اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

تحدى القدر// سامح ادور سعدالله

تقييم المستخدم:  / 4
سيئجيد 

سامح ادور سعدالله

 

عرض صفحة الكاتب 

تحدى القدر

سامح ادور سعدالله

كاتب وقاص مصرى

 

في هذه المرة كنت أنوى إكمال هدفي إلى النهاية. لا لن أتردد أبدا ولن أتراخى, الكثير من أفكاري التى بدأتها, ولكن لم أكملها. نعم مرات عديدة تأتينى أفكار جميلة وتكون الدفعة قوية, وأشق طريقي بقوة، ولكن لا يستمر العمل طويلا، فأجد نفسى كسولا، يضربنى الملل ولا أكمل مسيرتى ولا يتم هدفي .

كنت أعرف السبب, فأنا من برج الميزان الهوائى متقلب المزاج، فمواليد هذا البرج هم من يبدأون العمل بقوة ولا ينجزونه إلى آخره.

وأعلم أيضا ان أغلب العظماء هم من مواليد ذلك البرج أصحاب المزاج المتقلب يتذيلون المناصب والمواقع بسبب هذا.

قررت اليوم أن أبدأ هذه الفكرة, وسوف أنجح هذه المرة وسوف أكمل إلى النهاية،  فلابد أن تنجح فكرتي وبدون شك أنا واثق.

عندى الموهبة ومعي كل الأدوات اللازمة والخامات متوفرة بالسوق. بأنواع متعددة جيدة ومتوسطة ورديئة.

فكرتي بسيطة لا تحتاج إلى رأس مال كبير، ولكن تحتاج إلى العقل والفن والاتقان، وأنا أمتلكها كلها. جاءتنى الفكرة عندما كنت في رحلة لإحدى معابد الفراعنة العظام شاهدت هناك التماثيل والبرابي الجميلة، وبمجسمات مصغرة أيضا كهدايا وتحف في البازارات، فمنها المصنوع بأحجار الجرانيت والبازلت والألبستر. راودتنى الفكرة لصنع مثل هذه التماثيل بمجسمات صغيرة ومتوسطة، كتلك المنتشرة في البازارات. ولكن أنا لا أجيد فن النحت، ولكن فكرتي تعتمد على طريقة  أخرى أسهل وأكثر اتقانا. عبارة عن مادة مصنوعة من طمي النيل اللزج والمعجون المستخدم في الطلاء والغراء، وبعض الألوان وكذلك الأدوات البسيطة وأخيراً القوالب الفارغة لأشكال مختلفة للتماثيل.

خرجت إلى السوق، أحضرت الخامات المطلوبة التى عملت لها دراسة جدوى مستفيضة. وبقي أخر شىء وهو الطمي، ولا يوجد إلا على جانبي شاطئ النهر. ولكن للأسف بلدتى بعيدة عن النهر، والشمس قد بدأت الرحيل رويدا رويدا،  ولا أستطيع الذهاب الآن، فلعل غداً يكون أفضل، لكن حميَّتى وحماسى كانا أقوى، واندفاعى للفكرة كان قويا جدا، وكلى اشتياق لاستمرار عملى حتى لا يصيبنى الكسل والفتور، فيذهب حماسى وتعبي سُدى. أخذت الوعد على نفسى ألا يثنيني شيء عن هذه الفكرة.

قررت الذهاب الآن، واقترضت دراجة من صديقى، كانت الشمس تسابقنى، وتواصل الرحيل، وبات لونها أحمر قرمزيا .

 سريعا انحدرت بالدراجة ناحية الطريق الزراعى، خرج كلب كالأسد، أخذ يطاردني، فأسرعت بالدراجة، وهو يعدو خلفي, حتى أنهيت الطريق، ووصلت إلى حواري وأزقّة القرية، دخلت شوارعها الصغيرة، وجدت البيوت القصيرة المائلة نحو بعضها البعض. واخترقت الحقول، آخر حصون النهر كانت الشمس هنا أكثر جمالا، تنشر ضوء باهت على سطح النهر حتى سفح الجبل  منطلقا حتى صفحة السماء الصافية كانت أجمل ما رأيت طوال حياتي. تركت دراجتى، اقتربت بحرص من مجرى النهر، فأنا لا أجيد العوم. تأسفت كثيرا، وجدت الشط  صخريا، واصلت المسير نحو الشمال بمحازاة الشط، حتى وجدت الطمي الازرق اللين الذى أقصده، جمعت بيدى قدرا معقولا، وأدركت حينها أني لم آخذ شيئا معي لأجمع فيه الطمي.  التفت يمينا ويسارا لعلى أجد شيئا، فلم أجد . رمقني أحد الصيادين الهواة على طول الشط،  بابتسامة عريضة على وجهه العريض يسألنى .. أريد شيئا ؟

أخبرته على الفور أريد بعض الطمي، وليس معي وعاء أو ما شابه. هز رأسه مبتسما وو ضع صنارته جانبا، وأعطانى صفيحة, أخذتها وشكرته، ونزحت قدرا وافرا من الطمي, وسكبت بعض الماء المنجرف مع الطمي وثبّتُّها على حامل الدراجة بعناية، وربطتها جيدا، وانطلقت عائدا. لكن اوقفنى منظر الجبل العالي والشمس الراحلة من على سطح النهر، وهذه الجزر المتناثرة وسط النهر والطيور الصيادة التى تهوي كالصاروخ في قلب النهر، وطيور مهاجرة تحلق في قلب السماء أسرابا كأقواس النصر. أو حلقات دائرية كأنها عناقيد منثورة في صفحة السماء، لعلها أجمل من فكرتي الوليدة. كانت دراجتى تقطر وحلا .من تلك الصفيحة، والناس ترمقنى بدهشة! ما بين ساخر أو متعاطف أو غير مبالٍ. وصلت بلدتي، دخلت بيتي . أكملت مهمتى بنجاح.

أنزلت الصفيحة في ورشتي الصغيرة الملحقه بالبيت. أعدت الدراجة.

 كان الليل قد نشر جناح الظلام على كل الدنيا.

أخذت دُشّا ساخنا، ثم تناولت عشائي، ولازال الحماس لفكرتي يدفعني لأنجز مهمتى الآن. ولكن كنت قد تعبت جدا فأرجأت عملى للغد مضطرا.

ذهبت لغرفة نومي  لعلي أخلد سريعا للنوم.

 التفكير والحماسة كأنهما أشباح تطاردني. جاء شبح آخر، هو ثمرة هذين الشبحين، هو الأرق، وهو الذى يطاردني معظم الليالي،  فظل يلازمني طوال الليل حتى مطلع الفجر.  أخيرا ظفرت بساعات قليلة من النوم.

استيقظت متاخرا, وأخذت حماما سريعا تناولت افطارى، وأعددت كوبا من الشاى، ومن ارتباكي وضعت ملحا بدل السكر. تركت كوبى. متعجلا إلى الورشة،  أحضرت الخامات المعدة من الأمس، الطمي ،المعجون، والغراء، والالوان. عجنت كل الخامات مع بعضها البعض داخل طست كبير. وبدأت أدملكها بقوة حتى صارت عجينة شبه صلبة. قسمت العجينة إلى أقسام، كل قسم بلونه المختلف  أحضرت القوالب المفرغة لتلك الأشكال المختلفة للتماثيل، وضعت بها العجينة، وأغلقت عليها بإحكام. لم يستمر الوقت أكثر من ساعتين حتى انتهى عملى. انجزت المرحلة الأولى بنجاح. عدت إلى مسكنى المجاور للورشة، أشعلت سيجارة، وأطلقتُ لفكري العنان. هل تكلل مجهوداتى بالنجاح؟. ام تفشل محاولاتى؟ .  وأعود للمربع صفر. ولكني أنا الآن سعيد لأنها المرة الاولى التى أكمل عملى إلى نهايته، لا يبقي إلا قليل، حتى أفوز بثمرة جهدي. ساعات قليلة وتظهر نتائج تعبي، والقلق شبح مخيف. كل بضعة دقائق أذهب و أتابع.

هل جفت التماثيل؟

وعزمت أن أنتظر حتى صباح اليوم التالي.

انقضت ساعات الليل الطويل، استيقظت مبكرا ذهبت إلى الورشة بدون افطار  لأاشاهد عمل يدى،  وكانت المفاجأة ....

عندما فرغت القوالب وجدت تماثيل صلبة قوية، في منتهى الروعة، تكاد أن تنطق، وكادت تفوق الأثر الحقيقى جمالا. طار عقلي فرحا لم أصدق. صارت التماثيل مثل التماثيل المنحوته من الأحجار الجرانيتية القديمة، الأسود والوردي. كيف حدث هذا؟

بقيت اللمسات الفنية الأخيرة, التى تظهر المعالم أفضل. أحضرت قطعة السنفرة، وبدأت أجلى بعض النتوءات والحواف برفق من على جسم التمثال, بدون خدش او لمس أى جزء من مجسمات الصنم، ومسحته بطبقة من الشمع حتى صار التمثال ذو ملمس ناعم مصقول،  فاقت تعبيراته لوحة الموناليزا، كما  فاقت الأثر الحقيقى في الإتقان والدقة،  وعرضتها على الأهل والأصدقاء. أعجبتْ الجميع . حتى الذى لا يهوى الفن منهم. وقد ظن البعض أنها حقيقية.

خطرت فكرة تلو الأخرى. فكرة بالذات كانت تراودنى منذ ولادة الفكرة نفسها, ماذا لو عرضت أعمالي على التجار وأصحاب البازارات، ربما تكون بذرة مشروع ضخم.

ذهبت إليهم بالفعل، وعرضتها عليهم، أعجبتهم كلهم, واشتروا كل أصنامي، حتى سألنى أحدهم:  أي نوع من الحجر هذا الذى صنعت به تماثيلك؟  ضحكت معتذرا إنه سر المهنة .

