رانية مرجية
حين تتحوّل البلايا إلى مرايا للرجاء
رانية مرجية
كثيرة هي البلايا، نعم، وهذا ليس سرًا ولا انكسارًا في وجه الحياة. إنّها الحقيقة العارية التي يضعها سفر المزامير أمامنا، بجرأة لا تعرف المواربة. لكن، وأنا أستعيد هذه الكلمات، لا أقرأها كحكم قاسٍ يُسجن فيه الصديق، بل كقصيدة خلاص خفيّة، كجرس يذكّرني أنّ الألم ليس نهاية الطريق بل بدايته.
نحن لا نولد معصومين من الشقاء، بل لنتعلّم منه، لنتطهّر في نيرانه، ونكتشف أنّ وراء كل دمعة معنى أعمق، وأن وراء كل سقوط يدٌ غير منظورة تمتد لتنهض بنا. فالبلايا ليست عبثًا يطعن الذاكرة، بل مرايا تعكس هشاشتنا وقوتنا في آن.
الألم كحقيقة وجودية
أيّ صدق ينبت بلا جرح؟ أيّ روح تنضج بلا اختبار؟ إنّني أرى في البلاء مدرسة للروح، فيها يتعلّم القلب أن يثق بالله حين تتهاوى ركائز الأرض، وفيها تتجلّى لحظة العجز الكبرى التي تفتح أبواب الرجاء.
فالمزمور لا يقدّم عزاءً بارداً، بل يفتح أمامنا أفقاً مختلفاً: أن الألم ليس عقوبة، بل طريق. أنّه حوار صامت بين الإنسان وربّه، حيث تُختبر المحبة في أوج ضعفها، ويولد الإيمان في قلب الظلمة.
بين الرجاء والمعجزة
“كثيرة هي بلايا الصديق” ليست لعنة، بل إعلان أن الصديق لم يُعفَ من حمل الصليب. لكن الجملة التالية، “ومن جميعها ينجيه الرب”، تنقذ النص من قسوة العبث. ليست وعودًا مؤجلة في الآخرة فقط، بل هي خلاص يتكرّر في كل لحظة ننجو فيها من موتٍ داخلي، في كل مرة نغفر فيها بدلاً من أن نحقد، ونحب رغم الخيانة، ونبتسم في وجه جرح لم يلتئم بعد.
المعجزة الكبرى ليست أن تختفي البلايا، بل أن يتحوّل القلب الجريح إلى سفينة تواصل العبور رغم العاصفة. أن نكتشف أنّ الله لا يلغي الألم، لكنه يمنحه معنى، ويحوّله إلى بذرة حياة جديدة.
رسالة إلى القلوب المتعبة
أكتب هذه الكلمات وأنا أعلم أنّ العالم ينهشه الخراب، وأن الحروب والخيبات تجعل النفوس مثقلة. لكنني أؤمن، رغم كل ذلك، أنّ الخلاص ليس وهمًا ولا حلمًا بعيدًا. فالله لا يعدنا بسماء من غير غيوم، بل يعلّمنا أن نكون نحن الغيمة الممطرة وسط القيظ، وأن نصير نحن الرجاء المتجسّد في قلوب من حولنا.
إنّ الآية ليست خبرًا عن الماضي، بل رسالة إلى حاضرنا: البلايا كثيرة، نعم، لكن الخلاص ممكن. والمعجزة تبدأ حين نجرؤ على أن نؤمن أنّ الرجاء أقوى من الموت