حسين الاعظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعظمي (1174)

وادي الموت في اسبانيا

 

      في مطلع العقد السبعيني من القرن المنصرم، بدأت مسيرتي الفنية على المستوى الاعلامي. وقُدِّر لهذه البداية ان تكون تحت رعاية الموسيقار الراحل منير بشير المدير العام لدائرة الفنون الموسيقية، ومن خلال رعايته وفرقته التي اسسها (فرقة التراث الموسيقي العراقي) التي كنت اول او من اوائل اعضائها، قُدِّرَ لي ايضاً ان ازور بلدان كثيرة في العالم ومنها اسبانيا. وخلال العقد السبعيني من القرن العشرين حتى عام 1981 زرتُ اسبانيا مرّات عديدة ناهزت مرّات عشر...! طبعا كل ذلك من خلال حفلاتنا السنوية او اكثر من سنوية احيانا التي نشارك فيها في مهرجانات اسبانيا او مناسبات اخرى ضمن فرقتنا التراثية التي اسسها الموسيقار الراحل منير بشير. وخلال هذه السفرات المتعددة الى اسبانيا ولقاءاتنا المتعددة باخوتنا العراقيين من طلبة الزمالات او المقيمين اصلاً هناك او غيرهما. وعلى الاخص في سفرتنا الاولى الى اسبانيا منتصف السبعينيات وما تلا ذلك من تعدد مشاركاتنا الاخرى في اسبانيا، اكتسبتُ معلومات كثيرة عن واقع الحياة في اسبانيا خلال القرن العشرين...!

 

      في فترة منتصف السبعينيات كان بلدنا العزيز العراق في صحوة اقتصادية ما بعدها صحوة...! كانت ذروتها عند تاميم العراق لنفطه الوطني وطرد الشركات الاجنبية من بلدنا العراق. وعليه كان انفتاح العراق على العالم واسعا في كل المجالات، وضيافة وفودنا على اعلى المستويات، وهكذا كان نزولنا في فندق بلازا........؟ الواقع في شارع خوزيه انطونيو بالعاصمة مدريد، وهما احدث واشهر فندق في اشهر شارع في مدريد العاصمة الاسبانية...! ولكثرة اشتياق وتواجد اخوتنا العراقيين قربنا ولقاءاتنا المتعددة يوميا خلال الايام التي كنا نبقى فيها في اسبانيا، استمعنا الى الكثير من المعلومات الحديثة عن تاريخ اسبانيا خلال القرن العشرين التي كان محورها الاكثر حضورا الرئيس الاسبق لاسبانيا فرانسيسكو فرانكو المنتصر في الحرب الاهلية الاسبانية..! الذي حكم اسبانيا بالحديد والنار حتى منتصف السبعينيات في زمنٍ ناهز الاربعين عاما من الحكم..! والعهدة على الراوي كما يقال..!

 

      ما يزال فرانكو الاسباني متّهماً في التاريخ الحديث بأنه تلميذ هتلر، وهذا هو شأن المنتصر في تشويه خصمه الخاسر ما دامت وسائل الاعلام كلها بيد المنتصر..! فهتلر وغيره من الخاسرين في الحروب، تذهب الحقائق معهم ولا احد يعرف ما جرى من تفصيلات في المواقف والافكار والانجازات..! فتحاك عليهم القصص والروايات التي تهدف الى تشوه تاريخهم، من هو المحق ومن هو الباطل..!؟ تبقى الحقائق مجهولة..! هكذا اذن، فالتاريخ يكتبه المنتصرون..! ورغم انهم جميعا يعدّون اعداء لنا في الفكر والتاريخ، الا ان بيان الحقائق مطلوب وحق مشروع لكل البشر.

 

      على كل حال، كان فرانشيسكو فرانكو في مجمل حياته السياسية عدوا لدوداً للشيوعيين، وانتصر في حربه الاهلية (1936-1939) بمساعدة صديقه الذي اصبح اقرب انسان له في حياته هو خوزيه انطونيو..! ما نحن فيه والحديث كله الان على لسان اخوتنا العراقيين. ان الشعب الاسباني كان خلال حكم فرانكو، كلٌ يدخل في بيته منذ الساعات الاولى من الليل..! ولا يسمح بالفوضى والترفيهات المتطرفة من اي كان. وعليه كان معظم الشعب الاسباني يشعر بالضيق والضجر من رئيسه فرانكو، لتقويظه الكثير من الحرية الفردية والجماعية للشعب الاسباني بصورة عامة.

