باسل شامايا
زيارة الى دار أم الشهيد جمال صادق يلدكو

وفاءاً لأستذكار أحبتنا ابناء وبنات القوش البررة .. اولئك القناديل الذين رحلوا عنا قبل اوانهم مسترخصين الموت من اجل قضية وطنهم العادلة .. أخذتني خطواتي الى محلة سينا للقاء سيدة خطف منها النظام الدكتاتوري المنهار ولدها الزاخر حيوية وشباباً ( الشهيد جمال صادق يلدكو ) أحد شهداء الوطن الذي اختطفته أيادي الخيانة والغدر عام 1981 وهو في طريقه الى الموصل لتأدية واجب وظيفي تم تكليفه به من قبل دائرته ( زراعة القوش ) وكانت تلك خطة ومؤامرة حاكها الموغلون في الاجرام ليتم بموجبها القاء القبض عليه ، وبالفعل نفّذ المخطط من قبل أزلام الطاغية الذين تربصوا له وتابعوه منذ مغادرته القوش في باص لنقل الركاب وحتى وصوله الى الموصل وهناك حاصره الاوباش قاطعين عليه كل الطرق للفرار والتخلص من قبضتهم ، فساقوه الى حيث مصيره المجهول وكعادتهم قبل ان ينفذوا به حكمهم الجائر أذاقوه ابشع انواع التعذيبالنفسي والجسدي حاله حال المئات بل الآلاف من المناضلين الذين فاضت بهم زنزاناتهم القذرة واعدموادون محاكمة .. وفي المحصلة النهائيةنال ابنها مجد الشهادة على ايدي اعداء الانسانية ولم يعثر على دليل يثبت اعدامه الا بعد سقوط النظام حينما ظهرت جرائمه على سطح الواقع من خلال مئات القوائم التي سطرت عليها أسماء لآلاف من الأبرياء وضحايا النظام الدكتاتوري الأرعن، وجسّدت مئات المقابر الجماعيةالتي اكتشفت بعد السقوط ، هذه الحقيقة التي باتت وصمة عار على مرتكبي هذه الجريمة الشنعاء .. لا أريد ان أطيل اكثر في ديباجتي لأنني مهما اكتب عن هؤلاء الخالدين فلا استطيع ايفاءهم حقهم في التضحيات الجسام التي لم يبخلوا عليها عطاءاً لوطنهم وشعبهم .
ولجت الى دار الأم الصابرة دون موعد مسبق والتقيتها في غرفة كبيرة تؤطرها أثاث فاخرة وتتوسطها منضدة واربع طبلات صغيرة وعليها مزهرية تحمل باقة جميلة من الورود الحمراء وبينما اتمعن النظر في محتويات الغرفة وقع ناظري على صورة الشهيد جمال في الزاوية الأمامية للغرفة فاقتربت من الصورة وتأملتهابعض الشيء فأعادتني ابتسامته المعهودة في الصورة الى الماضي السحيق ، فآلمني ذلك كثيرا وأأتلقت من عيني دمعة لم اتمكن من احتوائها لكنني أخفيت الألم ومسحت الدمعة حينما أحسست بوجود والدته المفجوعة ، فاقتربت منها لأبدأ لقائي وتفاجأت عندما شاهدتها وهيتحتضن صورة الشهيد بين حناياها الظمأى ، فاستهليت اللقاء بكلمة شكر وامتنانعلى استعدادها لأجراء هذا اللقاء بالرغم من كبر سنها ( 85 سنة ) ومعاناتها من أمراض تحول دون القيام بمثل هذه النشاطات، وبلغة متواضعة بسيطة قالت : اشكرك على اهتمامك المتواصل باستذكار ولدي الحبيب جمال فانك بهذه المبادرة تجعلني اقضي لحظات حزينة ومفرحة باستذكار ولدي الشهيد واستذكار تلك الايام الزاهية التي كان الغالي يملؤها رونقا وجمالا .