عدت إلى بيتي،  وأنا في قمة نشوتي وابتهاجي.  كان هذا اليوم وتلك الفكرة نقطة تحول في حياتي كلها. تطورت الفكرة مع الأيام فصنعت فواخير وقوارير وأباجورات. منها ما يضيء بالكهرباء، ومنها بالشموع. جلست شارد الذهن والأفكار في سجال.

كيف نجحت في التحدي؟

كيف انتصرت على علم الأفلاك والأبراج؟

ويدخل فكر آخر في مستقبل أفضل، أن أطور مشروعي أكثر وأكثر.

غالبنى النوم... نمت مكاني في ورشتى بين أصنامى. ذهبت في نوم عميق، استيقظت صباحا على صوت الهاتف, انقبض قلبي، وأخذ يضرب بقوة،  توقعت الكارثة!

كنت أفضل عدم الرد، ولكن تكرار الرنات اجبرني على الرد, تغيرت ملامح وجهي، من حزين فاتر إلى مبتسم آسف. فزعت من مكانى ألقيت كل التماثيل على الأرض أمسكت مطرقتي، حطمت كل التماثيل  شوهت كل معالمها, ألقيت كل أدواتى من نافذة ورشتي، ونكست رأسي، حركتها يمينا و يسارا  قائلا ... ابدا لن أمل.

 

2

الخوف صديقى

قبل بزوغ الفجر بقليل, استيقظت من النوم، ذهبــت إلى دورة المياة، عدت إلى فراشي حاولت أن أغمض أجفاني لعلى أستعيد نومي، أبداً رفضت عيوني قبول النوم كما رفض النوم اجتياح عيوني. شرد عقلي في فكر كثير .ذهبت إلى شرفة منزلى, نظرت إلى البحيرة الراكدة أمام المنزل, بسطت عيوني على البحيرة وحولها الأشجار والغاب المنتشر على طول شاطئ البحيرة الطويلة، لم أجد شيئا، كان سكون الليل رهيباَ، عدت إلى فراشي مجددا  محاولاًَ استكمال نومي، عبثا حاولت كثيرا لكني فشلت, أصابنى الأرق ذهبت إلى الصالة، أخرجت سيجارة وشرعت أشعلها، جذبتنى شعلة الثقاب كأنها جنية خرجت ترقص من المصباح السحري،  واستمرت مشتعلة حتى أحرق الثقاب طرفا أصبعي، أشعلت عود ثقاب آخر، وأشعلت سيجارتي، أخذت نفسا قويا ودفعته برقة إلى الفراغ، وتابعت حلقات الدخان تحت نور المصباح الخافت، لحظات حتى أخذت أشكالا متنوعة جنيات وأشباح ملأت كل الفراغ وظهرت أخيرا الحية ذات الرءوس الكثيرة تحاول أن تهاجمني، لحظات حتى توارت خلف جدران البيت العتيق. صوت قويّ مدوٍّ سمعته قادما من ناحية الشرفه المطلة على تلك البحيرة, ذهبت سريعا صوب الصوت  باسطا نظري  يمينا ويسارا، وبين الاشجار، لعلي أجد شيئا يدلني على هوية هذا الصوت. راودتنى ذكريات الماضى من الأساطير عن تلك البحيرة من قصص المارد الذى يخطف البشر، وينزل بهم قاع البحيرة. وكم تمنيت وطالبت أن تردم هذه البحيرة المسحورة، شكلهاالبشع أشبه ما يكون بمارد طريح على الأرض، ينفث سُمّه كل ليلة. انتابني خوف شديد، لم يكن هناك لا صوت ولا عابر، ولا حتى شيء يدب على طول الجسر المتاخم للبحيرة،  نظرت نحو السماءالمظلمة,  لم أجد سوى سواد الليل الحالك، والنجوم الزاهرة كانت نقاطا بيضاء، كثقوب في ثوب أسود داخل قبة السماء. استدرت بكل جسمي، محاولا استكشاف ذلك الصوت القديم. شعرت بالبرودة الشديدة، لم أجد غطاء لي ولا بيت يحويني ولا حتى رداء يكسونى. وجدت نفسى أسبح عاريا داخل هذه البحيرة العتيقة، وخلفي المارد مشوه المعالم الذى انتظرته كثيرا.

 

3

حتى مطلع الفجر

يخرج كل يوم فجرا حاملا فأسه طالبا وجه كريم كى يرزقه الرب قوت يومه. ناظرا للعلا، مشاهدا السماء والنور ساطع بقوة، حاملا في قلبة فجرا جديدا، وعلى وجه ابتسامة عريضة، مرددا أغنية  قديمة. أكمل المسير حيث يجلس كل يوم. لم يجد أحدا من زملائه العمال.... اندهش! لم تطل دهشته كثيرا، جلس القرفصاء. دفن رأسه بين قدميه , يسأل نفسه:

أين باقى الرفاق؟

أين عم مسعود بائع البليلة؟

هذا الرجل الذى يأتي كلَ يوم . يفطر هو وباقي شلته.  أين الفلاحون السارحون بمواشيهم للحقول ؟

وأين المصلون كالعادة كل يوم؟

كل هذا التفكير ولم يشك لحظة في نفسه، أنه هو الذى خرج مبكرا قبل الفجر بساعتين أو أكثر. اكتفي بالنظر إلى السماء من طاقة البيت، وجد نور القمر قويا. ظن انه تأخر هذة الليلة خرج مسرعا. تقسو البرودة أكثر ينكمش أكثر يعود ويتلفت من حين لآخر منتظرا قدوم أي شخص، أبدا لم يظهر أحد, سوى كلاب الليل تجرى في قطعان، أو قط يطارد آخر، ولكن كل هذا لم يخفه سوى صوت عواء الذئاب القادم من أعلى الجبل فسكون الليل يسمح بعبور الصوت لأبعد مكان. والذى يجعله مطمئنا بعض الشىء هذه البركة التى تبعد خلفه قليلا، وتلك المساحة الصفراء أسفل الجبل بعد البركة المتاخمة للقرية. فهو لازال بعيدا عن مناطق الخطر بعيدا عن ذئاب الجبل, والزواحف السامة المتخفية بلونها البني الداكن بين شقوق الجبال المرتفعة. مرق طفل أمام العامل، وكزه في إحدى رجليه، رمقه العامل، لحظة واختفي الولد. ارتجف الرجل من سرعة الموقف، فكر في العودة إلى المنزل، لئلا يصيبه مكروه. فلربما تكون هذه المنطقة بما فيها البركة يسكنها الجن والعفاريت، رغم كل هذه الأوهام هو نفسة لم يشاهد أبدا مثل هذا من قبل.

فضل ان يقضي وقتة بالمشي ذهابا وإيابا حتى يأتيه باقي الشلة.

شرع يغنى أغنية قديمة  متوارثة من أجيال بعيدة بهمهمات غير مفهومة.

سمع صوت حجر اصطدم بقوة في تلك البركة، وسمع صوت حركة بين العشب الجاف، شيئا فشيئا تخرج حية من بين الأعشاب والغاب المنتشر على طول البركة، ترفع رأسها وكأنها منسجمة مع صوت غناء العامل. كانت ترقص وتدور، وتقترب منه.... لم يخف منها.

انتشر ظلام دامس بالمكان واختفي القمر... ارتعب.... هرول يمينا ويسارا ....اصطدم بالأشجار والنخيل خائفا من تلك الحية, لم يشاهد شيئاً, لكنه سمع صوت حفيف الأفعى  بين العشب. يلمح زحفها بالكاد متحسسا طريقه إلى حيث كان يجلس، صمت يسود المكان. انفجر نور قوي في نفس اللحظة التى لفظت فيها الأفعى بلورة تشع نورا قويا. تأكد أن هذه البلورة ما هي إلا جوهرة عظيمة الثمن، ولكن كيف يجرؤ على أخذها؟ فمتى حاول قنصها، سوف تفتك به الحية. تابع الحية، التى ترعى قريبا منها، زاحفة بين العشب الندي، تصدر فحيحا، وهو يتابع صامتا. دقائق كثيرة مرت, حتى عادت الأفعى إلى البلورة حيث لفظتها وعادت تبتلعها مرة أخرى، فعاد نور القمر في تلك البرهة التى غابت فيها البلورة  داخل فم الأفعى. تابع الحية حتى انزوت بين الغاب العالي واختفت عند البركة. بعد قليل سمع صوت الأذان، حضر عم مسعود قادما من بعيد يدفع عربته الخشبية إلى حيث يفرش كل يوم. سمع صوت أقدام البشر، منهم المصلون المتوجهون إلى الجامع، ومنهم العمال من رفقائه، والفلاحون بماشيتهم لترعى على ضفاف البركة، حيث الكلأ طوال يوم الشتاء القصير، تحت دفء الشمس. أقبل العامل إلى عم مسعود ليتناول إفطاره كالعادة كل يوم. وبينما يأكل العامل، سأل عم مسعود عما جرى معه. ضحك عم مسعود وقال له: وانت شفت كل ده؟

العامل: نعم.

عم مسعود: انت عملت إيه؟

العامل: وقفت متخشب مكانى أبص بس.

أخبره عم مسعود أنها كانت فرصة ذهبية قد فقدها، وكنز كبير كان أمامه. وقال له إن الولد الذى وكزه هو رصد اللقية، والحية هى حارسة الكنز، وتستغلها أيام الظلام. قاطعه العامل مندهشا ففي تلك الليلة كان القمر ساطعا. ضحك عم مسعود: ما هو ده السر وانت مفهمتش الليلة . وشرح له كيفية الحصول على الكنز. كان يجب عليه أن يضع شيئا على الجوهرة ...  قفة، أو أي شيء من هذا القبيل فتخاف الحية و تهرب و يفوز هو بالكنز .