 

      انتصر فرانكو وصديقه خوزيه انطونيو في حربهما الاهلية كما قيل لنا، بمساعدة فرقة عسكرية من بربر المملكة العربية المغربية، وعليه فان الاسبان حتى اليوم عندما تقول لهم انا عربي، يباشرونك بالسؤال من اي بلد عربي انت..؟ فان تبين انك مغربي تراهم يبتعدون عنك، لانهم لايحبون المغاربة بسبب مساعدة فرانكو في الحرب الاهلية..! ولعل الحق يقف الى جانبهم، وذلك لأن فرانكو بعد انتصاره بالحرب الاهلية بفضل البربر المغربي، أباح لهم مدريد كاملة بما فيها لمدة اسبوع، عاث فيها البربر المغربي ما شاووا من ذنوب لاتغتفر حسب قول الرواة من طلبتنا في مدريد..!

 

      خلال زياراتي الى اسبانيا المتعددة ضمن نشاطات فرقة التراث الموسيقي العراقي، زرتُ خلالها منطقة او مدينة (وادي الشهداء، او وادي الموت) اكثر من مرة: بالإسبانية. Valle de los Caídos ‏ وصعدنا حتى الى قمة الجبل وقرب الصليب..! واتذكر ان الجو كان باردا جدا ونحن قرب الصليب في اعلى الجبل. هو نصب تذكاري أمر ببنائه الرئيس الاسباني فرانسيسكو فرانكو، لتكريم من سقطوا ضحايا (الحرب الأهلية الاسبانية) حيث تم بناؤه بين سنوات (1940 و1958) يقع هذا النصب في بلدية سان لورينزو دي الأسكريال، في منطقة مدريد. يقع على بعد 9،5 كم في شمال دير الإسكوريال، ويضم قبور أكثر من ثلاثين ألفا ممن قاتلوا في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) المحسوبين على الجبهة القومية، بالإضافة إلى جثة خوسي أنطونيو بريمو دي ريفيرا وجثة فرانشيسكو فرانكو نفسه..! وفي سنة 1958 قررت الحكومة الإسبانية إنشاء مزار للجنود المحسوبين على الجانب الجمهوري، شريطة أن يكونوا كاثوليك. ومن معالم المبنى صليب ضخم بارتفاع 150 مترا يمكن مشاهدته من بعد 40 كلم. وبالنسبة لي فقد زرتُ هذه المنطقة اكثر من مرة خلال سفراتي المتعددة الى اسبانيا، ودخلتُ الى داخل الكنيسة الكبيرة التي فيها قبريْ (فرانسيسكو فرانكو وخوزيه انطونيو) المجاوران لبعضهما ومساويان مع سطح الارض تماماً دون اي ارتفاع..! وقد قيل لنا الكثير من التفصيلات وكنا نندهش مما نسمع، إلا أنني الآن وانا في عقلية يومنا هذا، لا ارغب في ذكر كل ما نقله لنا اخوتنا الطلبة في اسبانيا، لاحتمال ان تكون هناك مبالغة اكثر من اللازم ومن ثم قد نساهم في تشويه بعض التاريخ..! ومما قيل ايضاً، ان فرانكو عندما انتصر في حربه الاهلية واستتب له امر الحكم في كل اسبانيا، أمرَ آلاف الاسرى من الشيوعيين وهم مكبلون بالافصاد الحديدية (صوروها لنا مثل افلام هرقل الجبار عندما يُعذَب الاسرى بين الجبال وهم يعملون تحت وطأة الاهانة والضرب المبرح..!). واقع الحال كان فرانكو حسب رواية الطلبة قد امرَ الاسرى ان يحفروا الجبل في المنطقة التي دارت فيها اكبر المعارك الاهلية ووقع فيها اكثر الشهداء، لبناء كنيسة كبيرة، وفوق قمة الجبل الصليب الكبير الذي يصل ارتفاعه من قمة الجبل 150 متر..! واعداً إيّـاهم بتحريرهم من الاسر بعد اكمالهم بناء الكنيسة والصليب..! إلا انه وبعد ان اكملوا ما انجزوه من معجزة، قتلهم جميعا ودفنهم في نفس المنطقة..! ومن هذه الحالة سميت ربما المنطقة بوادي الموت او وادي الشهداء التي امست اليوم تدر على اسبانيا اموالا سياحية طائلة سنويا جراء ما اصبحت عليه المنطقة من مرفأ سياحي مشهور في انحاء العالم مع القصص التي حيكت حول تفصيلات الحرب الاهلية الاسبانية..!

