حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (599)
(ارجو مساهمة الجميع في طرح آرائهم للمساهمة
في تثبيت الافكار الفنية)
***
تعريف مبسط بالمقام العراقي (هامش1)
لنأخذَ على سبيلِ المثال كتاب الحاج هاشم الرجب(المقام العراقي) في طبعته الاولى 1961 وطبعته الثانية عام 1983 وهو في صدد تعريف المقام العراقي حيث يقول(هو مجموعة أَنغام منسجمة مع بعضها، لها إِبتداء يسمى التحرير، وإِنتهاء يسمى التسليم، وما بين التحرير والتسليم مجموعة من الأَوصال والميانات والقرارات يرتلها البارع من المغنين دون الخروج على ذلك الإِنسجام المطبوع) (هامش2).
ينبغي الاشارة إلى ان التعريف يرتبط بطبيعة الكتاب المتعلقة بالدراسة الموزيكولوجية(هامش3) للمقام العراقي حيث يهتم المؤلف بشرح أَشكال forms المقامات العراقية أكثر من اهتمامه بالمضامين التعبيرية التي لم يتحدث عنها الكتاب في الأَعمّ الأَغلب أَو لم يتحدث عنها أبداً..! وعليه فإنَّ مفهوم هذا التعريف يتعلق بالمعمار الهيــــكلي للبناء المقامي التقليدي، ولا يشمل ماهية المقام العراقي كشكل ومضمون فهو لايبعث على الرضا نسبياً. اذ لا يوضح هذا التعريف، البناء الحقيقي لغناء المقامات بصورة تفي بالغرض للتعبير عن مضامين البناء الغناسيقي المقامي شكلاً ومضموناً..!
أَمّا تعريف المرحوم شعوبي إِبراهيم خليل الوارد في كتابه (دليل الأَنغام لطلاب المقام) الذي يَنصُّ على (هو مؤلفة غنائية له قواعد محدودة لإنتقال المُغنّي من نغم إلى آخر ويكون للإِرتجال الغنائي نصيب فيه)(هامش4) فهذا التعريف شبيه بالذات لما يخطر في ذهنك من المفهوم الإِعتيادي لمعنى أي لون غناسيقي تراثي تود تعريفه، فهو تعريف عام لا يدلُّنا على خصوصية هذا التراث الغناسيقي بصورة مباشرة. أما التعريف الذي ورد على لسان جلال الحنفي(المقام العراقي هو نمط من الغناء عرف في بغداد والمحافظات الشمالية ومنها الموصل وكركوك على إِختلاف يسير بين مغنّي هذه المُدن في تعاطيه وفي بعض تسمياته، وكيان هذا النَّمط من الغناء في تجمعات نغمية يتحقق تجمعها وتأليفها وفق قواعد وأُسس إِصْطُلِحَ عليها أَصحاب هذه الصناعة بحيث تبدو سليمة المنحى وذات محتوىً مستساغ واطار جامع)(هامش5) إِنَّ هذا التعريف يبدو لنا غير واضح المضمون ومربكاً، فضلاً عن كونه تعريفا مُطَوَّلاً دون كثافة..!
إنَّ بغدادَ ليست جذْراً جغرافياً لغناء المقامات العراقية، وإِنَّما تأثرت بالبلدان القريبة من غرب وأَواسط آسيا، ويعود السبب في تأثر بغداد بصورة عميقة دون غيرها من المحافظات الأُخرى القريبة من بغداد، هو لكون بغداد هي العاصمة وبقيت عاصمة منذ تأسيسها وإِلى يومنا هذا حتى في ظروف الإِنحطاط التي مرَّ بها العراق، في حين أَنَّ كردستان العراق في الشمال، أَربيل والسُّلَيْمانية ودهوك تمثل الجذور الجغرافية لهذه الممارسات الغنائية المقامية الموجودة كُلَّما إِتَّجَهْنا نحو الغرب الآسيوي وإِلى أَواسط آسيا، رغم شمول كل من مدينتي الموصل وكركوك بهذه الميزة الجغرافية..!
على كلِّ حال، أَنَّ هناك من الحديث ما يكثُر ويطول، وأَنَّ هناك تعاريف كثيرة لجمهرة من المتخصصين في الشَّأْن المقامي، يتضح من خلالها، أَنَّهُ لا يمكن الإِعتمادُ على تعريفٍ واحدٍ فقط ليُعطيَ مفهوماً كاملاً عن المعنى الإجمالي للمقام العراقي، او معنىً كاملاً لشكله ومضمونه. فكل تعريف يعبِّر عن جزء معين أو زاوية من زوايا التعاريف لمعنى غناء وموسيقى المقام العراقي، ومن مجموع هذه التعاريف ربما يمكن لنا ان نصلَ إلى المفهوم الواضح لماهيَّةِ المقام العراقي، ومن ثم نصلَ إلى نصٍّ تعريفيٍّ شاملٍ مقنعٍ. فغناءُ المقام العراقي وموسيقاه، كيانٌ كبيرٌ وواسعٌ، لهُ جذورٌ تاريخيةٌ عريقةٌ وتراكماتٌ حضاريةٌ وتجاربٌ تعبيريةٌ وشكليةٌ متعددةٌ لا يمكن تحديدُها بسهولة أو باسطر قليلة..!
