باسل شامايا

 مقالات اخرى للكاتب

الفضاء الإخراجي والفرضية التي نعتمدها في الإخراج

 

إن أول الفضاءات الإخراجية التي يتحرك من خلالها المخرج منطلقا برؤيته الإخراجية هو فضاء المكان الذي يخطط لكيفية إنشائه لكي يقدم منه عرضه المسرحي ثم يبدأ بتأسيسه تشكيليا وذلك من خلال توظيف مفردات وعلامات تحركه بصريا وفكريا وجماليا ، وبعد ان تؤسس المكان عليك ببث روح الرؤية فيه وهذه الروح هي : (الحركة التشكيل، التكوين الضوء، اللون والمفردات ) ، أما الفضاء الآخر فهو : كيفية تحريك الشخصيات لتجسيد أحداث المسرحية ضمن فضاء المكان ، وعليك كمخرج ان تنطلق من خلال عدة محاور لكي ترسم حركة تلك الشخصيات ، الأول : نطلق عليه ( البؤرة المركزية ) وأقصد بذلك انك تحدد نقطة في الفضاء الأول ( المكان ) لتنطلق منها الأحداث .. اما المحور الثاني فيتكون من عدة مستويات والتي تتشكل منه الحركة كالمستوى ( البصري ) الذي يعتبر مركزا لانطلاق الشخصيات في تكوين وإنشاء الحركة والمستوى الثاني هو الذي يتداخل مع الأول أي ان الحركة تنطلق ضمن البعدين الأول والثاني ولكنها تكون متصلة معهما لتعميق الثيمة(الفكرة ) ونسميها مصطلحا ( خلفية العرض ) ولا بد لها ان تتحرك ضمن إيقاع جمالي تشكيلي بصري .. هكذا يتم تأسيس الحركة على المسرح وعلينا ان نعلم بأنها أي الحركة ليست مراكز انتقال من يمين المسرح الى يساره أو من وسطه الى أعلاه أو من أسفل يساره الى أعلى يمينه بقدر ما هي معنىً دلالياً فكرياً لا تعتمد في رسمها على الفعل ورد الفعل .. وان خطوط الحركة يجب ان تكون جماعية في وحدتها وتكوينها فلا تدع الممثل يتحرك ويتبعه الآخر ، فالحركة هي كمٌ من الخطوط المتشابكة المتداخلة تحمل بذلك معاني فكرية عديدة ، اما عملية التكوين فتتشكل من خلال علاقة الممثل مع الممثل او مع الكتلة او الضوء او الديكور .. إذن المحور الذي تتعامل معه كمخرج معتمدا على فرضيتك الإخراجية التي تؤسسها هو عملية تحويل النص الأدبي المقروء الى تجسيد واستيقاظ زاخر بالعلامات والدلالات . فالقراءة الإخراجية في المسرح الحديث تنطلق من القراءة الحرة للنص والتي تخترق سكون النص فتحركه ضمن فضاء الرؤية .. أما الإخراج فهو الفرضية التي يتأسس من خلالها العرض المسرحي ، وعلى سبيل المثال حينما تقبل لإخراج إحدى مسرحيات شكسبير او أي نص سواء كان محليا او عالميا ، عليك ان تؤسس في البداية فرضيتك والتي ستبني عليها وحدة العمل ومن خلال هذه الفرضية تنطلق في عملية التأسيس مؤكدا ومرتكزا على ملاحظات مهمة عليك العمل بها منها : عدم ترجمة النص الأدبي من خلال مفهومك المعرفي ، بل العكس من ذلك عليك ان تشاكسه وتبحث ما وراءه لتقدم خرائط ورؤية جديدة تختلف عن تلك التي رسمها وأوجدها المؤلف حين كتابته النص ، والمخرج يجب ان لا يكون مفسرا بالشكل الوظيفي والتقني المباشر للنص بل مفسرا للظواهر الكونية أولا فينظر للنص بأنه كوني لا مادة مقروءة نترجمها بشكلها الحرفي .. فالخارطة الإخراجية تختلف تماما عن خارطة النص التي ثبّتها المؤلف ، لذلك هناك من المخرجين العاملين في مجال الإخراج المسرحي يعلنون عن نهاية المؤلف او ( موته ) حينما يبدؤون بوضع رؤيتهم الإخراجية حيث يغادرون رؤية المؤلف التي اعتمدها في كتابته للنص ، لذلك ينصحون بعدم التعامل مع المعلن في النص بل على المخرج اكتشاف ما وراء النص من المخفي وغير المعلن ، إذن علينا ان نتوغل الى أغوار ومكامن النص حتى نصل الى آخر طبقاته الفكرية لا ان نتلامس معه ظاهريا .. حينها سندخل الإخراج الى فضاء الفلسفة وهذا ما يريده المسرح الحديث بقراءاته الجمالية والفكرية وهنا يؤكد كروتوفسكي : ( ان النص هو الأرضية التي تنشأ عليها رؤى المخرج  وعلينا هندسة هذه الأرضية ضمن الخرائط الجمالية والفكرية لمعمارية الرؤية التركيبية ) وهذا يعني بأننا سنعيد قراءة النص بمحاور متعددة ومثال على ذلك رؤية المخرج العراقي صلاح القصب في عرضه لمسرحية

