حسين الاعـظمي
يوميات حسين الاعـظمي (1346)
مانشيت/ 2 نظرة في التاريخ العربي الاسلامي
حلقات مقتطعة من كتابي (افكار غناسيقية) الجزء الثاني، كتاب مخطوط لم يصدر بعد.
بعض المانشيتات الداخلية من (الفصل الثالث) والبحث المشارك في(مؤتمر الحضارة الاسلامية في الاندلس/ القرن السادس الهجـري، الثاني عشر الميلادي) بالعاصمة الجزائرية آذار 2007).
البحث (الموسيقى الاندلسية، في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي) آذار 2007.
***
مانشيت/ 2 نظرة في التاريخ العربي الاسلامي
شهد التاريخ العربي الاسلامي أحداثا جسام على مدى تأريخه المكثف بشتى النجاحات والاخفاقات، وكانت له ولادة حضارة جديدة في مغربه قُـدِّرَ لها ان تكون من اعظم الحضارات الانسانية التي ساهمت في بناء القيم الفضيلة السمحاء والمبادئ الاخلاقية وتطورالفكر الانساني. فلم يكن الوجود العربي الاسلامي في الاندلس احتلالاً لاراضي اجنبية، وانما كان رسالة حضارية في زمن مناسب كانت الانسانية في حاجة اليه..! بدليل استمرار هذا الوجود العربي الاسلامي ثمانية قرون، اعطى فيها العرب المسلمون في الاندلس عصارة امكانياتهم من العلوم والاداب والفنون في بناء الحضارة الانسانية (هامش1) وكان لتطور فنون الموسيقى في هذه الحضارة الاندلسية القِدح المعلّى كما يذكر ذلك كل المؤرخين..! فالموسيقى الاندلسية التي نسمعها اليوم، ما هي إلا تراث تلك الحضارة العربية الاسلامية الموجود في الجانب الغربي من الوطن العربي الكبير. رغم ان طابعه وتركيب ألحانه ونظام تأليفه إمتزج بطابع خاص، هو وليد عملية اتصال حضاري بين الموسيقى المشرقية للوطن العربي التي ساهم في نقلها زرياب العباسي والموسيقى المغربية معاً من جهة، بالموسيقى الاسبانية القديمة من جهة اخرى(هامش2)..!، ومن خلال عملية التأثر والتأثير هذه إمتزجت كل هذه المكونات مع الموسيقى الاندلسية وامسى لها كيانها الخاص التي لا نزال نسمعها في الاخص بالمغرب والجزائر وتونس باسم آخر له صدى كبير هو(موسيقى غرناطة) (هامش3) التي إنطلقت الى الافاق ولم تبق حبيسة المقامين الكبيرين الصغير والكبير(minor and major) وعليه تعتبر هذه الموسيقى واحدة من الامتدادات والروافد التي تفرعت عن الموسيقى العربية في مفهومها العام.
في القرن العشرين ولدت البشرية من جديد وامسى هذا القرن منعطفا عظيما في تاريخها. من خلال ظهور الكثير من الانجازات التكنولوجية وتطورها السريع، التي ما انفكت تزداد تطوراً سريعاً جداً بمرور الزمن، ولعلَّ أبرز هذه الانجازات ظهور جهاز التسجيل الصوتي الذي أمسى الانجاز البارز في هذا المنعطف التاريخي في مسار الحياة البشرية. هذا الانجاز الذي قورن بانجاز اكتشاف الكتابة في بلاد الرافدين(3200 ق م). فقد إستطاع الانسان من خلال جهاز التسجيل الصوتي، ان يسجل صوته ثم يعيده ليسمعه ويكرر ذلك مرّات ومرّات..!! وهكذا كان الحظ بالغ السوء لكل المغنين والموسيقيين الذين عاشوا قبل ظهور هذا الابتكارالعظيم على مدى التاريخ وذهبت اصواتهم ومخلفاتهم ادراج الرياح..!! وبالمقابل أمست الحياة بعد هذا الانجاز الخطير اوفر حظاً بصورة كبيرة لكل الفنــــانين الذين ظهروا منذ بدايات القــرن العـشرين حتى حاضرنا ومستقبلنا.