أَصبحَ الآنَ واضحاً بجلاء، وعملاً مهمَّاً للغاية، أَنَّ التعاريف تلعب دوراً رئيساً في سبيل كشف المفهوم المقامي وكشف فلسفة هذه الموسيقى وهذا الغناء، فالتعاريف تساعد على إزالة الغموض والإِبهام عن معرفة مكنونات هذا التراث الغناسيقي التراثي، فهي تكشف المنطقَ الداخلي للعلاقات اللحنية القائمة بين المواد الأَوَّليَّة المكونة للمقامات، بإِعتبارها مواداً أساسية ثابتة الوجود في كل مقام على حدة، وبالتالي ومن خلال هذه المكونات، يصبح المقام العراقي فورماً غناسيقياً تراثياً يتميَّز بشكل ومضمون خاص عن باقي الاقاليم الأُخرى التي تتشابهُ في مظهرها العام بأَداءات المقامات العراقية.
وفي كتاباتي الكثيرة عن المقام العراقي، أوْرَدْتُ عدةَ تعاريفٍ، جاءت متنوعة حسب متطلبات موضوع الكتابة، فمنها ما هو تعريف وظيفي أو إِجتماعي أو علمي أو فني، وفيما يأتي بعض من هذه التعاريف التي أَوْرَدْتُها (يعتبر المقامُ العراقيُّ نمطاً معيناً من النظام الدقيق ذي الأُصول الأَدائية الرصينة، وهو عملٌ حسِّيُّ تمتزج مكوناته جميعاً للحصول على الوحدة المتكاملة في بنائه وقابل للتطوير) (هامش6).
وهذا تعريفٌ آخرٌ (هو مؤلف غناسيقي تراثي عراقي خاص يَسْرِدُ في صورٍ شاملةٍ متعددةِ الجوانب من الأَشكال والمضامين الأَدائية حياة العراق بكل تاريخه وحضارته وثقافته وظواهره، وهو يعكسُ هويةَ أَبنائه وشخصيَّتَهم، و يوضِّحَ أّيْضاً تطورَ حياةِ هذا البلد العريق في تفاعله المتبادل بدائرة الحياة الطويلة المعقدة والممتدة لآلاف السنين من التاريخ) (هامش7) ويمكن أَن نقـــــولَ أَيضاً. (هومجموعة من الأَنغام الموسيقية ذات صيغ متقاربة غالباً وتختلف بعض الأَحيان). ويمكنُنا أَيضا أَن نُعرِّفَ المقام العراقي الآن بهذه الكلمات (هو فورم فني غناسيقي كلاسيكي تاريخي، ذو شكل ومضمون خاص بالعراق تمييزاً عن باقي الأَقاليم في غرب وأَواسط آسيا والوطن العربي، عمق كيانه عراقي عربي وتأثيراته غرب آسيوية) وعلى هذا الأَساس لا يمكنُنا الإِكتفاءُ بتعريفٍ واحدٍ، ولا نستطيعُ التحديدَ.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
اضغط على الرابط
يوسف عمر حجاز ديوان
https://www.youtube.com/watch?v=ny4JVMajMSg
الهوامش
1 – هامش1: من كتابي الموسوم بـ (الطريقة القبانجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في بيروت عام 2009. عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص22 و 24.
2– هامش2: تعريف الرجب ..(الرجب ، الحاج هاشم محمد ، المقام العراقي ، ط اولى 1961وط ثانية 1983 ، مط الارشاد ، بغداد ، ص64..)
3– هامش3: الموزيكولوجية. ونعني بها علم الموسيقى، علم متعدد الاختصاصات يتصدى لدراسة الظاهرة الموسيقية عبر تاريخها الطويل، من خلال المكتوبة والمسموعة، معتمدافي ذلك اساسا، الصرامة المنهجية والتقنيات الدقيقة المستعملة في العلوم الانسانية والعلوم الصحيحة، فهو يختص بالبحوث والتفاصيل الفنية لدراسة الموسيقى ونظرياتها وتاريخها وتذوقها، بالدرس والتحليل وعناصر اللغة الموسيقية وتطوراتها عبر العصور والبلدان والمناطق ، ويقوم بدور هام في البحث واكتشاف المخطوطات القديمة والمؤلفات الضائعة او المنسية وتدوينها وتسجيلها، وتفسير الاعمال الموسيقية والتنقيب عن الاعمال التي حدثت في الماذي وتقييمها. (قطاط، محمود، مجلة المجمع العربي الموسيقي، جامعة الدول العربية، نصف سنوية، الموسيقى في سياقاتها الاجتماعية والحضارية، المجلد الخامس، العدد الاول، شتاء وربيع 2006، ص11)
4– هامش4: تعريف شعوبي.(خليل، شعوبي ابراهيم، دليل الانغام لطلاب المقام، منشورات المركز الدولي لدراسات الموسيقى التقليدية، ط اولى، بغداد 1982، ص7)
5– هامش5: تعريف الحنفي.(الحنفي، الشيخ جلال ،لمحات عن المقام العراقي، منشورات المركز الدولي لدراسات الموسيقى التقليدية، بغداد، 1983، ص3)
6– هامش6: تعريف الاعظمي. (الاعظمي ، حسين اسماعيل، المقام العراقي الى اين ؟، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط اولى، بيروت، 2001، ص67)
7– هامش7: تعريف حسين الأَعظمي في محاضرة القاها في المركز الثقافي الفرنسي ببغداد يوم 23\5\2002.
عند باب معهد الدراسات النغمية العراقي عام 1975. يمينا حسين الاعظمي ويوسف عمر ومحمد كمر ومحمود زازة وشعوبي ابراهيم.