أكمل العامل يومه مكتئبا فكر في اليوم التالي أن يخرج في نفس الوقت كالبارحة، ولكنه لم يجد شيئا, وبعد شهر أعاد نفس المحاولة، بنفس السيناريو، وارتدى نفس الزي،  ونفس الوقت، و ذهب إلى نفس المكان، وانتظر خروج الحية، لكنه شاهد الكلاب تجري في قطعان، وقطا يطارد قطا، وسمع صوت ذئاب الجبل. حتى  سمع صوت الأذان. وجد عم مسعود قادماً  يتلوه المصلون، ثم الفلاحون خلف مواشيهم.  لم تخرج الحية.  أكمل يومه حزيناً مكتئباً. انتظر عاما كاملا، وحسب الميعاد بالضبط باليوم والساعة، والمكان المعتاد، ارتدى نفس الزي، وحمل نفس الفأس بنفس الطريقة، وشرع يغني اغنيتة القديمة، وجاء كل البشر، ولم تخرج الحية ولم يأت عم مسعود.

 

4

مختل عقليا

تعودت الأسرة أن تتجمع كل يوم حول التلفاز مساءً  تتابع المسلسل اليومي.  و قد أحضرت كل أنواع التسالى،  وغيرها من الفاكهة, بينما نتابع الحلقة كان لكل واحد منا التوقع الخاص به للحدث القادم، وماذا سوف يفعل البطل, أو ما هو رد فعل الممثل المساعد، والذى دائما ما يأخذ أدوار الشر والخيانة. كعادة المسلسلات العربية. وأحيانا ما يكون التوقع مصحوبا بالمراهنات،  وقد يصل أحيانا لثلاث أو أربع حلقات قادمة. كنا خلالها نقص النكت والمواقف المضحكة, كى نثرى الجلسة، لنقضي أيضا على ملل الاعلانات الكثيرة التي تخلل المسلسل, وسريعا ما نندمج مع المسلسل من جديد. وكان يفصلنا عن الحدث كثرة رن جرس الهاتف أو الباب. والمضحك أكثر تكرار الجرس أثناء مشاهدة المسلسل، على عكس باقي اليوم الذى لا يرن فيه الجرس إطلاقا. ورغم تكرار الحدث والفكرة والمضمون والقصة بأكملها، ونحن نعرف نهاية المسلسل قبل بدايته، أو بعد نصف الحلقات، إلا أننا نتابع ونشاهد الحلقا ت بشغف شديد، وفي هذه المرة يبدو أن الصدام سوف يحدث مبكرا ومباشرا بين البطل رمز الخير، والآخر رمز الشر، إلا أننا لم نتوقع هذا الصدام المباشر المبكر، وسرعان ما عادت الأحداث إلى وضعها الطبيعى وتأجل الصدام إلى أجل غير مسمى، وظهر أسفل الشاشة الشريط الأحمر المعتاد فوق الشريط المتحرك،  و قد كُتب فيه: "عاجل . هاجم شخص المارة بإحدى ضواحي القاهرة، وأصاب عدة أشخاص بسلاح أبيض وفر هاربا". شدنا الخبر وغيرنا إلى إحدى القنوات الإخبارية لنتابع الخبر أكثر، ولكن نفس الشريط مع تغيير بسيط في بعض الألفاظ. طالب البعض بالمسلسل، فيقاطعه آخر: انتظر حتى نعرف ما الأمر؟ ولكنه قال: "ما انتو عارفين زي كل مرة واحد يقتل ويجرح، والآخر يقولك مختل عقليا، كفاية هات المسلسل". وتحت الإصرار عدنا للمسلسل، ولحسن الحظ جاءت فترة الإعلانات الطويلة. فعدنا مرة أخرى نتابع الخبر  وجاءت المذيعة تقول: "قام شخص مجهول  بالهجوم على بعض الأشخاص أثناء خروجهم من أحد المبانى، وقتل شخصا وجرح آخرين، وجارى البحث عنه والقبض عليه من قبل رجال الشرطة". انتهى الخبر، فعدنا مرة أخرى إلى المسلسل،  واستكملنا  متابعة الحلقة إلى ان انتهت. فعدنا لنتابع الخبر، وبالفعل وجدنا نفس المذيعة تعلن عن نجاح قوات الشرطة في القبض على المتهم والذى تبين أنه مختل عقليا. فضحكنا كلنا على طريقتها بين ابتسامة وحزن على ما جرى. الغريب أن الذى توقع مضمون الخبر و نقله لنا مفصل قبل إذاعة الخبر هو نفس الشخص دائم الخسارة في رهانات المسلسلات، وقلنا: "كل مرة مختل عقليا". مرت الأيام ونحن نتابع مسلسلا جديدا بأحداث قديمة، وجلسنا مرغمين نتابع الأحداث المملة، حتى جاء الشريط الأحمر الثابت، عاجل: "المختل عقليا فر هاربا على متن سفينة عبر البحر الأحمر متجها صوب الشرق".

 

5

عند رحيل الملك

في الصباح الباكر، انزعاج شديد واضطراب عظيم اجتاح البلاد بأسرها, من هول الكارثة، وجاءت الشرطة ومعها جهات أخرى، وتجمهرت العامة. ساد جو من الصمت الرهيب. أعقبه ترقب، وهمهمات، ثم ارتباك وضوضاء، وعربات تجيء وأخرى تذهب. من يصدق ومن يتخيل؟!  فقد اختفي الملك.....!

كيف اختفى، وما سر اختفائه؟ ..... لا أحد يعلم ؟

من يستطيع أن يسرق تمثال الملك الضخم من وسط العاصمة؟ سواء أكان ليلا أم نهارا؟ ربما يكون في الأمر أمر.

يدور رجال الشرطة هنا وهناك كخلية نحل، والخبراء والمتخصصون والمستشارون، يتشاورون فيما بينهم, بينما كان خبير الآثار يتمتم بكلمات غير مفهومة،  وشرطي يضحك ضحكات هيستيرية .... كيف... والناس في المنطقة كالنمل ليل نهار؟

وضعت استراتيجيات عديدة للتوصل إلى سر اختفاء الملك. قد يكون سرق بالتخطيط من الخارج، فالكثير من آثارنا  خارج مصر موزعة بين أرجاء العالم. ولكن كيف يسرق؟ فلابد لمن سرق الملك أن يكسر قاعدتة الضخمة، علاوة على ثقله، وأي السفن تلك  التى تحمله؟ وكيف للطائرات أن ترفعه؟ فلا يمكن أن يعبر المجال الجوي المصري.

وعلى سبيل الحرص أعطيت الإشارات لجميع الجهات المعنية بالحدث. ولكن الفنيين ينفون احتمال سرقته مالم يكسر أسفله، فملابسات الواقعة تدل على أنه تحرك من مكانه دون عناء.

تواصل فرق البحث عملها، وتقوم بتمشيط جميع الأماكن. طُرحت بعض الحلول لهذه المشكلة، ومنها: أن لعنة الفراعنة ربما تكون قد حلت عليها. ورفضت النيابة التصديق على شيء غير علمى. وكانت كل المحاولات دون جدوي. ودق جرس الهاتف لسعادة وكيل النيابة وأخذ يتحدث مع المتصل لوقت، ثم أشعل سيجارة وكانت الآنفاس تخرج قوية عميقه بعد انحباس. وأسرعت النيابه في جمع الشهود لسؤالهم.

النيابه .. أين كنت بالأمس و هل رأيت الملك؟

الشاهد-1: كنت مارّا بالقرب من المحطة ووجدت الملك حزينا ومكتئبا.

النيابه .. و بعدين؟

الشاهد-1: أكملت سيرى.

حضر الشاهد الثانى و كررت النيابه نفس الأسئلة.

الشاهد-2.. نعم رأيته بالأمس بجوار المحطة، عند دورة المياه، ويبدو أنه كان يقضى حاجته.

حضر الشاهد الثالث . وجِّهت إليه نفس الأسئلة.

قال الشاهد الثالث: نعم رأيته يسير في منتصف الليل، وأنا راكب سيارتي وهو يترنح يمينا يسارا، ويصطحب معه فتاة جميلة.

 والشاهد الرابع يجيب: أجل شاهدته يخاطب فوجا سياحيا، و كأنه يعرض خدماته. وبينما تواصل النيابه التحقيق مع الشهود. جاء شخصا يحمل لفائف بردية، فانبسطت أسارير الوكيل، أخذ اللفائف واستدعى خبير الآثار المصرية.

سأله وكيل النيابة عن رأيه في هذه اللفائف؟ وهل فهم منها شيئا؟

تلعثم الخبير ولم يجب، وبدأت عليه علامات الريبة والقلق.

الوكيل: تكلم.

الخبير: عذرا سيدى، فالملك يود أن يظل المكتوب سرا.

الوكيل .. " كيف وأخرج صيحة ممزوجة بغضب! كيف يكون سرا ؟! ولماذا تركه لنا؟ تكلم وإلا حجزتك"  ...... 

رفض الخبير الكلام.

جاء خبير آخر، ونجح في تفسير الطلاسم الموجوده في الرسالة، وقال: نعم هى لغة الملوك.

 وسأله الوكيل عن مضمون الرسالة. وعاد الصمت، ورهبة وقلق واضحان على وجه الخبير، واعتذر قائلا: هذه أوامر سيدي الملك. كاد الوكيل أن ينهار، وأمر باحتجازه هو الآخر. واستدعى ثالثا وقرأ الرسالة، هى باللغة الهيروغليفية، لغة عامة الشعب. وهذا الخط كتب منذ فترة وجيزة. بعدما قرأ الرسالة، سرى الخوف في كامل جسده، وارتعش، وتصبب العرق، واعتذر عن الإفصاح عما بداخل البردية, وقال هى أوامر الفرعون الأعظم، ومن يخالف يموت. فأمر الوكيل باحتجازه أيضا.

