حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (601)
(ارجو مساهمة الجميع في طرح آرائهم للمساهمة
في تثبيت الافكار الفنية)
***
الابداع سمة من سمات الفطرة (هامش1)
إن الابداع والابتكار سمة من سمات الفطرة الخصبة والتفكير الخصب. وهذه الخصوبة في الفطرة والتفكير هي التي نستمدها في الحقيقة من الحياة التي نعيشها ومن تجاربها. لذا فإن الأزمة التي مرَّ بها المؤدون في الحقبة التي ظهر بها محمد القبانجي عملت بقوة على خلق فجوة جمالية في الاداء ما إنفكت تتسع وتكبر حتى كادت أن تفصل بين القبانجي وسابقيه بصورة كاملة. ويعود السبب في ذلك الى الرؤية الجديدة للتراث والموروث التي ميَّزت هذه الحقبة بالذات للانطلاق من القديم وسط حياة جديدة ومحاكاة الحاضر وسط رؤية مستقبلية ثاقبة تواكب التطور بصورة تتضاعف باستمرار.
من زاوية اخرى، إنَّ الأَداءَ والأُسلوبَ مهما كانت قيمتُهما، عملان إبداعيان من حيث المبدأ، لأنه في الأقل يمثل تذوق فنان يعيش فعلا ً في هذه الحياة، فهو لا بد أن يعبـِّر من زاوية ما عنها مهما كان بعيداً عن روح المعاصرة، أو مهما كان قريبا أو متطابقا في تقليد غيره، إذن فهناك نسبة من الابداع مهما كانت ضئيلة..! وأي شيء ينفي ذلك، هو إلغاء لوجود المؤدي أو إلغاء للاداء برمته أو إلغاء لإحساسنا بالحياة التي نعيشها..! ولكننا لا نريد أن يتباعد المؤدي عن روح العصر الذي يعيش فيه، ولا نريد له أن يبقى مؤدياً يعتمد على الذاكرة الموروثة، الذاكرة الفطرية العفوية المستقاة أصلا من البيئة والنشأة. بعد أن أتاحت حياتنا الجديدة المزيد من الوسائل التي تساعد على الانفلات من سيطرة تقاليد التراث الموروثة، بواسطة التطور التكنولوجي الذي تطور بسرعة مذهلة وأتاح مجالاً واسعاً لتدخل العقل والتفكير.
إن الذاكرة الموروثة أمست اليوم لا تكفي أبداً، لتلبية حاجات الانسان المعاصر، الجمالية والذوقية والعقلية، وإن الاعتماد عليها تأخر فكري وكسل ينذر بخلق فجوة من شأنها أن تلغي وجودنا وإحساسنا كأفراد معاصرين بعيدين عن روح الحياة السريعة التي نعيشها، فلا بد أن نألف الحياة ونقترب منها لنرتد إليها.
إن التعابير الاصيلة (هامش2) التي تميـَّز بها المؤدون السابقون والتي إتسمت بالتعبير عن صدق مشاعرهم وتصوير معاناتهم وهمومهم ومشاكلهم بأصدق ما يمكن، التي وصلت عند بعضهم حد السذاجة، لذا فإن أهم ما ميـَّز هذه الحقبة، هو النظر من جديد الى مفهوم الصدق هذا، وطبيعي أَنَّنا لانقصد المعنى الحِرَفي للصدق، بل ان هذا الصدق (هامش3) يحدث مع التجربة الخالصة، فهي حبكة اذن..! يتوازن فيها الصدق والتجربة والابداع، حبكة لابد ان يكون فيها إحكام في العلاقات.
يتجلَّى الصدق التعبيري في غناء المقامات العراقية في تسجيلات محمد القبانجي، الذي يعكس التاريخ الحقيقي لبلده العراق في الفترة المظلمة بعد سقوط العباسيين 656هـ 1258م في مقامه الشهير –مقام المنصوري– المغنى بهذا المطلع المخمس من القصيدة لكاظم الازري والتخميس لراضي القزويني، وهو أشهر منصوري، بل هو أَعظم ما غناه محمد القبانجي.
