حسين الاعظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعظمي (1189)

في النقد المقامي

 

     تنوع النقد الفني في كل مجالات الفنون، وعلى الاخص منها النقد الموسيقي. وكل فن من الفنون له تنوع في النتاجات وتنوع في النقد تبعاً لنتاجاته، ففي الموسيقى مثلاً، يمكن ان يكون هناك نقداً خاصاً بالاعمال السمفونية، او نقداً بفنون الغناء المحلي او العربي أو نقداً بفنون الغناء الريفي او فنون البيئات المتنوعة الاخرى أو تفصيلات وتنوعات اخرى في مجال النقد البناء، ومن هنا يمكننا ان نحصر نقدنا في شؤون غناء وموسيقى المقامات العراقية في مصطلح يكاد يكون جديداً في مصطلحات النقد الموسيقي هو(النقد المقامي)..! وهو جزء لايتجزأ من محاور النقد الموسيقي. وعليه كان الناقد المقامي المرحوم احمد شاكر سلمان اول من اطلق هذا المصطلح في الساحة الفنية، وهو الذي كتب ونشر وبحث في شؤون عالم المقامات العراقية كثيراً. ومن هنا ارى نفسي راغبة بالحديث بشيء موجز عن النقد الموسيقي والنقد المقامي وقيمة النتاجات المقامية.

    في حلقة سابقة تحدثنا عن الموسيقى ذات الجمال المسموع، وميزتها عن كل الفنون الاخرى بهذا الجانب العملي. من هنا فإن الفنان المغني المقامي، يقدم نتاجاته في غناء المقام العراقي، لا باعتبارها مادة غناسيقامية(هامش1) تراثية منجزةً ومهيئةً سلفاً. بل امست كشيء يتشكل ضمن وجودنا الحالي، وثقافتنا المتحركة. مع ادراكنا واحساسنا ان لغة اداء المغني بالتحديد ومن حيث المبدأ، البحث عن المعنى قبل كل شيء. لهذا يميل محمد القبانجي مثلاً، الى اخفاء دور المغني الذي يـُعـِدُّ كل نتاجه الغناسيقامي، باعتباره كمعد للعمل او مؤلف له..! ان كان ذلك بوعي منه او بدون وعي يذكر(هامش2). وعلى الارجح يفعل ذلك بوعي وتفكير عفوي تلقائي. فالعمل يُنجز ويُعاد إنجازه بصورة مستمرة ليس فيها تطابق، وانما تطورات وتحويرات مستمرة. فليس للمؤلف او المعد، الكلمة الفصل..! ولا حتى للناقد الموسيقي الذي هو الآخر لا يمكنه ان يفرض منظومة من المعايير الثابتة او الساكنة. بل انه على العكس، يعرف ان فهمه ونقده للاعمال الفنية الغناسيقية لا يفتقر الى التفرد فقط، بل انه خاص كذلك. وهو يتولاه بوصفه مغامرة..! وما يفعله الناقد الموسيقي، هو ان يعيد للنتاج الفني صفته الاصلية، باعتباره عملاً مفتوحاً امسى متحركاً ذو سرعة واستمرارية متزايدة.

             ان هذا الفهم للاعمال الفنية بصورة عامة. يجعلها تحيا من جديد دائما، خاصة في عصرنا السريع المتزايد السرعة. وهنا يكمن دور الناقد الموسيقي في اهدافه التقويمية للاعمال الفنية وبنائها الصحيح، وبالتالي فإن الناقد الموسيقي الحقيقي يجعل من العمل الغناسيقي في اطار رؤية متحركة واعية ومثقفة، لتصبح مُهمـَّتهُ مبدعة هي الاخرى. ويمكن ان ندرك ذلك من خلال كتابات نقاد المقام العراقي وكتابات النقاد الموسيقيين الكثيرة.

      لكن، من اجل ابتكار ذلك المستوى وذلك المنظور النقدي وتلك المنظومة من الملاحظات والتقويم والتفكير المتحرك، لا يمكن للناقد، او الناقد الموسيقي حسب تخصص موضوعنا الذي نحن فيه، تبحره الخالص او يكتفي بذلك..!