وبدأت رحلة البحث عن المجهول، وبات الوكيل على فراشه حزينا، ولم تر عينه النوم طوال الليل حتى الصباح. وانتقل إلى مكان التمثال وكان الحدث له أبلغ الأثر في نفس الوكيل، وكانت للصدمة دوي عنيف، حتى كادت أن تفتك بالوكيل، وكاد أن يفقد صوابه. ولكن وجد الناس يذهبون ويأتون وكأن شيئا لم يكن, فالعمال منهمكون في عملهم، وشرطى المرور ينظم حركة السيارات، وسمع دقات ساعة المذياع، وصفير القطارات. نظر فوجد الملك هناك، دقق النظرإلى الملك الذي اتسعت حدقتا عينيه، وانفرج فمه، وانفتحت أنفه، ورفع شفته العليا بانحناء بسيط. وظهرت أسنانه البيضاء ورفع يده اليمنى في خط مستقيم، وأشار بأصبعه السبابه في اتجاه الوكيل، وأخذ يقهقه مثل موجات بحر ترتفع وترتفع وترتفع، ثم تنخفض وتنخفض، وظل يضحك.

 

6

الثوب البالي

كان الميدان يعج بالناس ذهابا وإيابا، وفي الوسط توجد قهوة بلدي, وكانت من أكثر المناطق ازدحاما بالبشر، وبالقرب منها مكتب البريد والصحة، والمدرسة. صاحب المقهى يقال عنه أنه طيب القلب خدوم, فهو رجل فاضل طويل القامة ذو بطن عريض، أسمر الوجه، حاد العينين يرتدي جلبابا بلديا فاخرا. عينه على الجميع، الداخل والخارج , فهو يعرف كل سكان الحي. كل يوم يمر كئيبا في فصل الصيف الحار ذي النهار  الطويل الممُل تتشابه، الأيام بشكل روتيني، هكذا حال الحي طوال أيام السنة كالبحيرة الراكدة. هذه القهوة المشهورة تظل مفتوحة طوال اليوم  ليل  نهار. والبارز في هذا المقهى, على جانبه الأيسر يوجد كلب رمادى اللون  لا يتحرك كثير إلا للأكل فقط , وعلى الجانب الأخر يوجد رجل عجوز ضخم الجثة أسود اللون، وجهه عريض تظهر عليه التجاعيد بقوة، وأنف معقوف وشفاه غليظة، يرتدى ثوبا من الصوف البالى، هو الآخر لا يتحرك إلا في أندر الحالات، ولا يُعرف له نسب, وكل ما يُعرف عنه بعض القصص منها الخرافي، ومنها ما هو منطقي, ولكن القصة الأقرب للصواب أنه ابن لأحد عسكر الهجانة وقد تزوج واحدة من الغجر, توفيت أمه ورحل أبوه مع فرقته العسكرية وهو لايزال صغيراً. احتضنته الأرض وتلقفتة الأيام حتى صار كالوحش, كان له بيت عبارة عن عشة صغيرة ضمت أخيرا إلى المقهى، وربما كان هذا هو سبب اهتمام صاحب المقهى بهذا المخلوق. وعلى الرغم من أن هذا الرجل وجد في الحي قبل المقهى وكذلك صاحب المقهى. عاش الرجل في هذا الحي حتى صار جزءا منها, ولم تكن له حرفة ولا مهنة ولكن كلما قدم إليه اأحد طعاما كان يقتسمة مع الكلب، وهكذا كانا يعيشان معاً. ورغم أنه عجوز إلا أنه كان  يتلقى أكثر الإهانات والشتائم، ربما كان ذلك بسبب تدخلة في الأحاديث التى كانت تدور بين الأهالي, وبينما كانت تعبر سيارة طبيب الحي وهو الأكثر عطفا على هذا المخلوق، رغم أنه كان يمقتة بشدة لأنه كان دائم الالتصاق به, فكان يفضل أن يكون الممرض هو الوسيط بينهما، ويتركهما ليقتسم العطية سويا. وكل مرة كانت تمر سيارة الطبيب كان يكرر هذا الأمر، فكان الطبيب  يضيق منه ذرعا. والجانب الآخر للمقهى مول كبير كانت تمتلكه سيدة وقورة محترمة فائقة الجمال تخطت الأربعين. كانت عطوفة جدا وبالأخص على هذا المخلوق البائس, تعطيه كل يوم وجبة في الصباح والمساء .وكان العجوز هو الآر عطوفا على الكلب فكان يقتسم الوجبة مع رفيق العمر الذى كان على الجانب الآخر. وكان المارة أيضا يعطون له وللكلب الآخر جزءا من الخبز الساخن والأرز، وكان العجوز ينام في حجرة خلفية تستخدم لخزين المقهى، وربما كانت عشتة قديماً. ذات يوم جاءت سيارة كبيرة بيضاء, نزل منها شخص يبدو ذا شأن, اقترب منه العجوز كعادتة . فنظر إليه الرجل كارها منظره البشع, ولكن أعطاه ورقة نقدية كبيرة، وأسرع العجوز إلى مطعم اللحوم الذى يقدم وجبات شهية من جميع أانواع اللحوم. ضحك صاحب المطعم  أعطى العجوز وجبة شهية ولكن بنصف قيمة ما أعطى لصاحب المطعم, أخذ يأكل كأنه كلب مسعور ورغم شراهتة في الأكل إلا أنه خلف جزءا من الطبق لرفيق العمر. وكثيرا ما تكررت زيارة السيارة والكثير غيرها, ولا يعرف السبب, ومرة تلو أخرى، تعلم الترحاب به، وكان يمسح السيارة بكم جلبابه وغيرها من السيارات فكان يلقون له العملات  فيذهب ليأكل ويشرب فقط هو وصديقه. رغم حياة هذا العجوز البائس إلا أنه قد استمتع بكل مباهج الحياة أكل وشرب، ولم يُحرم من شيء قط، إلا من شيء واحد وهى سترته البالية ومسكنة القذر. هو قوي جدا، قادر أن يحطم قيود وجبال إلا أنه كان خانعا مقيداً بسلاسل الوهمِ والصمتِ، وربما كانا السببين الوحيدين اللذين كانا سر اهتمام البعض به. وعلى الرغم من هذه القوة إلا أنه كان مستسلما مكتوف الأيدي، عندما كان يضربه أحدهم سواء كان كبيرا أم صغيرا, قريبا كان أم غريبا. وذات مرة اصطدم به صبى المقهى  دون قصد وانقلبت صينية الشاي، فانهال عليه بوابل من السباب والإهأنات والضرب في كل أنحاء جسده، ولم يفعل شيئا سوى وضع يديه على رأسه وصدره، متفاديا الضرب واللكم. جذع البعض لأجله، لكن لم يتقدم منهم أحد لنجدته، لكن جاءت سيدة المول مسرعة لتمنع هذا القهر الذى أصاب الجميع بهذا المشهد المؤلم. ودفعت الصبى بقوة وأقامت العجوز وقد خضبت وجهه الدماء,صرخ الصبي في السيدة، وسبها بأعنف الألفاظ، دون النظر إلى الفارق الكبير الاجتماعى، أوفارق السن والأغرب من كل هذا أنه خاض في شرفها دون حياء بالمرة . أسرع صاحب المقهى يعتذر للسيدة متأسفا على ما بدر من ذلك الصعلوك الجاهل. وضربه بقلم سمع دويه في جميع أركان المكان, وعنفه بشدة. وتعجب الصبي بشدة من حالة الرياء التى ظهرت عليه صاحب المقهى, فهو ينعتها بكذا وكذا ويريدها أن ترحل خارج الحي. والآن يغضب وينفعل لأجلها؟! ، فما السر من هذ التناقض؟

وهل هذه السيدة محترمة ظاهريا أمام الناس، وتخفي ما كان أعظم، وهو ما يعرفه هذا الرجل الوقور ويخاف من أن يفتضح أمرها؟ أم أنه يخاف منها؟ ويكون هو الآخر عنده من القبح الذى تعرفه هى وتجعله يخشاها هكذا؟

وجاءت السيارة كالمعتاد وهرع إليه العجوز، وحاول الاقتراب منها وخرج صاحب السيارة وألقى العملة إليه ورحل. وانتظر العجوز بجوار السيارة حتى أنهى الشاب مهمته بالداخل وخرج إلى سيارته. حاول العجوز ان يقنع الرجل بالرحيل معه لم يلتف إليه ورحل سريعا وتابع العجوز السير خلفه، وأشار إليه مرة أخرى لعله يقف له ولكنه لم يره، أو تجاهل العجور تماما. تسرع السيارة وهو يسرع خلفها في الشواع الواسعة وشاهد العجوز الكيانات المختلفة، والبنايات الضخمة، والأشباح تطير في كل مكان حاول جاهدا اللحاق بها، لكنة فشل, واختفت السيارة في الزحام, سار هائما لا يعرف الطريق، ولا حتى طريق العودة. اختلفت الوجوه والبشر، والمضامين بقيت كما هي. شعر بالجوع والعطش كثيرا اهتدى إلى سبيل ماء شرب حتى ثمل. نبش في صناديق القمامة، وجد خبزا ولحما وعسلا. أكل حتى نام في صندوق القمامة. جاءت سيارة القمامة حمله الونش وألقى به في سيارة القمامة ورحلت السيارة إلى خارج المدينة العظيمة ألقت بالعجوز مع القمامة،  على تلال القمامة أسفل سفح الجبل. ساعات حتى استيقظ العجوز وجد نفسة بين روائح اعتاد عليها. ولكن ليس نفس المكان، وجد تلالا عملاقة من القمامة أخذ يسبح وسطها حتى وصل إلى الأرض الصلبة شاهد الصحراء الشاسعة، نظر يمينا ويسارا ولم يجد أحدا. أصابه الدوار كان الليل قد نشر جناح الظلمة على كل أرجاء المكان. تحول الحر إلى صقيع وجد حفرة حجرية صغيرة نام بداخلها حتى الصباح استيقظ عندما أحرقت الشمس جبينه وهكذا تكرر الحال يومين ثلاثة، ولا جديد ولا بشر إلا صوت وحوش الصحراء. وكان يشاهد سيارات القمامة ولكنه لم يلحقها وهى لم تره. واشتد الجوع والعطش خارت قواه كثور مصاب بسهام مصارع محترف. انكسر جفناه وترهلت شفاه حاول الزحف خلف الشاحنات المارقه زاحفا. لم يستطع. رقد جثة هامدة اقتربت منه كلاب الجبل، وأخذت تنظر إليه وانصرفت. ثم هبط نسران من أعلى  الجبل، كانا ينظران إلى بعضهما. ثم ينظران إليه وكأنهما ينتظران أن يغمض عينيه .

