جمال محمد تقي
سوريا والعراق عمق وظهير!
جمال محمد تقي
مثلما تجسد ازاحة نظام آل الأسد، مصلحة عليا للشعب السوري، فهي كذلك لجاره وقرينه الشعب العراقي، وإن بشكل غير مباشر، فالشعبين ظهيرين لبعضهما، واحدهما يشكل عمقا إستراتيجيا للآخر، ولكلاهما عمق حضاري، وديموغرافي، وجيوسياسي متداخل ومتكامل ومترابط ومتبادل التأثير، وهو منحوت في العقلين الباطن والظاهر للشخصيتين السورية والعراقية، وفي تنويعات اطيافها.
بالارامية سمي حوض نهري دجلة والفرات، بيت نهرين، بلاد النهرين، وبالاغريقية، ميسوبوتاميا، العراق وسوريا وجنوب شرق تركيا، تشكيل طبيعي لوادي الرافدين وفروعهما، وفيه ومنه انبثقت وتلاقحت اعظم حضارات البشرية الاولى، سومر وبابل واشور، وحواضر إبلا وماري واوغاريت وأرام النهرين وتدمر، وبين حلب والموصل علاقة انسيابية طرزها طريق الحرير، والتوئمة، وتكامل تنوعهما، العربي، حمداني وتغلبي، والكردي والتركماني، الزنكي والايوبي، مسلم ومسيحي ومن كل الملل والنحل، ودمشق الاموية شقيقة بغداد العباسية، وفي سنجار، وتلعفر، والبعاج والحسكة وعموم منطقة الجزيرة، سريان وكلدان واشوريين واكراد وعرب وتركمان، والبادية السورية والعراقية مأهولة ومزروعة بربيعة وعنزة وشيبان وخزرج، من تدمر حتى ديرالزور، الى الانبار وحديثة وعانة، والرطبة.
التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، شبه متلازم، عثماني وإنتدابي، وإستقلالي، حتى تبلور الاحزاب فيهما متلازما، وتحديدا البعث والشيوعي، وكان البعث اكثر الاحزاب احتكارا للسلطة بعد استقلال سوريا، وبعد قيام الجمهورية في العراق، ولم ينتهي حكمهما إلا باحتلال امريكي بغيض للعراق 2003 وفرض نظام فاسد استبدل المركزية، بالفلتان، والمحاصصة، والفدرلة والخصخصة، وفي سوريا كان انتهاء حكم البعث نتيجة لزحف فصائل مسلحة من الثورة السورية بقيادة هيئة تحرير الشام 2024 كتتويج لحراك شعبي، استمر لأكثر من عقد، دفع فيه السوريون الغالي والنفيس، وكان للتدخل الخارجي دورا لا يستهان به في تاخير سقوط نظام آل الاسد وبعثه!
