حسين الاعظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعظمي (1396)

المقام العراقي رواية العراقيين -2

 

جانب من نشوء الشكل المقامي

      تبلورت التأثيرات المباشرة القادمة من غرب واواسط اسيا في كل نواحي حياتنا في العراق خصوصا والوطن العربي عموما. بعد ان تعرض عمقنا العربي والاسلامي لهذه التأثيرات الآسيوية بصورة طبيعية نتيجة الاتصال الثقافي وتلاقح الحضارات عبر مئات وآلاف السنين..! ولكن هذه التأثيرات اصبحت غير طبيعية واعمق حدوثا من اي تاريخ مضى بعد سقوط العباسيين (656هـ 1258م) التي حكمت من (132 الى 656 هـ/ 750 الى 1258م)، وهيمنة الاقوام الغازية على كل ممتلكات الدولة العباسية واصبحت متداخلة في صلب الواقع الحياتي لمجتمعنا العراقي والعربي. ولعل من اهم هذه التاثيرات كانت في الغناء والموسيقى. حيث كان يطلق وما يزال، على هذه الاداءات الغنائية، الموجودة في شعوب الغرب الاسيوي بمصطلح (المقامات) ونتيجة لهذا التداخل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين العراق والوطن العربي من جهة، والاقوام الغازية والمحتلة لكل ممتلكات الدولة العباسية من جهة اخرى. وعليه بدأ يتكون ويتبلور بالتدريج شكل غناسيقي (Form) عراقي في بغداد، نتيجة امتزاج هذه التأثيرات بالغناسيقى العباسية العراقية. وبمرور الزمن توضحت اسس هذا الشكل الغناسيقي من خلال بدايته ووسطه ونهايته، حتى نضج وقوي عوده ليصطلح على تسميته بعدئذ بـ(المقام العراقي)(هامش1). ورغم كل ذلك، لن نستطيع ان نعثر هنا على اي شيء يلقي ضوءاً حقيقيا على ظاهرة تكوين هذه الاسس الشكلية لهذه المقامات التي اقترنت بصفتها الاقليمية (المقام – العراقي) وما يهم هنا ليس الا الحفاظ على التعابير البيئية وانعكاسات المحيط المعاش. وليس صورة دقيقة لعصر تاريخي محدد.

 

         ان هذه الحالة الاساسية للموقف التراثي الغناسيقامي(هامش2) ما تزال ثابتة من حيث المبدا، بالرغم من ان الواقع سائر في ابراز معالم الحاضر المحددة بامكانية فنية متعاظمة باستمرار. وعندما نتأمل مثلاً بعض التسجيلات المقامية الاولى من مغني اتباع الطريقة الزيدانية(هامش3) امثال الحاج جميل البغدادي (1876–1953م) ورشيد القندرجي (1886 – 1945م) وغيرهما. نراها تصور الحاضر بشكل واقعي واسع يتناول حياة الشعب ومعاناته وهمومه بصورة صادقة وامينة. وفي نفس الوقت وعلى هذا النحو نرى مقامات اخرى مسجلة باصوات مغنين آخرين من اتباع الطريقة الزيدانية كعباس كمبير المولود عام (1301هـ) ونجم الشيخلي (1311 – 1356هـ) ويوسف حريش المولود عام (1307هـ) وعبد الفتاح معروف (1881 – 1989م) وجميل الاعظمي (1902–1967م). تكتسب محسوسية اكبر بكثير مما كان مألوفا في الفترة السابقة في غناء المقامات العراقية وفي معظم التسجيلات اللاحقة. وفي الحقيقة فإن رشيد القندرجي وهو ابرز مغني اتباع الطريقة الزيدانية، كان عالما بالفطرة الى حدٍ ما، بأن هناك تطورات في الافق ستحدث نتيجة التطورات التكنولوجية القادمة. وقد صدق حدسه واحساساته العفوية، لينفرد بعدئذ عن زملائه المعاصرين من اتباع الطريقة الزيدانية، ليؤسس لوحده اسلوبا وطريقة خاصة به استطاعت ان تكوِّن لها اتباع من اللاحقين اطلق عليها بـ(الطريقة القندرجية)(هامش4).

 

        ان صدق التعابير الحقيقية في الاداءات المقامية وفي الجو التراثي التاريخي، الذي من الممكن ان نحياه مرة اخرى في التسجيلات المقامية الاولى اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، تعتمد على الطابع الغنائي الشعبي في فنون المؤدين المقاميين، الذي جوبه بشعبية كبيرة في الاوساط الجماهيرية. ويمكننا القول بان هذه التسجيلات الغنائية للمقامات العراقية، اشاعت في تعابيرها الصادقة، الرضى والقبول لانها عبّرت عن هموم ومعاناة ومشاكل الشعب العراقي بصورة واسعة ومثيرة، عندما بدأ الاستماع لاول مرّة عن طريق الاجهزة الصوتية المبتكرة حديثا زمنذاك، ثم جرى توسيعها بمرور الزمن عبر التوسع الصناعي والتكنولوجي حتى يوم الناس هذا.