 

7

قدر بلا معنى

خرج الطفل الصغير, ذو الستة أعوام، أسمر البشرة نحيف القوام تنتشر الندوب على جميع أجزاء جسمه. فلم يعد جسد صبى رطبا لينا , بل جثة عجوز بال . خرج من كوخه القديم الذي تمر منه كل حالات الطقس صيف شتاء . ذهب الطفل هائما على وجهه لا يعرف إلى أين المسير. لكنه لم يحتمل الجوع أكثر من ذلك. عرج بين القبور لعله يهتدى إلى طريق يصل به إلى مبتغاه. وصل إلى الطريق الرئيسي  نظر إلى جانبيه عن اليمين واليسار، ربما يجد خبزاً أو عابرا في الشارع يحن عليه حتى لو بكسرة خبز جافة. وجد أكواما من القمامة....  ماأكثرها  نبش بأنامله الرقيقة قلبها من جميع الاتجاهات. فلم  يجد شيئا. فلربما زائر آخر قد سبقه إليها. أكمل الصبى الرحيل شاهد عن قرب بيوت العبيد وجدهم يأكلون ويشربون. اقترب منهم أكثر طالباً منهم أي شىء من ذلك الساقط من موائدهم . رفض الجميع إعطاءه أي شيء .

لماذا تحجرت قلوبهم هكذا؟

تجلت مشاعر الخوف في قلب الطفل شاهدهم وحوشا كاسرة بأنياب غادرة هرب منهم مسرعاً انعطف ناحية اليمين وأكمل المسير، اهتدى إلى باب واسع ينتهي إلى طريق واسع منير,  شاهد الأضواء والزينة تملأ كل المكان.

بيوت جميلة وأبراج عظيمة، وملاهٍ تملأ اأرجاء المكان. شاهد بيوت الجمال والفنادق .اقترب من أحد المطاعم الفاخرة، مريدوها هم من يرتدون أجمل وأغلى الثياب. كانت رائحة الشواء تبهر العقول، فما بالك بهذا الصبي الجائع المحروم  تسلل الصبي بين أرجل الداخلين محاولاً الفوز ولو بشيء بسيط، قطعة خبز لا أكثر، أو بعض من الأحمر او الأخضر.

حتى من دون لحم. لاحظه عمال المطعم، جذبوه من بين الطاولات، لكموه وضربوه، وإلى خارج المطعم ألقوه كالكرة المطاطة. فاصطدم بأرضية الجسر. نهض الطفل يعاود رحلة البحث عن الطعام. جذ بته رائحة الخبز الساخن على بعد بضعة أمتار منه. ذهب إليها، وجد فرنا عظيمة البناء, تقدم  كل المخبوزات الفاخرة. تقدم الطفل بشجاعة يدفعه الجوع القارص، مد يديه العاريتين، يسأل البائع خبزا، أرسله لصاحب الفرن, ضحك و طلب منه مالا مقابل الخبز. لم يفهم الصبي شيئا مد يده بإلحاح، وزام مثل القطة الرضيعة عندما يبعدها أحد عن أمها. ولكن اعطاه رغيفا مشوه المعالم فرح الطفل بالصيد الثمين، أكله دون وعى  فلا عجب لطفل لا يعرف معنى الذهب والفضة، فلم يشغل باله الاِ رغيف خبز، أو كوب لبن يملأ بطنه الخاوية.

 مد السير إلى الشارع الطويل وجد الابراج الضخمة تجاورها الفنادق العظيمة، دخل إليها بكل بساطة لم يلاحظه أحد صوت ضجيج عالٍ، ورقص وطبول وموسيقى، وحناجر تصرخ بكلمات غير مفهومة، وأناس بوجوه غريبة وثياب ليس لها معنى، وطاولات ممتدة بطول الصالات الكبيرة وعليها كل أنواع الأطعمة الفاخرة . فاقت موائد الملوك. ها هو الصبى التائه بين جموع البشر. جرّته الرائحة إلى مبتغاه، مد يديه الصغيرتين الملوثتين بكل انواع القاذورات. وهو يجهل أى نوع من الأطعمة هذه. وقبل أن تصل هذه الأصابع الضعيفة الرقيقة النحيفة إلى مسعاها حتى صدتها ألوف الأيدى الضخمة القبيحة،  ترفض استكمال مسيرتها, يالحظ الطفل البائس. صرخت تلك الأفواه صاحبة الأيدي البشعة، و تخرج منها رائحة قذرة . كيف لك أيها الغبى أن تتجرأ  لتأكل من طعام الملوك؟

اشتد الغضب عليه, أمسكت إحدى هذه الأيدي المتوحشة الصبي من كتفه، ترفعه للأعلى، ثم ألقته إلى الأسفل  فسقط في جوف خروف داخل صينية الأرز الكبيرة  دفن الصبى داخلها  تهاوت عليه جميع الأيدى  تتلقفه، واحدة تلو الأخرى.

قاموا بإلقائه في بهو الفندق العظيم، جحظت عيون الطفل، واغرورقت بالدموع، وقد سالت قطرات دم من أنفه وفمه. وانتشرت على وجهه،  أصبح ككرة لحماً بين مائدة الطعام، وبصوت واحد قيل له ؛ نم واسترح أيها الطفل الصغير فليس عندنا لك أكثر من ذلك ..........

 

8

انفجار

أخيراً و بعد جهد مضنٍ, اختارت هذا المكان لتحتمى فيه, وبعد أن عرفت أنه لا مفر من المواجهة من أجل الصراع الدائم منذ العهود الأولى. جلست هادئة  تشع نورها للجميع، وعلى الكون كله. رغم ذلك لم تجد  شيئا تستظل به سوى وشاحها الأبيض، الذى ظل يلازمها أبد الدهر, كانت السيول والرياح قوية، ولكن كانت تصمد بقوة وأخذت حذرها فأحاطت بنفسها، وحافظت على أصولها ولم تخشى أحد قط  لم تنج أبداً من مهاجمة وحوش الأرض وضواريها, وكانت أيضا تلتزم الصمت. وكثير ما تواجة الأخطار وغدر الأزمان. وفي أوج صراعها الدائر جاءها عابر سبيل يطلب مشورتها فلم تبخل عليه. وفي أزمنة مختلفة حاول أقواما كثيرة الفتك بها، حتى ظنوا أنهم الأقوى وقالوا في أنفسهم، هلم نفتك بها, ونتخلص من خطرها علينا . و لكن كانت تعرف نواياهم، فهاجت و انفجرت لتملأ الأرض …..

………………………………………………………………

.محكمة

وقف ينسق وينظم أوراقه ... وبدأ مرافعته

أيها القاضي الذى كان لك شرف الفصل في هذه القضية .

سيدي انظر حولك إلى هؤلاء. إنهم المحرومون وقد أتيح لهم كل شىء على هذه الأرض إلا تلك .

هؤلاء أناس يسمعون عنها ولا يملكونها، وإن كان البعض منهم قد نجح في الفوز بها على طول هذه الدهور . وهم قلة والباقى يجهلون .

انحنت ظهورهم ولم يحققوا مناهم،  ربما بإرادتهم هم.

القاضى قال : وهل هى حكر على أحد؟

صمت ....

عاد يسأل أهي بمال تُشترى؟

صمت  ....

ثم قال : وأين هى الآن ؟ !

 قلت قد تمتلك جزءاً أنت منها الآن.

قال: لكل سؤال جواب، ولكل داء دواء

ولكل قضية فيه شكوى وشاكِ ومشتكى.

 ولكن أين الرجل الذى تدعي أنه قضيتك . ها هي شكوى و شاكِ

ولكن أين هو المشتكى عليه؟

تحير الرجل والحاضرون وانتظروا  قدومه ولم يأت حتى الآن

…………………………………………………………….

مات رجل

سألوني :

أتعرف هذا الرجل ؟

قلت : لا

قالوا كيف ؟!

وقد أمضيتما فترة الصبا معاً , حتى منتصف الشباب .

قلت : نعم

ولكن ... هذا الرجل قد مات

……………………………………………………………

9

في الصيف

 

 بعد طول انتظار في حرارة الصيف، أخيراً امتلأت السيارة، حيث ركبت أسرة كاملة، والتي جلست إلى جوارى. انطلقت السيارة مسرعة  بقائدها جامد المشاعر، فظ المنظر، كان ذا وجه مليء بالندوب.  دخل الهواء البارد كى ما يلطف من جو السيارة المميت. رغم هذا كانت هناك سيدة من ركاب السيارة لم تتوقف أبدا من التأفف، والتقزز من الصيف والمواصلات وجحيم السيارة, والزوج المتمرد يحاول أن يرضيها أو يصبرها بعبارات بسيطة:" أدينا راجعين"، فترد عليه: "توبة إن رجعت هنا تاني".

