل الإقطاع السياسي الشيعي ولا تمثل حتى ديموغرافيا المكون الشيعي جرت بالتدريج وبدفع وتشجيع من الأطراف الدولية الحماية للعبة السياسية في العراق، ووصلت إلى أعلى درجاتها في هذه الأيام، ولا يفصلها عن الذروة أي عن تركز السلطات بيد دكتاتور واحد إلا درجة واحدة، قد لا تكون - الدكتاتورية الفردية - ضرورية طالما استمر التوافق بين أطراف التحالف الذي يقوده المالكي واستمرت معها الحماية الأميركية والإقليمية.

 

الدليل الأخير على أن الحكم التوافقي المكوناتي نقيض الديموقراطية الليبرالية بل وحتى نقيض الانتخابية (على افتراض أكيد بوجود فرق كبير بين الديموقراطية ذات العمق الاجتماعي والعملية الانتخابية القشرية) هو أن غالبية رؤساء مجلس الوزراء العراقيين بعد الاحتلال الأميركي لم يفوزوا في الانتخابات بأي قدر معقول من المقاعد بل وجيء ببعضهم من خارج العملية السياسية وأحزابها المعروفة ومن هؤلاء:

 

1-عادل عبد المهدي: جيء به من خارج البرلمان وكان قد انسحب من حزب المجلس الإسلامي وأسقطته انتفاضة تشرين المغدورة سنة 2019.

 

2-مصطفى الكاظمي: جيء به من خارج العملية السياسية وليس له حزب سياسي ومن خارج البرلمان وجيء به لإخماد انتفاضة تشرين 2019 وإعادة إنتاج المنظومة الطائفية السياسية الحاكمة بحيلة الانتخابات المبكرة.

 

3-محمد شياع السوداني: كان يقود حزبا صغيرا اسمه تيار الفراتين حصل في انتخابات عام 2021 على ثلاثة مقاعد فقط وجيء به لملء الفراغ الحاصل نتيجة انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية بعد أن أفشلوا مشروعه لحكومة الأغلبية.

 

*وحتى حيدر العبادي الذي وصل إلى رئاسة مجلس الوزراء عن حزب الدعوة، استقال من هذا الحزب وأسس حزبا جديدا اسمه ائتلاف النصر لاحقا، ولم يحرز نتائج جيدة رغم أنه قاد بجدارة حرب القضاء على التمرد التكفيري الداعشي ووجه ضربات محسوبة للفساد فأثار هلع ومخاوف قيادات الإقطاع السياسي الشيعي فلم ترشحه لولاية ثانية.

 

وهكذا نرى أن الانتخابات وصناديقها وقوائمها في واد وتشكيل الحكومات والرئاسات في واد آخر وهي لن تؤثر فيها سلبا أو إيجابا والمشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها سيان.

 

إنها إذن منظومة حكم بقيادة أوليغارشية (Oligarchy = طغمة مؤلَفة من قلة من أفراد أو عوائل حاكمة بيدها الثروة والسلاح والقرار) يسود حكمها الفساد ويحميها الأجنبي. طغمة غاشمة من لصوص لا مستقبل لها إلا بالمزيد من العسكرة والقمع وتركيز السلطات والثروات وهذه الطغمة محاطة بسياج من جمهورها الزبائني الذي يتراوح وزنه السكاني بين عشرة وعشرين بالمئة من السكان، ولكنه سيظل ينتخبها حتى لو دخلت في جهنم ليضمن استمرار رواتبه ومخصصاته المشروعة وغير المشروعة، في جنوب ووسط العراق أو في شماله وغربه.

 

هذه الحالة بالتأكيد لن تدوم طويلا وهي مستمرة بفعل الحماية الأميركية والإيرانية للطغمة الأوليغارشية وستنتهي بانفجار اجتماعي سياسي هائل لا يمكن لنا ان نتصور الآن حجمه ومدياته. والخلاصة هي أن الإقطاع السياسي الشيعي والكردي والسني يحفر قبره بيديه وأيدي حلفائه.

 

*كاتب عراقي