أبعاد الحالة السورية في الوضع العراقي:
للمستجدات السورية تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الحالة العراقية أهمها:
أولا إضعاف الوجود والنفوذ الايراني في سوريا سيضعف اتباعه في العراق، وبكل المستويات، السياسية، والعسكرية، والأمنية، ويحجم تأثيرهم، ويكشف عن إمكانيات مختلفة للصراعات الكبرى، خاصة في مواجهة العربدة الامريكية الاسرائيلية، وهذا ما سينعكس على قوة الحراك الشعبي الداعي للتغيير الحقيقي في العراق. ثانيا ما يجري في سوريا يحفز العراقيين الذين ضاقوا ذرعا بالنفوذ الاجنبي الذي يعتاش على سياسة فرق تسد واضعاف الدولة المركزية لمصلحة التفكيك والتنافر، فبدل التنمية المتكاملة هناك إستهلاك فاسد للريع النفطي، كغنيمة، توزع على كوتات الملل والنحل. ثالثا ما يجري سيرجح التفكير ببرغماتية سياسية هي الاكثر استجابة لمتطلبات الاستقرار والامن والتنمية، ففتح افاق تحالف استراتيجي بين العراق وسوريا وتركيا، كدول متجاورة لها مشتركات استراتيجية عابرة للحدود، كمنبع ومجرى ومصب لدجلة والفرات الذي تشترك بهما البلدان الثلاث، وقضية محاربة الارهاب، وطرح حلول سلمية خلاقة للقضية الكردية بعيدا عن لغة القوة، انما لغة المصالح المشتركة لكل دولة من الدول الثلاث، وبما لا يفرط بوحدة ترابها الوطني، وربط دول الخليج عبر العراق وسوريا وتركيا باوروبا، سككيا وبريا، اضافة لشرايين الطاقة، كانابيب النفط والغاز، من البصرة وكركوك الى جيهان وبانياس، ثم إسناد الموقف السوري الداعي لإستعادة الجولان من المحتل الاسرائيلي، ورفض التطبيع مع الكيان الصهويني دون انهاء احتلال الاراضي الفلسطينية واقامة دولة فلسطينية حرة ومستقلة، وبالتوازي اقامة علاقات حسن جوار مع ايران دون اجندات وتدخلات!
الحالة السورية تفتح للعراق مخرجا منطقيا وقابلا للتحقق من حالته المأزومة، لو توفرت الارادة السياسية الحرة، والتي سيتمكن اهل العراق من استردادها، عاجلا أم آجلا!
الانعزال عن سوريا يضر بالعراق!
لو لم يحل الجيش العراقي ويشرد خيرة منتسبيه المهنيين، ولم تقطع ارزاق مئات الألوف من الموظفين والكفاءات وبروح الانتقام الطائفي تحت يافطة اجتثاث البعث، ولو لم يجري تمرير دستور بأستفتاء مزور، ولم يجري اعتماد الولاء الطائفي والاثني المجير بإنتخابات الكوتة اللاديمقراطية، ولو كانت المواطنة والكفاءة والنزاهة هي المعيار الاول والاخير للاختيار والتعيين في الوظائف العامة، لما وصل العراق لما وصل اليه من مضرب للامثال في الفشل والفساد والتبعية والتخلف والانهيار غير المعلن، وبحكم وفرة الريع النفطي الذي لا فضل لسراق السلطة بوجوده، صارت سرقات القرن عنوان للحالة العراقية حيث يذهب نصفه للاستهلاك التشغيلي كرواتب وأجور ونصفه الآخر لجيوب مافيات السلطة ومليشياتها واحزابها، وقبل كل ذلك لو لم يأتي هؤلاء الفسدة على ظهر الدبابة الامريكية، ولو لم يكن جلهم من الطفيليين، لما تمكنوا من الامساك بالسلطة بتخادم ايراني امريكي، خطط ونفذ لتفصيص المجتمع العراقي، وتغييب الهوية العراقية لصالح الهويات الفرعية، وكان للشحن الطائفي المصطنع والذي توج في مؤامرة تفجير مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء 2006، دوره في انهاك النسيج الاجتماعي وتهميش الوطنية العراقية لتمرير ما يصعب تمريره!
المستثمرين في التفجير هم عملاء امريكا وايران، ليقاتل العراقيون بعضهم ولا يلتفتوا لمقاومة ما جاء به المحتل، وليس غريبا وبذات العقلية يتم تدبير عملية تفجير لمرقد السيدة زينب في دمشق لإثارة الفتنة الطائفية في سوريا، وقطع الطريق على تجذر الحالة الانتقالية في سوريا لتكون منطلقا لبناء سوريا الجديدة بزنود اهلها وبمشاركة كل قواها الوطنية التي تنشد اعادة البناء والوحدة والتنمية والعيش الكريم في دولة للقانون والمؤسسات!
من مصلحة شعبنا العراقي دعم تجربة الاشقاء في سوريا، وقطع دابر المحرضين عليها وتعرية اية محاولة طائفية للنيل منها!