(كيف يقوى على الجفا مستهام / عنك لم يلهه نديم وجــــــام)
(بك أقسمت والهـــــــــــــوى أقسام / إي وعينيك ما المدام مدام)
(يوم تجفو ولا النداما نداما)
ان القبانجي في هذا المقام بالذات، يعكس حقيقة الهموم والمعاناة التاريخية للشعب العراقي، فإلى أين يجب ان يتأمل المواطن العراقي من أجل إكتشاف ومعرفة ما فعله الغزاة المجرمون بآبائنا وأَجدادنا..!؟ إلى أين يجب أن يتأمل العراقي، كم أن هذه الاقوام الغازية والمحتلة فرضت العصور المظلمة على العراق..!؟ إلى أيِّ مدىً يجب على المواطن العراقي أن يتأمَّلَ، كم أَنَّ سبعة قرون عاشها العراقيون في ظل هذه الاقوام المجرمة التي فرضت الجهل والتخلف والفساد والاعتداء والظلم والاغتصاب والتشتت على كل البلاد..!؟
ان هذه الاقوام عدوٌّ رئيسي بالنسبة للعراقيين، كما انها شيء أسوأ..! إنها الاقوام المتعددة التي توصف بالاجرام والارهاب والوحشية على مدى تاريخها. وهكذا يكشف لنا محمد القبانجي في مقامه الشهير –المنصوري– من خلال تعابيره المذهلة، مازجاً العقل والفطرة في ادائه، حقيقة هذه المراحل التاريخية، حقيقة هذه الاقوام المجرمة التي يوضح فيها ذروة الاستنكار والاستهجان والعتب والشكوى والاحتجاج من القدر الذي كتب على هذا البلد الحضاري الذي يمثل اقدم حضارات الانسان..!! والذي إبتلي بهذه الاقوام..!
وهكذا تأتي التعابير الصادقة عن التاريخ، عاملاً مساعداً بصورة مباشرة في بناء العلاقات وتقويم الاداء ونجاحه وإعطاء الصورة الحقيقية الصادقة للاحداث الماضية.
إن إدراك ربط هذه العلاقات غالباً ما يأتي من خلال التثقيف والدراسة، لأن الإلهام أو الموهبة أو الفطرة لا تكفي لوحدها، فلا بدَّ من تدخل العقل والفكر ونقد ما نؤدي والعمل المتواصل والاجتهاد والتمرين المستمر. لذلك نفهم ان الاداء الغنائي موهبة وطموح وتمرين متواصل ودراسة وفكر وحبكة وإدراك..! ولا تكون هذه الحبكة عند أُستاذنا القبانجي بالمعنى الذي يلغي الانفعال والتوتر الانساني، بل هي مرادفة لسيطرته على تجربته ووسائل تعبيرها. فكان لابدَّ أن تكون انجازاته الابداعية ذات قيم فنية عالية. فلا بدَّ إذن، الاهتمام بطرائق الاداء وتعدُّد الاساليب، زيادة في الثراء وإغناء المادة التراثية، لنبني من خلالها إبداعات وافكار وجماليات جديدة لصور متعددة، لأن الافكار والابداعات الناجحة ذات الاحاسيس العميقة تفقد جمالها اذا جرَّدتها من جمال الصورة، إذن لابد ايضاً من توافق المحتوى مع جمال الشكل. وبالعكس اذا لم يكن هذا التوافق جيداً، فإن كثير من التفكير والإِحساس يضـيع لهذا السبب.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
اضغط على الرابط
محمد القبانجي، مقام المنصوري
https://www.youtube.com/watch?v=DxNjrCURSQ4
الهوامش
1 – هامش1: من كتابي الموسوم بـ (الطريقة القبانجية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في بيروت عام 2009. عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص124 و 125.
2 – هامش2: الاصالة : Originality القدرة على الابداع والابتكار في انتاج ادوات او مخترعات او اعمال فنية او ادبية، وبعبارة اخرى هي امتياز الشيء او الشخص على غيره بصفات جديدة صادرة عنه – ( الاعظمي، حسين اسماعيل، المقام العراقي الى اين ؟، ط1 اولى، بيروت، 2001، ص 99.
3 – هامش3: الصدق: مفهوم واسع له عدة معاني تختلف باختلاف المسائل التي يهتم بها الباحثون عند التعرض لمعنى الصدق، وفي ميدان البحث يقصد بالصدق ان يقيس الاختبار ما وضع لقياسه، أي ان الاختبار الصادق يقيس الظاهرة التي يزعم انه يقيسها ولا يقـيس شيئا اخر بدلا منها او بالاضافة اليها.