كنت أستمع وأضحك، لأنى لم أر شيئا يستدعى كل هذا، وخاصة بعدما  تخلل الهواء البارد نوافذ السيارة. وفيما نحن نستمتع بالهواء النقي. حتى أشعل رجل أمامنا سيجارة. اضطرب الجو كله بسببها. فعندما يستنشق دخانها، يعود ينفث دخانها  كالحية. كان يجرى للأمام و يعيده الهواء بقوة للخلف، وكانت رأس الرجل تشق الدخان نصفين وينتشر الدخان في جميع أرجاء الصندوق الحديدي. وعذرتُ هذه المرة السيدة من التأفف، وأنا اكاد انفجر غيظاً من هذا الرجل البارد. واستأذنته بأسلوب عنيف أن يطفئ السيجارة ولكنه رفض.

كلمته بشيء من اللطف واللين، متحججاً بالسيارة الصغيرة والجو الحار الممل والركاب لا تحتمل أكثر. غضب الرجل وكمد غيظه ونفث الدخان الذى في فمه بشدة وصرخ معها غاضبا وأطفأ سيجارته.

وبينما كنت أتصفح الجريدة حتى دفع الولد الجريدة في وجهي، فنهرته أمه بشدة واعتذرت لي، وابتسم أبوه دون كلام. ولكني أغلقت الجريدة وفضلت اللعب مع هذا الصبي، فكنت أداعبه حتى شد انتباهي سرعة السيارة القادمة في اتجاهنا، وقد أعطى سائقها إشارات غريبة لقائد سيارتنا. ولكني لم أفهم هذه الاشارات حتى أثارت فضولي وفضول كل المسافرين، وسمعت كلمة مع الإشارات، لكني لم أفهمها.

دون شك كان في الأمر أمر. ولكن لم أشغل بالي طويلا ، واستكملت اللعب، ولكن سمعت صوت السائق يقول: "اليوم دا مش فايت, ناقصة ... العملية غم". لكن وقف السائق لحظة وأخذ ينظر يمينا ويسارا وكأنه يفكر، أي الطرق يختار واستقر رأي السائق على الانحراف نحو اليمين على الطريق الترابي الموازى للجبل واستمرت السيارة في العدو, وبدأت تظهر الريبة على وجوه المسافرين وسألني الرجل بخوفه الواضح على تعابير وجهه: إلى أين يذهب بنا السائق؟ أخبرته، أني لا أعرف ولكن هذا ليس طريقنا. وفاض الخوف أكثر وأكثر في عيون الزوجة وحل الارتباك عليها عندما سمعت من أحد الركاب يارب استر. وارتفعت دقات القلوب حتى كادت تسمع. وكانت السيارة تسير وكأنها تعوم فتارة تعلو وتارة تهبط فيتخبط بعضهم ببعض وبالسيارة أيضا. يفرد الرجل يديه جامعا أسرته كالدجاجة التى تجمع صغارها تحت جناحيها، وتضم الأم ابنها، ويضم الوالد ابنته حتى تلاصقت الأجسام، وألبسهم الخوف ثوبا  من الرعب والفزع.

اقتربت منهم  اطمأننت عليهم، بعدما أصبح بينى وبينهم فراغ كبير والركاب أمامنا تنهر السائق ومنهم من يداعب صاحبه قائلا اليوم نحن معزومون عند زعيم الجبل، وينظر للخلف ويبتسم وتارة يقهقه بصوت عال . ولسان حالى يقول: "يالقسوة قلوب هولاء البشر". ينظر الأطفال إلى والديهم بعين الجهل والخوف، الذى ما لبث أن يدخل إليهم جميعا، ويزعزع شجاعتهم.  والوالدان لا يملكان سوى السكوت. شعرت حينها بالضجر والخوف. ولكن ليس الخوف مثلما يخافون هم ولكن لأجل هولاء الصغار. ودقائق حتى ظهرت أمامنا سيارات الشرطة والاقماع البرتقالية ومعها رجال الشرطة , صرخ قائد السيارة: "أتركها هناك أجدها هنا". انفرجت أسارير الركاب وتحول الخوف إلى طمأنينة وأنبعثت الفرحة في عيون الأم والأولاد وتفككت الأجسام و تشجع الأب وانبسطت عضلاته بعد التقزم. وتبادلوا الابتسامات فيما بينهم ولم أملك نفسي من الضحك عليهم، وعلى الشرطي الذى جر السائق إلى الضابط لعدم وجود الرخصة.

 

10

نحو المستقبل

لم يكن هناك أجمل من هذا القصر القديم القابع عند أطراف القرية، القريب من تخوم الجبل، كان يفصل بينهما تلك البحيرة الجميلة، التى تنتشر حولها الخمائل و الخضرة و الطيور المغردة، و لكن هذا القصر كان مهجوراً لأكثر من مائة عام لم  يسكن فيه أحد. وقد اختلفت حوله القصص و الحكايات كلها كانت تحكى عن وجود أشباح وعفاريت.  ولأجل هذا كله ما كان لأحد أن يجرؤ حتى على الاقتراب منه، أو من الطريق المؤدية إليه . ظل الحال على ما هو عليه، حتى اضطرت الظروف وكثرة الديون اسرة السيد كامل للسكن فيه، بعدما باع كل مايمتلك، حتى بيته الذى كان يضمه هو وأسرته الكبيرة.  فلم يكن معه المال الكافي لشراء سكن أقل مما كان فيه، ولا حتى للإيجار. كان هذا المكان بدون مقابل، هو خدمة من عمدة القرية, كان مؤقتا لحين مرور الأزمة وحل المشكلة. على الأقل الاختفاء من عيون الدائنين.

وعليه احتمال هذه الفترة العصيبة. جاءت الأسرة المكونة من السيد كامل وزوجته والابن الأكبر وشقيقته،  والتوأم الأصغر وشقيقة زوجته الأرملة.

 ذهبت الأسرة إلى القصر، والخوف يملأ قلوبهم جميعا. ربما لم يكن السيد كامل من بينهم، بسبب مصيبته التى جعلته لا يفكر في أي شيء، لا جن ولا عفاريت أو حتى أشباح. فكان كل تفكيره هو حل أزمته المالية واسترداد حقه المسلوب ومعرفة ظالمه. نعم لقد حذره البعض من هذا القصر، ولكن لم يهتم أبداً, ولكن القصة الحقيقة هي أن القصر كان يمتلكه أمير إقطاعي، قتل هو أسرته داخل هذا القصر من مطاريد الجبل، ومنها تبلورت القصص والحواديت عن أنهار الدم والبحيرة التى يسكنها المارد قاذف اللهب، والبوم الأسود الذى يعشش على أغصان الأشجار. ويقال إن هناك وحشا رماديا يسكن في تجويف شجرة عتيقة. وغيرها من القرود ذوي الذيول النارية. انقسمت الأسرة على هذه الأساطير فمنهم المؤيد، ومنهم المعارض. وأبرز المعارضين هو الابن الأكبر الذى يحب أن يخضع كل شىء للبحث العلمي.  أما الذى لا يخضع للعلم فليس له مجال من الصحة.

والأجمل هما التوأمان اللذان لا يعرفان شيئا سوى الأستمتاع بالأحاديث المختلفة, وصلت الأسرة إلى القصر برفقة ثلاثة من خفر العمدة.  لم يمر وقت طويل على فتح الأبواب الموصدة و كانت الأقفال قد صدأت تمام . دخلت الأسرة و كانت المفاجأة أعشاش العنكبوت كانت كستائر تزين الجدران. وبيوض الثعابين الفاقسة تنتشر على طول الباحة الطويلة وفئران علفت حتى صارت بحجم التيوس، وكانت تنظر إلى الوافدين، وهى لا تعيرهم أي أهتمام و خفافيش في جميع أركان المكان  صدمت الأم وقالت: هذ القصر يحتاج لأكثر من شهر لتنظيفه. لم يتكلم السيد كامل كثيراً، ولكن عزم على أن ينتهى العمل خلال ساعات قليلة. وبالفعل لم تمر أكثر من مائة دقيقة حتى صارت الخرابة جنة. أكملت الأسرة وضع اللمسات الأخيرة، ما بين سعادة، وخوف، وقلق، ورعب. فضلت الأسرة اختيار الطابق الأوسط في القصر لعله الأكثر طمأنينة بالنسبة للحالة النفسية للأسرة.  وقسمت الأسرة الغرف وكانت الغرفة تكفي لقرية بأكملها.

 أشرف الليل بهدوء. بالكاد انتهت الأسرة من النظافة والاستحمام. وقاموا بإعداد العشاء على سفرة ملوكية. وأخيرا فضلت الأسرة استطلاع بقايا القصر لليوم التالي.

مرت الليلة بسلام ولم يشعر أحد بشيء مطلقا. ربما ذلك بسبب عناء اليوم الطويل. عين واحدة لم تقبل النوم، هو رب الأسرة لأجل التفكير في ديونه و مشكلاته وظالمه.