س// كيف ومتى غادركم الشهيد جمال ...؟
ام الشهيد // في مساء 19/8/1981 طلب مني الشهيد قبل ان يستسلم للنوم ان أوقظه صباحا لأنه كان مكلفا من قبل دائرته في القوش للذهاب الى الموصل لانجاز واجب وظيفي .. وعندما توجهت الى حيث سريره تفاجأت بجهاز الراديو الذى كان دوما يستخدمه لسماع الأخبار قد وقع أرضا وتناثرت اجزاؤه هنا وهناك فتسمرت في مكاني انظر اليه والى الراديو المحطم فجمعت تلك الأجزاء ووضعتها على المنضدة القريبة منه وعندما مددت يدي لإيقاظه أوقفني صوت قادم من البعيد : إياك أن تفعلي دعيه غارقا في نومه ...! فتراجعت وأبعدت فكرةإيقاظه عن مخيلتي .. لكنّ وصيته لي قبل ان ينام وتأكيده على ضرورة إيقاظهجعلني ثانية اقترب منه وناديته بصوت أشبه بالهمس لكنه لم يستجب لندائي لأنه كان غارقا في نوم عميق فحاولت مرة أخرى وأخرى ومددت يدي الى رأسه ورحت أمسد شعره حتى فتح عينيه ونظر الى الساعة فانتفض من سريره ممتعضاً على تأخره عن واجبه فارتدى ثيابه وخرج دون ان يتناول فطوره .. ومع رجائي منه لتناول كوباً من الشاي غادر البيت دون ان يصغي وخرج من البيت الى حيث مصيره المجهول .. فتوجه الى الموصل وكما ذكرنا آنفا كان أزلام النظام الفاشي يترصدونه ويراقبونه عن كثب حتى سنحت لهم الفرصة للانقضاض عليه وخطفه في وضح النهار .. هكذا غادرنا ولم يعد .. انني كلما أتذكر غيابه ألوم نفسي على إيقاظه من نومه العميق وعدم الرضوخ لذلك الصوت الذي كان يقول :دعيه نائما .
س// متى تم ابلاغكم عن تنفيذ حكم الاعدام بالشهيد جمال ...؟
أم الشهيد // بعد غياب قرة عين امه أخذ والده المرحوم ( صادق يلدكو ) يبحث عنه في كل مكان وفي كل بقعة من بقاع الوطن دون ان يجد له أثراً ، لم يدع بابا الا وطرقه ولا سبيلا الا وسلكه لعله يقتفي اثراً له لكن دون جدوى .. وبعد مرور سبعة اعوام على اختفائه وتحديدا عام 1988 توجه والده المرهق الى مديرية أمن الموصل للاستفسار عنه فاخبره احد الجناةبأن ولدنا قد اعدم عام 1984 ، كان الخبر أشبه بصعقة كهربائية كادت تسقطه ارضا لولا تماسكه وتهالكه على احد المقاعد فنهض وهو لا يصدق ما سمعه من ذلك الجلاد .. فعاد اليه ثانية وقال له : ان كنت حقا صادقا بما تقول فهيا اعطني جثة ولدي ..؟ فامتعض الجلاد واجابه بنفس اللهجة التي يعتادون على التعامل بها مع الناس دون مراعاة الجنس او العمر وقال : هيا انصرف لئلا نلحقك بابنك ..! وعندما شاهد اصرار المرحوم قال له :((حجي ماعندي صلاحية حتى اسلملك جثة ابنك ، وبعدين شمدريني وين مخلينا ، يلا روح ولا دوخني)) . لكن والد الشهيد لم يستسلم له فقال دون خوف او وجل : لن اخرج من هنا الا ومعي ما يثبت صحة كلامكم . فاغتاظ ذلك المجرم وقال : لقد رمينا جثة ابنك والكثيرين أمثالهفي النهر اذهب وفتش عنها هناك ، هيا انصرف والا .... ولم يجدي التهديد باية ردة فعل ترضخه لأمر الجلاد ، حيث كانوضعه الهستيري في تلك اللحظة قد جعله لا يهاب حتى الموت .. لكنهم ارغموه على مغادرة المكان عنوة وباساليبهم الرخيصة بعد ان تعرض الى كلمات السب والشتموالتجريح متجاهلين عمره الذي كان قد تجاوز الخامسة والستين ، وليس عليهم بغريب ان يتصفوا بمثل هذه الاخلاقية والسلوك .. وهكذا عاد الى البيت حاملا بين جوانحه هماً وحزنا وجرحا لا يندمل
س// هل اقمتم مراسيم التعازي بعد اعلامكم بخبر اعدام الشهيد..؟
أم الشهيد // كلا ....!! لأننا كنا قد مللنا مصداقية النظام وأزلامه .. كانوا يستخدمون اساليبهم الماكرة والمخادعة في كل شيء حتى في نقل الخبر.. لذلك تصورنا انهم مجرد يرومون من وراء ذلك خلق الرعب والخوف في نفوس الناس لكي لا يفكر احد بالوقوف ضد النظام .. وكانوا قد ابلغونا رسميا بعدم اقامة اي نوع من التعازي على روح الشهيد لكننا لم نمتثل لهذا الابلاغ .. وقد قررنا عدم اقامة اي مراسيم للتعزية ليس خوفا او رضوخا لأوامرهمبل لأنني رفضت ان يعزيني احد على وفاة ولدي لأنني لم أصدق انه رحل رحيلا أبديا بل كنت انتظره وأقول مع نفسي لا بد ان يعود الى بيته يوما .. ولكن طال انتظاري له سنين طوال حتى قطعت الامل وايقنت من استشهاده بعد سقوط النظام المجرم في 2003 عندما اطلّعناعلى احدىالقوائم التي تثبت اعدامه .