 ( مكبث ) ومسرحية (هملت عربيا) للمخرج الأستاذ سامي عبدالحميد . اما المسألة المهمة الأخرى التي تعمل بها لتحقيق فرضيتك الإخراجية فهي اختيار نوع المسرح  الذي ستعرض عليه منجزك المسرحي وهنا يتم العرض معتمدا على مساحتين الأولى : نسميها المساحة المغلقة أي ( مسرح العلبة ) فان فضاءات هذا المسرح تسمى بالفضاءات المغلقة أي فضاءات محدودة ضمن مساحة معمارية ، وعليك ان تعمل ضمن هذه المساحة .. اما النوع الثاني فهو مساحة الفضاء الحر أو (المسرح المفتوح ) الذي نخرج بالعرض المسرحي إلى أماكن ذات امتداد بصري .. ويعتمد هذا العرض على عمق تشكيلي دقيق عليك أن تملؤه بعلامات ومفردات وإشارات متعددة ترتبط بوحدة الأفكار والتي تكوّنها أنت كمخرج وكقائد للعملية الإبداعية وان المفردة ليست إلا فكرة تستخدمها لتجسد من خلالها رؤيتك الإخراجية ، فحينما وضع الدكتور المخرج العراقي صلاح القصب علامات مرورية في عرض مسرحية مكبث برؤيته الجديدة حينما تم عرضها  على الفضاء الحر في باحة كلية الفنون الجميلة قسم المسرح ، كان يعني ذلك انه حمّل المكان بعلامات فكرية أسسها بأيديولوجية ومنطلقاته الفرضية التي أسس بها عمله الإخراجي وأن تعامله في هذا النوع من المسرح لا بد أن تكون عناصر العرض المسرحي كالموسيقى والمؤثرات الصوتية طبيعية تتأسس من خلال أصوات منبهات السيارات والدراجات كما أن الضوء يعتمد على الجو الواحد يعني لا توجد هناك إنارة متقطعة كما يحدث في الفضاءات المغلقة فتبقى الوحدة الضوئية واللونية واحدة على امتداد العرض . وفي الأخير أود ان أقول على كل من يدخل الى عالم الإخراج عليه الاستعانة في منجزه المسرحي على فرضية يعتمدها في المراحل التي ينجز فيها المسرحية كما أود ان أوضح بعض النقاط المهمة التي تجعلك مواكبا للأساليب الإخراجية الحديثة وفي مقدمتها الابتعاد عن السطحية في العملية الإخراجية بل كن دقيقا واحفر في متاهات النص حتى تجد ما تبحث عنه ولا تعتمد على رؤية المؤلف بل اعد صياغة النص بطريقتك التركيبية واقلب كل جملة في النص وحولها الى معاني تخدم رؤيتك وبإمكانك ان تعتمد التشفير في الديكور المقترح والذي يفضل ان يكون بسيطا بحيث توظفه كيفما تشاء ( طبعا هذا إذا كان جمهورك من النخبة ) ولكن إذا كان العكس ، أي جمهور متواضع بسيط فلا تكن قاسيا عليه في استخداماتك وتعقيداتك في التشفير والتأويل .