غردت الطيور بقوة، والشمس كانت تنشر نورها بقوة خلف النوافذ الزجاجية. استيقظت سيدة القصر ومعها شقيقتها، وهكذا الواحد تلو الآخر. منظر الشمس على سفح الجبل صباحا ساحر لا يقاوم. جعلت الخالة تقول ما أجمل هذا القصر وإن كانت تسكنه كل الأرواح و الأشباح، فهذا المنظر يستحق المغامرة. براح وهواء  وماء وخضرة، ما هو إلا جنة ، وليس قصرا . ضحكت سيدة القصر وشدت ساعد أختها طالبة منها مساعدتها في إعداد الفطور.  ومرقت ربة الأسرة إلى غرفة زوجها للاطمئنان عليه طرقت باب الغرفة أجابها على الفور: "نعم" ....  دخلت عليه و سألته منذ متى استيقظت ؟

أجابها انه لم ينم إلا قليلا . اقتربت منه ترتبت على كتفه للاطمئنان عليه وعلى مصير الأسرة، وقالت : "أرأيت شبحا أو ما شابه؟  ابتسم  ... وقال: لا

ولكن أشباحا أنت تعرفينها جدا لم تفارقنى طوال الليل. هزت رأسها وداخلها اطمئنان شبه كامل لم يشُبْه سوى أشباح زوجها. أخبرته أنها ذاهبة لتعد الفطور,  وأكد لها أن لا تنسى مجيء العمدة. وصمتت  بإشارة، لأنها تعرف. أصطفت الأسرة كلها حول السفرة، كان الأجمل من كل هذا هو الهدوء العظيم والبراح الفسيح وبضعة دقائق حتى جاء العمدة، واحتفت به الأسرة وقدمت له واجب الضيافة.  وقد مال العمدة على أذن السيد كامل ليسأله  سؤالا عرفه الجميع!

ابتسم السيد كامل قائلا:  إنها الليلة الأولى،  و لم نر  شيئا.

مر أسبوع، وعشرة أيام وهدوء وجمال لا يتصورة أحد .

ذات صباح عندما أجتمعت الأسرة ودارت المناقشات الجانبية، سألت ربة الأسرة وإلى متى  سوف نبقى هاهنا؟

رب المنزل: "لا أعرف. إلى الآن لم أجد حلا، ولم أصل إلى هذا الرجل الأحمق الذى خدعني، ولا ماذا يريد العمدة، ولماذا كل هذا العطف منه علينا؟

اشترك الابن الأكبر في الحديث: "يا أبى لهذ القصر سمعة سيئة، وما من أحد يجرؤ على السكن فيه، ومر وقت طويل ولم نشعر ولم نر شيئا، وجئنا لأجل السكن هنا، والاختفاء من عيون الآخرين. قطع الحديث الوالد واستئذن للذهاب إلى غرفته، وفي قلبه حيرة ظهرت مع الوقت. وبدأ يتطور هذا الشعور، إلى صراع آخر حول قصر كهذا في منتهى الجمال والهدوء، وغلب عليه النوم. اهتزت ستائر الغرفة بشدة، وتحركت المنضدة من مكانها، وسمع صوت خطوات على السلم قادما على الردهة حيث باب غرفته. سمع طرق الباب، لم يجرؤ على فتحه.  وانفتحت النافذة بقوة وتحطم زجاجها، وتناثر في جميع أرجاء الغرفة وظهرت رأس وحش أسود، وعيون حمراء، وأذن طويلة، وأسنان شكلها بشع، واختفت الرأس، ودخل خفاش ضخم، وانتصب أمامه، وأجنحته صارت وشاحا أسود. صرخ السيد كامل بعنف، صراخا اهتزت له أرجاء القصر هبت الأسرة لنجدته. تجمعت حوله بسرعة وقلوبهم ترتجف بقوة، وتيقن الجميع انه قد وقع المنتظر, وظهرت الأشباح.

اقتربت الزوجة من زوجها، وأمسكت يده، كانت مثل لوح ثلج، مسحتها بقوة  فتح عينه بفزع ونهض ليستطلع الأمر. وسألهم أين الوحش، وأين الخفاش الضخم. وقد صرخ الأطفال، فاحتضنتهم خالتهم، و قالت نعم لقد وقع المحظور. وأكمل السيد كلامه: "هبت رياح قوية، وسمعت صوت اقدام  في الخارج، وتحطم الزجاج"، ثم أردف: "انتبهوا حتى لا يصيبكم الزجاج المنتشر في جميع أرجاء الغرفة". و نظرت الأسرة في أنحاء الغرفة كلها. كل شىء منظم والنوافذ مغلقة والستائر مهندمة والزجاج سليم. قام الرجل يتحسس المكان، ونظر إلى أفراد أسرته وقال لهم لا أعرف إن كان كابوسا أم ماذا،  وأشار إليهم بأن يغادروا الغرفة.

وذهب للنوم. أما باقي الأسرة فقد قررت أن تنام كلها في غرفة واحدة ليحتموا ببعض. وأستكملوا تفسير الموقف، كل منهم على حدة، حتى الأطفال شاركوا في تفسير الحدث. وأخيراً ناموا قبل مطلع الفجر بوقت قصير.

صباح جديد وشمس جميلة ولا تغيير, ولكن تأخر السيد كامل في النوم هذااليوم, فذهبت زوجته للاطمئنان عليه وعرضت عليه إعداد الفطور فرفض، وطلب منها أن يبقى بمفرده. خرجت الأسرة إلى حديقة القصر بعد الإفطار. وأخذ الأطفال في اللعب. و كعادتهم في حب الاستطلاع وصلوا عند شجرة عتيقة، اقترب منها الطفلان. كانت وارفة الظلال، فروعها مائلة على الأرض، وقد أنبتت هذه الفروع، وصارت لها جذور، فقامت أشجار أخرى من أصل هذه  الشجرة، فصارت كغابة صغيرة، يستطيع المرء أن يدخل إليها، كانت مثل المتاهة. أعجب بها الطفلان، فاقتربا منها أكثر وأكثر، ودارا حولها، كانت كبيرة جدا، تعشش عليها أسراب من الطيور، حاول أحد الطفلين الدخول بين أغصأنها المتدلية، لكن أوقفه الآخر مذكرا إياه بكلام أمهما أن يحترسا من كل شيء هنا.  فجلسا فترة هناك. رجع الطفلان وقصّا على أمهما ما وجداه عند أطراف القصر. قرر الجميع الذهاب إلى هذه الشجرة بينما رب الأسرة كان جالسا على شط البركة، يفكر في أموره، وكان يقذف البركة ببعض الأحجار فتصنع موجات، تكبر إلى أن تختفي. وبينما هو يلقى حجراً أشار له شخصاً أن يكُُُف عن قذف الأحجار على البركة. انتبه لمصدر الصوت، وهنا هو مستيقظ ، والوقت غروب، وهو ليس نائما على فراشه, وبرز شخص ضخم شبه عار من البركة وعيونه بارزة , تسمر الرجل في مكانه، وكأنه صدم من هول ما رأى.  حدثه المخلوق الغريب بلطف:"لماذا تقذفنى بالأحجار؟"

ابتسم الشبح وطمأن الرجل وأعاد عليه نفس السؤال . وبعد فترة وجيزة بدأ يتكلم بصوت متقطع: "معذرة أنا لا أقصد. لم أعرف أن أحدا يسكن هنا", والشبح قال له:  " ألم تسمع عنا من قبل قدومك للسكن ها هنا ؟.مرحبا بك هنا معنا في هذا القصر".  بُهت الرجل من جواب شبح الماء.  وأخبره أنه لم يتوقع وجوده هنا. وأخبره الشبح أن عليه أن يتوقعه في كل مكان. كرر الرجل اعتذاره. وسأله من أنت؟ وكم عددكم ؟ وماذا تفعلون هنا؟

ضحك الشبح وقرر الرحيل . وكرر عليه نفس الأسئلة، ولكن ضحك الشبح وغاص في الماء. عاد رب الأسرة للقصر ولم يخبر أحدا بما جرى, حتى لا يدخل الرعب في قلوبهم, ولكن اكتفي بأن ينام هذه الليلة برفقة زوجته. وأخبرته زوجته عن الشجرة الضخمة الجميلة التى تقع عند أطراف القصر. سرح لثوان ، وعاد مرة أخرى يسألها ماذا؟ اخبرته بما شاهدوه. فأخبرها ألا يذهب أحد إلى هناك مرة أخرى.

 وفي صباح اليوم التالى ذهب هو بمفرده ليرى الشجرة. كيف يكون منظرها! أبهرته جداً، وحاول الدخول بين أغصانها، لعله يرى الشبح، أو أي شبح آخر، ولكنه تردد، وفضل أن يبقى خارجا، وجرب أن يقذف الشجرة بالحجر، وسمع نفس الصوت وخرج له شبح آخر بمعالم أخرى، وسأله لماذا تقذف بيتي بالأحجار؟ اعتذر الرجل متعللا أنه يقصد الثمر الذى في الشجرة.  ضحك الشبح وقال له:  ألهذه الشجرة ثمر؟  فاعتذر عن الطريقة التي  استدعاه بها، فلم يجد غيرها, أعجب الشبح من شجاعة الرجل.

حينئذ سأله الشبح ماذا تريد؟ قال الرجل: "أريد أن أعرف من أنتم،  وأين توجدون وكم عددكم ؟".   ضحك الشبح و أخبره بنفس إجابة  شبح الماء.

فقال له الرجل: "أراكم أشباحا لطيفة و مهذبة. و لكن لماذا تؤذون البشر و بالأخص هنا في هذا القصر؟".

أردف الشبحه: "نحن لا نؤذى احدا. و لكن أنتم من تؤذون أنفسكم !

قال الرجل: "كيف ؟ و قد سمعت عنكم أنكم قتلتم و شنقتم و حرقتم و ذبحتم و... ". رفض الشبح كل الاتهامات قائلا: "كيف يجرؤ شبح على أن يؤذي إنسانا،  نحن لا نقدر، ولا حتى نستطيع التفكير في ذلك!

قال الرجل متعجبا: كيف ؟ رد الشبح:  "الإنسان فقط هو الوحيد الذى يستطيع أن يحمي نفسه، أو يؤذيها، هو الأقدر، والأقوى على هزيمة كل الأرواح" .

تعحب الرجل ...

ثم أردف الشبح:"ولكن نحن نعرف أيها الرجل الشريف فيم تفكر، ونعرف ما يؤلمك منذ جئت إلى هنا".

