حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (600)
(ارجو مساهمة الجميع في طرح آرائهم للمساهمة
في تثبيت الافكار الفنية)
***
بين ثقافة الذاكرة وثقافة العقل (هامش1)
إن التوازن بين ثقافة الذاكرة العفوية وثقافة العقل والفكر الواعي، يعني أن العقل أو الفكر هنا قد تدخَّلا في بناء النتاجات الفنية التي تحرَّرت من الأسر والقيد الذي فرضته الذاكرة العفوية والفطرة طيلة قرون عديدة مضت. بل واصبح الحوار بين القديم والحديث، محاولة لفك القيود والانماط الجاهزة، وخلق دينامك جديد للعمل الفني، ليبدأ منعطف جديد في الحداثة.
لقد تحتـَّم على محمد القبانجي مثلاً حين إستعد لغناء المقامات العراقية، أن يواجه حالتين مختلفتين، أو مشكلة مزدوجة..! فهو من ناحية وريث المؤدين التقليديين الذين يؤكدون في ادائهم على الناحية الاصولية والقواعدية التقليدية لشكل المقام العراقي، وتطبيق اداء المسارات اللحنية ذات التعابير البيئية الصرفة، والحكم السائد على جودة الاداء في تذوقها وسماعها بهذا المنحى الكلاسيكي الصارم. وهو من ناحية اخرى يعيش السمات والتفاعلات الجديدة التي إمتازت بها حقبته الزمنية بعد الحرب العالمية الاولى (1914-1918) التي ظهر فيها مطربا مقاميا، بالنظرة الجديدة وما افرزته تأثيرات الحرب العالمية للتراث عموماً، والثورة على الاصول التقليدية الصارمة وزعزعتها.
فبالنسبة للحالة الاولى، فإن عموم المؤدين المقاميين قد ركــَّزوا جلّ اهتمامهم بالالتزام بالمحلية والدفاع عن الثقافة التقليدية للذاكرة الموروثة المنقولة من الآباء والأجداد. فكان على محمد القبانجي وهو رائد الفئة الثانية، أزاء هذه الذروة الكلاسيكية الاصولية أن يؤكِّد دوماً ومن خلال أدائه التعبيري الجديد، أن التراث البيئي أصبح لا يكفي وحده لتكوين فن أدائي تراثي معاصر، ولا يكفي وحده أيضاً لخلق مؤدٍّ أو ناقد بالمعنى المعاصر، نسبة للظروف الثقافية الجديدة التي أتاحت وسائل تعبيرية متعددة في شتى المجالات في هذه الحقبة الزمنية من بداية القرن العشرين الذي أُصطلح على تسميته بعصر السرعة.
إن الاداء الموسيقي والغنائي الجديد للمقامات العراقية، قد أكد الآن انه خبرة إنسانية فطرية عفوية وعقلية وفكرية، وهو كذلك فعلا ً..! أو هكذا كان الاحساس عند استاذنا محمد القبانجي على الاقل، هذه الخبرة يتوصل إليها من هم أدق إحساسا من الآخرين بالحياة، ما هي الحياة..!؟ كيف نفهمها ونكتشف أسرارها..!؟ إن الثقافة في الحقيقة هي ثقافة انسانية واحدة. لابد اذن ان يصدر الاداء من هذه الحياة ليعبـِّر عنها، وهذه الثقافة وهذه التجربة يتعرَّف عليها المؤدي ويحاول معرفة أسرارها، فيحس بهذا الغموض لينتقل ذلك الى المتلقي الذي يشاركه في ذلك فتهتز مشاعره ويتلذذ بسماعه. ومن الطبيعي ان هذه الخبرة أو هذه الثقافة التي تصدر عن الاداء الغنائي عموماً للجمهور المتلقي، لا تعلو على الحياة التي يعيشها أو يعانيها المؤدي المبدع، بل تمتزج وتتآلف عناصرها بها، من خلال أُسلوب تعبيري لا يمكن ترجمته الى لغة من اللغات. ويمكننا أن نلاحظ َهذه التطلعات الادائية في هذه المقامات التي غناها محمد القبانجي مطلع حياته الفنية، كمقام الشرقي دوكاه (سلًّمه بيات حسيني) حيث يُغنيه بهذا الزهيري للحاج زاير الدويج.
يا ناعس الطرف حظ الجــالسك يا عون
والناس بهــــــــــواك سكره لا تظـــن يا عود
آني الذي جنت اجيد اعـــداي بك ياعون
لخيول هــــــــجرك تردهن بالوصــــل لوجن
وهلال سعدي يهل لـــــيلي عــــــــليْ لوجن
والناس يم عــــــــون تقصد بالــــذي لوجن
إلمن يـــــــودّون قـــــلّي لو تســــودن عون
ومثل هذا المقام الناجح، انتبهتْ الجماهير الى اللغة الادائية التي لفتتْ إليها الانظار، والتي ظهر على منوالها العديد من المقامات المسجلة بصوت محمد القبانجي واتباع طريقته في هذه الفترة خلال النصف الاول من القرن العشرين، فقد برزت فيها بوضوح الناحية البنائية في حبكة المسارات اللحنية للمقامات العراقية.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
اضغط على الرابط
محمد القبانجي، مقام الشرقي دوكاه
https://www.youtube.com/watch?v=X-2afiHhSrU
هوامش
1 – هامش1: من كتابي الموسوم بـ (الطريقة القبانجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في بيروت عام 2009. عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص118 و 119.