 

وقد قيل لنا ايضا ما لم تذكره المواقع الالكترونية، بأن فرانكو لشدة ما يكره الشيوعيين، وصل به الامر الى قتل شقيقه لاحساسه بميله اليهم..! طبعا دون ان يعلن ذلك واقام له الحداد..! كذلك قيل ان خوزيه انطونيو وهو اقرب انسان لدى فرانكو لاقى نفس المصير لانه احس بميله ايضا الى الشيوعيين او طلب منه الرحمة بهم. واقام له الحداد ودفن قبله في كنيسة وادي الشهداء. وبعد ان مات فرانكو دفن بقربه. عجيب امور غريب قضية..! ورغم إرساء النظام الديمقراطي حاليا، إلا أن شبح حقبة فرانكو ما زال يطارد البلاد. فأُزيلت كل تماثيل فرانكو، وغُيّرت أسماء الشوارع. وهكذا دُفن جسد فرانكو وجسد خوزيه في (وادي الشهداء) مع عشرات الآلاف من ضحايا الحرب الأهلية من الجانبين.

 

ولد فرانشيسكو فرانكو لأسرة عسكرية في مدينة غاليثيا في الرابع من كانون الاول عام 1892، ثم أصبح أصغر جنزال في أسبانيا في عام 1926، في عمر الثالثة والثلاثين. وبعد انتخاب حكومة الجبهة الشعبية اليسارية عام 1936، نظم فرانكو ومجموعة جنرالات انقلابا، لتندلع حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات. انتصر فيها فرانكو عام 1939، بدعم ألمانيا النازية وموسوليني في إيطاليا، ثم نصب نفسه رئيساً لاسبانيا. وقد أحكم فرانكو قبضته على السلطة حتى وفاته في 20 تشرين الثاني عام 1975، من هنا بدأ التحول الديمقراطي في أسبانيا بعد وفاة فرانكو. ولكن في نهاية الامر ورغم كره الاسبان لفرانكو، إلا انهم يذكرون له الفضل الكبير في تجنيبهم الحرب العالمية الثانية، بحيث مشت الجموع الجماهيرية كلها في تشييعه..!

 

اعزائي القراء الكرام

       هناك الكثير مما لم اذكره لضيق المكان والحيز الذي يُـكتب عبر الفيسبوك واسباب اخرى، أما ما حصل للشعب الاسباني من الناحية الاجتماعية بعد وفاة فرانكو من انفتاح وجنون الحرية، حال لايوصف أبداً..! وقد لمستها بنفسي عن قرب خلال زياراتي الى اسبانيا. تفصيل يحتاج في تدوينه كتاب باكثر من جزء..! ومعلومات اخرى نتركها الآن الى فرصة اخرى ان شاء الله. لانني اطلتُ عليكم مع الاعتذار يا اخوتي الاعزاء.

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

اضغط على الرابط وتمتع بالفلامنكو

الفلامنكو الاسباني

https://www.youtube.com/watch?v=sLFH01qJT3k

 

فلامنكو آخر

https://www.youtube.com/watch?v=cm9IYSDxagc

 

وآخر

https://www.youtube.com/watch?v=XNhfV_53W7A

 

 

صورة 1 / حسين الاعظمي في وادي الشهداء 1977. وخلفه الكنيسة التي بُنيت داخل الجبل وفوقها الصليب.