حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (597)
(ارجو مساهمة الجميع في طرح آرائهم للمساهمة
في تثبيت الافكار الفنية)
***
تراث محمد القبانجي (هامش1)
لقد ترك لنا محمد القبانجي تسجيلات صوتية في غناء المقامات العراقية، أولها كانت في بغداد عن طريق الشركات الصوتية الاجنبية، التي وصلت الى العراق لهذا الغرض منتصف العشرينات من القرن العشرين، في جولة مستمرة لتسجيل تراث الشعوب الموسيقي والغنائي، ثم سجل مجموعة أخرى بألمانيا في العشرينات ايضاً بدعوة من هذه الشركات، أتبعها بعد ذلك بتسجيلات أخرى في القاهرة عشية مشاركته في المؤتمر الأوّل للموسيقى العربية الذي عقد بالقاهرة عام 1932. حيث لم يكن هدفه فيها معالجة قضية فنية تاريخية بحتة، بل توضيحاً للتفاعل بين الروح التاريخية الغناسيقية التراثية الكبيرة والانواع الموسيقية الأخرى التي يمكن لها ان تصور كلية التاريخ. ويبقى هذا التفاعل بعد ذلك، الشغل الشاغل لمحمد القبانجي أو أي فنان آخر تشغله هذه التفاعلات الروحية الكامنة في معاني الموسيقى.
ولعل المستمع الى تسجيلات صوتية لمقامات عراقية بمستوى مقامات محمد القبانجي، سيدرك ان القبانجي ومن أمثاله في المستوى، يقتحم أعماق المشاعر والأحاسيس الانسانية التي يسوقها من التاريخ الغناسيقي التراثي. وإجمالاً يقف المستمع، لا بين يديْ مطرب تراثي فحسب، بل مفكر واجتماعي واقتصادي وسياسي وفيلسوف..! ولا غرابة إذن، أن يجد المستمع، أو أن تجد الجماهير المستمعة، شيئاً من الصعوبة والغموض في فهم جزء غير هيـِّن مما أنتجه محمد القبانجي من تسجيلات غنائية مقامية فاقت في تعابيرها التاريخية الصادقة حد المعقول. القبانجي الذي إستهل حياته الفنية غارفاً من كنوز هذا التراث المقامي في بلدِ اقدم الحضارات الانسانية. وبالتالي، فإن ما أعطاه وأنتجه محمد القبانجي من تسجيلات غنائية مقامية كثير، فقد سجـَّل معظم المقامات العراقية أو كل المقامات المتداولة في العراق، ونجح فيها نجاحاً كبيراً، ولو كان قد إكتفى بتسجيله لمقام المنصوري فقط، لكان هذا المقام كافياً لتخليده مطرباً مقامياً كبيراً على مدى العصور وهو المغنى بالقصيدة التي مطلعها.
(كيف يقوى على الجفا مستهام عنك لم يلهه نــــديم وجام)
منذ بواكير حياتي، كان هاجسي وإلهامي الكبير في الموسيقى والغناء هو المطرب المقامي المعجزة محمد عبد الرزاق القبانجي، الذي نقلني الى عوالم خيالية واحلام فاقت امكانية تصوراتي في خيالاتها وتأملاتها الروحية حتى هذا اليوم، خاصة وان الجيل الذي عشته كان قد وعى على زمن كانت فيه منجزات محمد القبانجي الفنية في غناء المقامات العراقية قد وصلت الى مستوى نضوجها المتكامل في قـِيـَمـِها الفنية وانتشارها الواسع. بحيث وُضِعَ منجزها محمد القبانجي في مصاف المغنين العظماء. ونحن لم نزل حتى اليوم نستمع بكل دهشة واستغراب لتراث هذا الفنان الكبير من خلال تسجيلاته الصوتية الغنائية وما يتمتع به من امكانية لامثيل لها، وفنا ً ناضجاً تجاوز الحد المطلوب في غناء المقامات العراقية بصورة فاقت كل التصورات.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
اضغط على الرابط
محمد القبانجي / مقام المنصوري
https://www.youtube.com/watch?v=DxNjrCURSQ4
هوامش
1 – هامش1: من كتابي الموسوم بـ (الطريقة القبانجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في بيروت عام 2009. عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص22 و 24.