ومن هذا التاريخ الحديث ولهذه الاسباب، بدأت مرحلة جديدة فعلاً في تاريخ تطور موسيقانا وغنائنا، بل الحياة برمَّتها، وبطبيعة الحال امسى التفاعل بين الشعوب اكثر قوة وتاثراً وتاثيراً من خلال تطور اجهزة وسائل الاعلام في النشر والتوزيع والاتصال والحفظ. فإختزلت المسافات وإختصر الزمن، بحالة اسرع من أي وقت مضى وبصورة مستمرة متزايدة.
عليه فقد ظهرت التسجيلات الصوتية لمغنينا وموسيقيينا الى الوجود وأصبح بالامكان الاستماع اليها في أي وقت نريده..!!
بصورة موازية، كان الابداع الاندلسي في القرون الاولى للحكم العربي الاسلامي. ابداعاً يكاد يكون محصورا في الاندلس نفسها، او هو كذلك بالفعل، حيث كان التفاعل الدرامي(هامش4) منصبا فيما بين الطبوع (المقامات) وتفصيلاتها التي كانت مقتصرة على سلّمي الصغير والكبير (minor and major) في الحذف والاضافة والتغيير والتقديم والتأخير بديناميكية(هامش5) هيكلية محددة الأطر والمعالم..!! وما أن حلَّ القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي. حتى غدت هذه الديناميكية تزداد تفاعلاً درامياً متصلاً ومتواصلاً مع الحقبة الثقافية والعلمية والفنية التي عاشتها الاندلس، والتي زادت ازدهارا في هذا القرن من حكم العرب المسلمين للاندلس والمغرب العربي. الامر الذي أدى الى ازدهار جديد للغناسيقى الاندلسية..!! لتتفاعل بصورة اكثر وضوحا وتأثيرا ممتزجة مع موسيقى الشرق والغرب العربي. فكان من ثمار هذه الظروف الثقافية والواقعية من القرن السادس الهجري، ظهور غناسيقى اندلسية اكثر وضوحا في الشكل والمضمون التي تجـــاوزت حدود المحلية..!!
ان هذا النوع الفني من التراث الغناسيقي(الغناء والموسيقى الاندلسية) الذي يستثيره بإلحاح الواقع المحيط وانعكاسات البيئة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ....الخ والواقع الذي يحويه الشعب الاندلسي من قوميات واديان داخل انفسهم، والذي يتنازعه خلق الخيال والتأملات والاحلام واستقصاء الواقع. وهو لا يكف عن تطور هذه الغناسيقى الاندلسية على صورة الشكل(form) من مسارات لحنية وايقاعات وغناء انفرادي وجماعي وانتقالات سلّمية التي تدل عليها، أي انها في تطور وتوسع دائمين.
وهكذا امسى الابداع الموسيقي الاندلسي في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، وواقعه الثقافي مع ثبات الحكم الاندلسي الاسلامي على مدى قرون ثمانية، واقعاً ملموساً ومنحىً حذا حذوه الجيل اللاحق بل الاجيال اللاحقة من المغنين والمنشدين والموسيقيين.
وفضلا عن ذلك فقد كان القرن العشرون الميلادي وظهور جهاز التسجيل الصوتي فرصة كبيرة ومناسبة لتدوين هذا التراث الاندلسي في الموسيقى والغناء، فإرتقى عدد التسجيلات الغناسيقية الى ارقام كبيرة مع تأكيد توثــيقها وارشفتها سواء من خلال شركات التسجيل الاجنبية او في دار الاذاعة والتلفزيون بعدئذ.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
- شبكة الانترنيت.
2 - عبد الجليل، بن عبد العزيز، الموسيقى الاندلسية المغربية، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1988، ص6
3- نفس المصدر السابق، ص8
4 - الدراما: الصراع والتفاعل بين ضدين، يلد فعل ورد فعل.
5 - الديناميكية: نعني بذلك الحركة الفنية المستمرة المتصلة المتنوعة في دائرة العمل الفني الموحد.
صورة واحدة / حسين الاعظمي يلقي بحثه في مؤتمر الاندلس عن الموسيقى الاندلسية خلال القرن السادس الهجري والثاني عشر الميلادي. آذار 2007.