حقيقة اننا نتكلم عن الملاحظات التقويمية، او ما نسميه بالنقد الموسيقي..! ونحن نعرف انه اعطى فوائد كبيرة في النصف الثاني من القرن العشرين. كما كان عليه في النصف الاول نسبيا..! من خلال بعض الاسماء اللامعة من نقاد الموسيقى بصورة عامة والموسيقى المقامية على وجه الخصوص. حيث شكلت هذه الفوائد منظور مستقبلي للغناسيقى في العراق والمقام العراقي بالذات. ولكن مع حصولنا على تلك الفوائد والحصيلة الجيدة التي لمسناها من النقد الموسيقي والمقامي، فهي ليست الطموح كله وليست كافية بالحد الذي يصبح حديثنا عن النقد غير مهمَّـاً..! فربما تفتقر هذه الكتابات والابحاث النقدية الى درجة اعلى من الخيال النقدي ومن القدرة على التحليل المناسب للاعمال الفنية بصورة عامة.

     ان النقد المنشود الذي يقترب من الكمال، هو النقد الذي يتأسَّس على الحقائق..! لكن كيف يمكننا الوصول الدقيق الى ماهية حقائق عمل فني من الاعمال..!؟ لا يمكن التفكير به بمعايير موضوعية متحركة بصورة وثيقة، لانها متحركة..! فلا توجد حقائق احادية المعنى في الفن الغناسيقي وفي الفن المقامي تحديدا باعتباره تراثاً..! لا توجد في غناء المقام العراقي سوى اشكال ومضامين غنائية وموسيقية هي رموز تاريخية، وعلاقات بنائية هي رموز ايضاً، ومع ذلك ينبغي تفسيرها..! لا توجد معادلة رياضية او علاقة ثابتة كما مر بنا، فهذه العلاقة تتغير باستمرار مع كل مستمع..! ان كل تفسير لا يتضمن الخيال والتأمل يبقى ناقصاً..! مهما كانت امكانيات الناقد الثقافية والعلمية والعملية ورؤيته المستقبلية..! كما هو الشعر، لايسمى شعرا اذا لم يتضمن الخيال والتأمل(هامش3)، فبدون احلام الشاعر التي يجسدها في شعره، يبقى الكلام نظما وتلصيقا او اقحاما للمفردات اللغوية مع بعضها ضمن دائرة الايقاع العروضي.

بهذه التفسيرات فقط، تكتسب الملاحظات التقويمية النقدية في الوقت ذاته، الحماسة والمغامرة الموجودتين في كل عمل غناسيقي، يتأسَّس على المدرسة الادائية او الطريقة او الاسلوب او اللغة الادائية للمغني المقامي، بمعنى انه يضع منهجا، وهذا المنهج لا يأخذ في اعتباره إلا الواقع المتغير للعمل الفني، لهذا السبب، فإن النقد الموسيقي اذا كان تحليلا او مقارنة او استنتاجا، فإنه عاطفة كذلك..! توحُّد عميق مع العمل الفني، حتى حين يتضمن هذا التوحد معارضة في النهاية..!

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

1 – هامش1: غناسيقامية: المقصود غنائية موسيقية مقامية.

2 – هامش2: الوعي، الشعور conscience : ادراك المرء لذاته وما يحيط به مباشرة. وهو اساس كل معرفة حيث يمكن ارجاع مظاهر الوعي الى ثلاثة وهي الادراك والمعرفة، والوجدان، والنزوع والارادة، وهذه المظاهر متصلة ببعضها. كذلك للوعي والشعور مراتب مختلفة هي الشعور الظاهر، واللاشعور الذي يتضمن الميول والرغبات المكبوتة، وقبل الشعور الذي يكمن  وراء الشعور مباشرة، يمكن للفرد استحضاره متى اراد وهو مرحلة متوسطة بين الشعور واللاشعور.

3 – هامش3: التأمل contemplation . madltation : استغراق الذهن في موضوع تفكيره الى حد يجعله يغفل عن الاشياء الاخرى بل عن احوال نفسه.

 

 

صورة 1 / حسين الاعظمي يغني في فيينـّا مع فرقة التراث الموسيقي الــعراقي نيسان عام 1980.