قرداغ مجيد كندلان
مواطنو الملكوت والدينونة
قرداغ مجيد كندلان
الانسان المنشغل في الحياة باستمرار ولا ينشغل بالابدية ولا ينشغل بالموت وما هو بعد الموت جائز جدا ينسى نفسه. الغني الغبي لم يفكر في الموت بل على العكس فكر في حياة طويلة جدا سيحياها فيما بعد وقال اهدم هذه وابني اعظم منها ، واقول يا نفسي لك خيرات كثيرة من سنين عديدة.
17 ففكر في نفسه قائلا: ماذا اعمل لان ليس لي موضع اجمع فيه اثماري؟ 18 وقال: اعمل هذا: اهدم مخازني وابني اعظم واجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي 19 واقول لنفسي: يا نفس لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي. 20 فقال له الله: يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك فهذه التي اعددتها لمن تكون؟ 21 هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنيا لله » (لو 12 : 17- 21)
هذا رد على قول الغني لنفسه: يا نفسُ لكِ خيرات، استريحي وكلي واشربي وافرحي. فهنا لم ينتبه الغني أن نفسه في يد الله، ولا شيء يؤمنها ضد الموت إلا الملكوت، او يضمن لها الفرح إلا الخلاص بالمسيح. وان الجمع والمزيد والاقتناء الحقيقي والغنى الوافر هو في السماء كنز الخيرات الحقيقية التي لا يقرُبُها زمن او زوال. فالمقابل لغنى الارض هو غنى الملكوت، والمقابل لكنوز العالم هو كنز الحياة الابدية. اما عمر الانسان فإن كانت الارض تحسبه له بالايام والسنين، فالسماء تحسبه بما وفره لنفسه من معرفة الله وحبه وخدمته. وإن كان العمر ينتهي بحسب العالم فجاة دون علم سابق، فعمر الانسان الروحي يمتد في الابدية بلا حساب. اما الفرح في العالم فيأتي ويزول سريعا ولا يتبقى له اثر، اما الفرح عند المسيح فلا يقدر ان ينزعه احد ولا اي قوة في الارض، وان كان الانسان يستمد فرحه في العالم بما حصله من مكاسب، فالمؤمن يستمده هنا من قوة الله بالروح، اما هناك فمن حضور المسيح الدائم.
الانسان الذي يسلك في الملاهي وفي محبة الدنيا، يضع امامه سنين عديدة سيحياها، اما الانسان الذي يفكر في خلاص نفسه فيضع امامه الموت والدينونة باستمرار، الموت يذكرنا بالحساب ويذكرنا بأننا سنقف امام منبر الله العادل، امام الله المحب، امام الله الطويل الاناة اللطيف الرقيق الشفوق.
الكتاب يقول: 21 ” قد سمعتم انه قيل للقدماء: لا تقتل ومن قتل يكون مستوجب الحكم. 22 واما انا فاقول لكم: ان كل من يغضب على اخيه باطلا يكون مستوجب الحكم ومن قال لاخيه: رقا يكون مستوجب المجمع ومن قال: يا احمق يكون مستوجب نار جهنم.” (متى 5: 21 و 22)
فاصبح عمل المسيح ان يبني الإنسان الجديد على اساس وصايا التوعية من الخطية، لانه وهب الانسان الجديد نعمة الغلبة على سلطان الخطية بالقيامة من بين الاموات. وهكذا يكون مَن يغضب يكون قد اهمل عمل النعمة ورفض الحياة الابدية. وهذا هو معنى مَن غضب على اخيه يكون مستوجب الحكم، والحكم هنا عدم ميراث الحياة الابدية اي الحرمان من الملكوت، الامر الذي هو العقاب الأقسى. واذا يتعدى الانسان على اخيه ويقول له (رَقَا) تعني ياصاحب العقل المقفل يكون مستحقا الحكم اي الرفض من الله، او يقول له يا احمق فيكون مستحقا أن يُلقى في جهنم اي يحرم من الله.
19 «كان انسان غني وكان يلبس الارجوان والبز وهو يتنعم كل يوم مترفها. 20 وكان مسكين اسمه لعازر الذي طرح عند بابه مضروبا بالقروح 21 ويشتهي ان يشبع من الفتات الساقط من مائدة الغني بل كانت الكلاب تاتي وتلحس قروحه.
القصة تلمس مشكلة المال وسوء استخدامه وضحاياه، كما تكشف عن نهاية حزينة للغني ومنزلة الفقير المظلوم. اسم لعازر: "الله يعين". ولعازر كانت اقامته المفضلة بجوار باب قصر الغني حتى يتلقى الفتات الساقط من مائدة الغني، فكان المسيح قاصدا ان يرينا هذا المنظر بعد درسه عن المال حتى يتعظ الناس، فلولا قليل من رحمة الله لصرنا مثل لعازر. منظر عادي يكاد يتكرر كثيرا في عالم الانسان، في كل زمان ومكان. وإن كان هذا مجرد منظر فردي في القرن الاول المسيحي، فالان في هذا القرن لم تعد مسألة غني ولعازر؛ بل إن شعوبا برمتها هي الغني وشعوبا برمتها هي لعازر. ولعازر كان يجد الفتات ويأكلها، ولكن شعوب افريقيا اليوم لا تجد الفتات، وإن وجدتها لا تقوى من الضعف أن تأكلها وتقع مكانها وتموت، مئات وألوف في اليوم الواحد. هذا هو عالم الإنسان اليوم، أما السبب فهو قسوة الشعوب على الشعوب، ولا نقول الإنسان على الانسان، أما الغني المتنعم بكذا وكذا فلا يحسب بجوار الشعوب الغنية إلا مثلاً رديئا للغني. وكانت الكلاب تلحس قروح لعازر أما الشعوب التي تتضور الآن جوعا فلا يستطيع فيها الولد الراقد على الارض من شدة الجوع والضعف أن يمنع الكلاب من تقطيعه واكله!! كما ظهر في التلفزبون!
2 فمات المسكين وحملته الملائكة الى حضن ابراهيم. ومات الغني ايضا ودفن 23 فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب وراى ابراهيم من بعيد ولعازر في حضنه 24 فنادى: يا ابي ابراهيم ارحمني وارسل لعازر ليبل طرف اصبعه بماء ويبرد لساني لاني معذب في هذا اللهيب.
أن الملائكة تحمل ارواح القديسين والمختارين الى فوق، أما الغني الذي مات ودفن وهو بكامل أُبهته فحُمِلت روحه إلى الهاوية وهو مكان الانتظار قبل الدينونة.
الحياة في العالم الاخر مرتبة ترتيبا يذهل العقل. فليس هناك مسافات ولا ازمنة ولا احتكاك ولا مشاعر بشرية، بل مشاعر راقية جدا عما للانسان العادي. والفئات تنقسم بحسب وعيها الروحي الى درجات، وكل قسم له صفاته ومواصفاته التي تتناسب مع درجته في المعرفة والوعي الروحي. ولا يستطيع احد ان يخرج عن حدوده او ينتقل من درجة الى درجة، وحتى لو اراد يستحيل لأن الذي يرفعه في درجته هو وعيه الروحي حينما يرتقي، لذلك فالذي يصلي كثيرا هنا ويقرأ الانجيل ويتأمل ويفتش في المعاني ويغوص في تدبيرات الله ينفتح وعيه الروحي، وبكثرة الصلاة والشكر والتسبيح وبذل الحب ترتفي النفس في وعيها وتغتسل من ادرانها وتنتفي. فهنا الاستعداد واخذ الروح وانفتاح الوعي: "حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب "( لو 24: 45 ) .