وعرض عليه الشبح صفقة عظيمة, و هى ان يساعد الشبح الرجل في حل أزمته ويدله على معرفة ظالمه, على أن يساعد الرجل الشبح في  مشكلته التى دامت أكثر من قرنين من الزمان.  فوافق الرجل بدون تردد. و لكن كيف لرجل بسيط أن يساعد شبحا من العوالم الخفية.

كانت مشكلة الشبح أنه يبحث عن صندق خشب مغلف بجلد عليه كتابات قديمة، هو يريده و لا يعرف كيف يجده ؟

ضحك الرجل وظن أن الشبح يسخر منه كيف يجد شيئا يأس الشبح من إيجاده قرنين  من الزمان. ولكن دله على مفتاح البحث وهو عند الشجرة العتيقة او عند البحيرة, و لكن لك أن تعرف القصة كاملة.  فأنا وشبح الماء جئنا إلى هنا منذ أكثر من مائتي عام  بغرض السطو، و خطف الأميرة التى كانت تسكن في هذا القصر مع أبيها، وكنا نعلم كل خبايا القصر، ولكن لم نستطع اقتحام القصر، فلجأنا إلى حيلة لدخوله، و نجحنا، وعرفنا ما كنا نقصد، ولكن كان يصعب علينا الوصول إليه، فقررنا خطف الفتاة. ثم نجعل الفتاة تحضر لنا مرادنا. حاولنا التودد إلى الفتاة. لكنها رفضت، فأجبرناها على ذلك، فقاومتنا بشدة، ومع المقاومة ماتت في أيدينا. حتى جاء أبوها على صوت صراخها، فقمنا بقتل أبيها أيضا.  إلى أن جاء الخدام،  فلم نستطيع التغلب عليهم. فنالوا منا و قطعوا أوصالنا و ألقوا بنا في أرجاء القصر، عند البحيرة، وإلى الجانب الآخر عند الشجرة العتيقة. و حزن الخدم بشدة لما حدث لسيدهم، فأغلقوا أبواب القصر بإحكام. و بقوا في القصر، إلى ان ماتوا جمعيا داخله.

قال الرجل: "و لكن كيف تساعدنى أنت؟".

قال له الشبح: "سوف تجد كنزا كبيرا  أثناء بحثك، و يبقى لك أن أعرفك من هو ظالمك".

اتفق الاثنان على أن تبدا رحلة البحث من  الغد.

  عاد رب الأسرة إلى القصر و طلب من الأسرة التزام القصر يومين أو ثلاثة لحين انتهاء البحث دون نقاش. أصاب القلق كل أفراد الأسرة لهذا القرار المفاجئ. لكن أذعنوا للأمر.

 في صباح اليوم التإلى خرج السيد كامل لرحلة البحث عن الصندوق، و داخله أسئلة و شكوك حول عثوره على  الصندوق.

  ذهب إلى البحيرة، ونظر إليها، وجدها  طويلة جدا.  كيف  يرفع الماء؟ ربما كان أسفلها. و كيف يحفر على جانبيها؟ أصابه اليأس ، فذهب إلى  الشجرة. حاول الدخول إليها فوجدها غابة صغيرة.  لم يعرف من أين يبدأ؟ كانت مليئة بالزواحف والحيوانات. كان بها بيت للثعالب، و في منتصفها تجويف، و شقوق تظهر منها ثعابين، وفي أعلاها أوكار طيور.  حاول النبش في أوراق العشب الجاف فلم يُجد نفعا .ً

عادإلى القصر يائسا، ً كانت كل ثيابه قد أصابها الوحل، فضلا عن الأتربة و ستائر العنكبوت. سألته الأسرة عن سبب هذا فأجاب إجابة مبهمة، و ذهب لينام .

في صباح اليوم التالي استوقفته اأسرته،  و أصرت على معرفة القصة  فاضطر أن يجيبهم،  فأشاروا عليه بأنهم لابد وأن يذهبوا معه. لكنه رفض و لكن مع الإصرار وافق بشروط.  و فعلا خرجت الأسرة كلها. ولكن لم يدخل إلى عمق الشجرة سوى الوالد والابن الأكبر، و معهما كشافات وحبال وسلالم للمساعدة.   وصلا أخيراً إلى أصل الشجرة.  بحثا أسفلها،  فلم يجدا شيئا.  تسلق الابن على السلم لينظر بين الشقوق والتجويف. و بينما يقلب نظره وجد تجويفا كبيرا، نظر بداخله، وجد وحشا مخيفا على شكل ذئب. انتفض الشاب فانطرح إلى الخلف، أدركه أبوه  قبل أن يسقط . قرر الأب أن يغامر. نظر إلى الفتحة، فوجد الوحش. حاول إخافته بالعصا، لكنه لم يخف. فقرر إطلاق النار عليه، فلم يتحر ك، أمسك الرجل برأس الذئب، كان مجرد تمثال متحرك. حرّكه الرجل فوجد فتحة أخرى، قفز إلى داخلها حيث أعماق الشجرة، فوجد سردابا. ثم لحقه ابنه.  أكملا المسير. كانت هناك درجات سلم دائرية، تنزل  إلى الأسفل،  في آخرها فناء واسع، به عدة أبواب،  كلها موصدة. على كل باب رموز. اقتربا من أحد الأبواب، و جدا عليه كتابات غريبة،  حاول الشاب تفسير الرمز، و نحج في فُتح الباب، فدخلا الغرفة. وجدا فيها سريرا قديما متهالكا، و كرسيا، ومنضدة عليها ثلاثة كئوس، و طبقا به فواكة جافة. ثم ذهبا إلى الغرفة الثانية، كان بابها عليه رسم هندسي غير مكتمل. نحج الشاب مرة أخرى في إكمال الرمز. فتح الباب،  وجدا دولابا حجريا، فيه ثلاث قنينات لزيوت وعطور وصمغ. ثم انتقلا إلى باب آخر. كان عليه دائرة في داخلها دوائر.، من ينظر إليها  يغب عن الوعي . كانت هناك دائرة واحدة ناقصة،  أكملها الشاب، ونجح في فتح الباب، دخلا الغرفة فوجدا صندوقا  خشبيا مطعما بالفضة والعاج. ظنّا أنه الصندوق المطلوب، أخذاه و رجعا في سرور إلى القصر.  أخير كللت المهمة بالنجاح. اقترحت الأسرة أن  يكتفوا بما حدث، وأن يغادروا القصر، حيث يمكنهم أن يسددوا ديونهم بهذا الصندوق، وأن ينعموا مرة أخرى بالحرية. لكن رفض السيد كامل، فهذه خيانة، و نقض للوعد.  إلا أن أسرته راجعته في رأيه، خيانة مع من؟ و مع من نقض؟  إنها أرواح نجسة وأشباح.  إنها فرصه ولن تعود مرة أخرى .

ذكرهم الرجل بوعد الشبح، وأنه سوف يحل أزمته، و يخبره عن ظالمه.

  قالت الخالة؛:"دعك من الماضي،  فاللمستقبل أمامنا". 

يبدو أن السيد كامل قد اقتنع بأن يكون الرحيل فجر الغد.

مرت ساعة أول الليل بسلام،  و لم يكد الوقت يتقدم، حتى هبت رياح شديدة، واهتزت أركان القصر... أمطار وعواصف، انقلب كل أثاث القصر رأسا على عقب . خرج رب الأسرة منزعجا، طالبهم بالصمت، وتوجه إلى خارج القصر. فشلت الأسرة في منعه. رأى نارا مشتعلة،  والامطار لا تطفئها. وجاء الشبح من وسط النار غاضب يتأمل الرجل الذى حنث بالوعد. سأله: "لماذا؟". بعد أن ظننت أنك توصلت لحل مشكلتك نسيتنى؟ لماذا فكرت في نفسك؟ لماذا لم تصبر إلى النهاية؟

ألم تُرد أن تعرف من هو ظالمك؟  اكتفيت بالهروب مع الكنز؟

 قال الرجل: "نعم اكتفيت بالحرية".

لكن الرجل شعر بخجل شديد، واغتم بسبب هذا الموقف، وطالب بفرصة أخرى. لكن الشبح لم يعد يثق فيه.  لأنه لم يعد رجلا شريفا.

قال الرجل: "ثق فيَّ هذه المرة، فأنا لست خائنا، ولا أنانيا. لكن نسيت كل شيء من أجل الحرية. اعلم أيها الشبح أني لا أخاف منك الآن، ويمكنني الرحيل  وقتما أشاء، وتحرير أسرتي، فأنا قوي، ما نسيتك، وكنت أنوى الرجوع مرة أخرى لأجلك، غدا سيكون كل شىء على ما يرام.

و في صباح اليوم التالي، ذهب الرجل إلى الشجرة،  وقفز إلى الفتحة، ومنها إلى السرادب حتى بلغ الباب الرابع، وحل رموزه ودخل فلم يجد شيئا، فأصابه اليأس. لكنه وجد مجرى مائيا صغيرا أسفل الجدار الشرقي،  اقترب منه، و نظر أسفله فوجد جنة جميلة خضراء، ومجاري مياة صافية، فحاول الدخول إليه، ودخل فوجد الصندوق الخشبي، وحاول آخذه، إلا أن حراس الحديقة  منعوه، حاول كثيرا. أقنعوه بأنه لا يمكن أخذ شيء لا يمتلكه.

 حزن الرجل و سألهم هل يمكن أن أعيش هنا برفقة عائلتي؟   فأجابوه: "ليس الآن، و ليس لكل الأسرة، هنا شروط . عليك الآن الرحيل".

  رجع الرجل إلى القصر خاسرا حزينا. بحث عن الاشباح، فلم يجدهم،  بينما لا تزال النيران مشتعلة …

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.