 

        لقد ادرك معاصرو المطرب احمد الزيدان ووارثوه المهمون من اتباع طريقته الغنائية. بأن احمد الزيدان وتابعيه من المغنين المقاميين، يصورون القضايا التاريخية والتقاليد الاصولية في غناء المقام العراقي بوصفها حياة الناس. وفي تعابيرهم الغناسيقية يوضحون كل التاثيرات والتغيرات والتطورات التاريخية في الحياة اليومية. وهكذا فإن الطابع الشعبي لفن احمد الزيدان واتباع طريقته الغنائية، لا يبقى فقط في تصوير هموم ومشاكل الطبقة الفقيرة فحسب، بل يتعدى ذلك الى تصوير مجموع الحياة الوطنية وكل طبقات المجتمع وفئاته الاجتماعية والثقافية في تفاعلاتها المعقدة الدينية والدنيوية.

 

        ان صور هموم ومعاناة ومشاكل المجتمع العراقي ترسم تماما بنفس الاسلوب الذي يعبّر عنها من خلال المقامات العراقية المؤداة من قبل اتباع الطريقة الزيدانية، الذين استطعنا ان نستمع اليهم بواسطة جهاز التسجيل الصوتي، وما علينا الا ان نبحث ونستمع الى بعض هذه المقامات العراقية المغناة باصوات المغنين الاوائل الذين ادركوا زمن ابتكار جهاز التسجيل الصوتي.

 

        ان الهدف الفني لكل المغنين المقاميين بشتى انتماءاتهم الاسلوبية في الغناء المقامي، هو اظهار قدرة الانسان العراقي على التفاؤل واشاعة الامل في متسع الحياة بعيدا عن الخيبة واليأس والهروب التي تخلفها الاحداث المأساوية للمجتمع عبر تاريخ العراق المأساوي.

        هكذا هي التعابير الادائية المقامية تكاد تشكل ملحمة غنائية هائلة. بل هي ملحمة كبيرة وعالم خاص مستقل يتعالى في لجيٍّ يغرف من حقائق الواقع الانساني والتاريخي العميقين. لدى المغنين العراقيين الذين يعبرون عن حقائق انسانية تاريخية عميقة، الكامنة دائما بصورة خفية في دواخل الانسان. لتظهر فجاة وبقوة هائلة الى السطح عندما يتطلب الظرف المعاش ذلك..! لان هذه الامكانيات لا تحتاج الا الى الظرف المناسب او الفرصة المناسبة للظهور والتعبير عن الحدث والواقع المعاش. وبهذه الاساليب التعبيرية القائمة على اظهار الصور الانسانية، يصبح من الممكن ان يكون التاريخ حياً وباعثاً على حياة حاضرة ومستقبلية حالمة ومتفائلة..!

 

      في كامل ما انتجه المغنون المقاميون من تسجيلات غنائية في المقام العراقي، نجد نماذج غنائية كبيرة ومميزة واكثر روعة من غيرها. انتجتها نخبة مميزة من المغنين المقاميين سواء كانت باصوات المغنين من مؤسسي الطرق الغنائية او من اتباع طرقهم المميزين. كأحمد الزيدان ونجم الشيخلي وعباس كمبير الشيخلي ويوسف حريش ورشيد القندرجي وعبد القادر حسون (1910–1964م) واحمد موسى (1905–1986م) وشهاب الاعظمي (1918–1997م)  ومحمد القبانجي (1901–1989م) ويوسف عمر (1918–1986م) وعبد الرحمن العزاوي (1928–1983م) وناظم الغزالي (1921–1963م) وحسن خيوكة (1912–1962م) وجميل الاعظمي وغيرهم. وبهذا الشكل تبعث الى الحياة تلك المبادئ التراثية والتاريخية بأخلاق الرجولة والاخلاق السامية والسمو الروحي التي تستند اليها جماهير الشعب كله. ليصبح الكثير من هؤلاء المغنين المقاميين، مغني عصورهم الكبار. وعليه لابد لنا مرة اخرى ان نسجل اعجابنا بهذه النتاجات الغنائية المقامية باصوات هذه النخبة المميزة من مغني المقامات العراقية الذين جسدوا باصواتهم وتعابيرهم، التراث والتاريخ بقدرة مميزة ورائعة في ترجمة الماضي العريق لبلدنا العراق. فهم يملكون حســَّـــــاً بالضرورة التراثية والتاريخية ربما اكثر اصالة من مغنين مقاميين آخرين.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

 

هوامش

1 – المقام العراقي : انظر كتابنا المقام العراقي باصوات النساء ص ......

2 – الغناسيقامي : الغنائي الموسيقي المقامي

3 – الطريقة الزيدانية : نسبة الى مؤسسها المطرب احمد الزيدان

4 - الطريقة القندرجية : نسبة الى مؤسسها المطرب رشيد القندرجي

 

 

صورة واحدة / من مسرح قرطاج الدولي بتونس في 4 آب 1994. حسين الاعظمي عضو لجنة تحكيم مهرجان الاغنية العربية للشباب(المايك الذهبي) يتوسط مجموعة من المغنين المشاركين في المهرجان. في اليمين الاردني ياسر فهمي والبحريني فوزي الشاعر والعراقي مهند محسن والتونسي صابر الرباعي.