د. عامر ممدوح

 

للذهاب الى صفحة الكاتب 

اغتيال التأريخ مع سبق الاصرار والترصد

د. عامر ممدوح

كاتب وأكاديمي

 

لنتفق أولاً على أمرين:

الأول: إن النقاش العتيق والغارق في القدم حول علمية التأريخ من عدمه قد انقضى أجله، فلا معنى اليوم لاعادة إثارته مهما أضيف عليه من تحديثات!

الثاني: إن التراث العالمي يجمع الكثير من المتشابهات، بل انه ـ وهذا يقين علمي ـ يستعيد انتاج الحكايات ومحنها الطابع المحلي، والشواهد كثيرة.

 

على أن النقطة الثانية وهي التي تخصنا الآن، لا تعني بأي حال من الأحوال جعل التاريخ أو التراث بعمومه محطة لتفريغ الأهواء أو تمرير الأفكار المتعمدة أو الأجندات المشبوهة، أو اطلاق مخزونه ليكون مشاعاً لكل من قرأ عدة صفحات واعتقد واهماً إنه امتلك أحقية التحدث بهذا العلم الذي لا يختلف عن غيره من امتلاكه أصول تعامل ومناهج قراءة ومدارس تفسير.

 

طالعت مؤخراً ـ على سبيل المثال ـ أحد المثقفين من غير المتخصصين تعميماً غريباً بخصوص قصة تأريخية أجمع المؤرخون على ثبوتها، فإذا هو يجعلها اسطورة متعمدة بمنهج أفضل ما يقال عنه إنه اتباع للهوى لا أكثر.

 

ومشكلة إقحام غير المتخصصين لأنفسهم في العلوم والمعارف المتخصصة بالغة التأثير، ذلك إنها ستبقى تعاني من خلل غياب منهجية الدراسة المطلوبة وأصولها، كما حصل مع صاحبنا هنا إذ اعتمد قولاَ واهياً متجاهلاً إفادات الثقات وإجماع المؤرخين، وكل هذا لأنه طالع فكرة ما ألهبت حماسه فمارس التعميم والتجهيل والاغتيال عمداً وعن سبق إصرار وترصد!

 

ومثلما تحترم خصوصية العلوم الأخرى، فعلى الجميع احترام تخصص التأريخ، ومراعاة طبيعته وصعوبة الجزم المطلق بما يضم من روايات وأحداث ولا زلت اتذكر أستاذنا الكبير المرحوم د. مرتضى النقيب إذ علمنا أبجدية قراءة التأريخ ومنهجية التعامل معه، كان أول ما يقول لنا: ليس في التاريخ كلمة حقيقة وواقع، فذلك أبعد ما يكون عن المنهج العلمي، ولا يملك احداً مهما أوتي من مهارة ومعرفة امتلاك اليقين المطلق تجاه ما يدرس.

 

نعم، سيظل التأريخ مدار نقاش عميق تجاه أمرين أساسيين، الأول: إثبات صحة الرواية التأريخية، والثاني: تفسيرها وتحليلها بالشكل الدقيق، فإذا كانت قواعد النقد التأريخي بشقيه الداخلي والخارجي قد منحت وسائل التأكد والتثبت من صحة الروايات إلى حدٍ كبير، فإن التحدي الثاني هو الأشد، ذلك ان ما نقرأه سيبقى متأثراً دون شك بالظروف والمرجعيات والبيئات التي ترتبط بالمؤلف مهما حاول ان يتجرد منها.

 

إن محاولة محو حادثة تأريخية اتباعاً للهوى أمر لا يمكن القبول به، وعلى التوازي، فإن تطبيق تفسيرات قاصرة للحوادث دون إدراك للمصطلحات والمفاهيم أو المناهج، ينتج لنا قراءة وتأويل قسري وتعسفي للرواية التاريخية.. وهو أمر مرفوض كذلك.

 

والبديل: التزام صارم، والتزام بافادات المتخصصين.