س//هل يبادر اصدقاء الشهيد جمال بزيارتكم ..؟
ام الشهيد // احيانا يقوم البعض من اصدقائه المقربين بزيارتنا وبالرغم من فرحتي بلقائهم الا انني أعيش لحظات حزينة لأنهم يذكروني بولدي الراحل ، ثم يعيدوني بزياراتهمالى الماضي الزاخر بالافراح والمسرات ، أيام جميلة رغم تسلط المستبدين على مقدرات الشعب ، حيث كانت بسمة الامل لا تفارقنا .. كما كان وما زال يبادر رفاق دربه بزيارتنا في معظم المناسبات خصوصا في يوم الشهيد ويقدمون هدية بالمناسبة .. تمنياتي لأصدقاء الشهيد بالصحة والسعادة الدائمة وأخص بالذكر من كانت لهم مكانة متميزة عنده.
س//ماذا عن حقوق الشهيد المشروعة التي منحتها الدولة لعوائل الشهداء ...؟
أم الشهيد //بدايةً اشكر كل الاخوة والرفاق والعاملين في دائرة الشهداء على مثابرتهم ودأبهم المتواصل من أجل انجاز معاملات الشهداء من اجلاستلام حقوقهم المشروعة.. لكنني احب ان اقول شيئا في هذا المجال: لو اعطوا للأم المفجوعة برحيل ابنها او ابنتهاكنوز الدنيا كلها فلا تعوضها عن نظرة الى وجه ابنها الحبيب ولا اغفاءة بين احضان امه الولهى .
س// ماذا كان شعورك بعد ان اسميتم اسم حفيدك بأسم الشهيد جمال ..؟
أم الشهيد // طلب مني ابني أن يسمي أسم ابنه بأسم شقيقه الشهيد .. وبعد معاناة على تقبل الأمر وافقت اكرامالتلبية رغبته وليبقى اسم الشهيد بيننا على مر الزمن ، ومع ذلك انني كأم فوجعت برحيل ابنها قسرا لا استطيع أن أنادي أحدا بأسمه مهما كان مقدار حبي له وبقدر اعتزازي بحفيدي الذي ملأ حياتي لا يمكن أن أجد اسما أفضل له من أسم الشهيد .
أم الشهيد مع حفيدها جمال
س// نتمنى أن يكون وجود بقية اولادك قربك مواسيا لفاجعتك الاليمة ..؟
أم الشهيد // لقد رزقت بثلاثة بنين وثلاث بنات ملئوا عليّ حياتي ، ذقتما ذقته أنا والمرحوم والدهم من الويل والصعاب حتى ترعرعوا وكبروا بين احضاننا ومنهم من انهى دراسته ، ومع مرور الزمن اختار كل واحد منهم حياته وأصبح مسؤولا عن عائلة فحينما يزورني احدهم مع اطفاله لا تسعني الدنيا فرحة وسرور وما يسليني اكثر وجود ولدي الأصغر معي وحفيدي الذي يحسسني احيانا ان جمال ما زال بجانبي ومع كل هذا ما زال حزني على رحيله لا يعوضني عنه شيءوسيبقى هذا الحزن مرافقا لي حتى التحق به الى دنيا الرجاء .
س// كيف تقضين أوقات فراغك ...؟
أم الشهيد // أحاول جاهدة أن اعمل ما بوسعي لكي أملأ الفراغ الذي اعيش فيه الوحدة ويضطرني ذلك للتفكير بما يأخذني الى الماضي الأليم ، فتنتابني أفكار تجعلني في دوامة من القلق والحزن وللتخلص من ذلك التجأ الى هوايتي المفضلة ( الحياكة ) التي تزيح همي وألمي علما ان هذه الهواية تلازمني منذ اكثر من سبعين سنة ، حيث كنت احوك الثياب لأولادي خصوصا عندما كانت أغلب العوائلتعيش ظروفاً معيشية عصيبة فنضطر للأعتماد على انفسنا لتوفير هذه المستلزمات من خلال الحياكة .. وما زلت حتى يومنا هذا احوك لبناتي واولادي وأحفادي واقربائي ولكل من يكلفني وأحيانا ارسل منها الى احبتي في الخارج .
س// ما هي امنيتك في الحياة بعد عمر طويل ان شاء الله ...؟
أم الشهيد //اتمنى ان يعود كل غائب الى اهله ومحبيه وان تتلاشى هذه الغمامة القاتمة عن سماء وطننا العزيز ويعم الامان والاستقرار ليعيش شعبنا المنهك بسلام ومحبة ووئام بعيدا عن الحروب والاقتتال والتناحر وحقن الدماء .
س// كلمة اخيرة لأم الشهيد ..؟
أم الشهيد // شكرا لك على هذه الزيارة واللقاء وشكرا لجميع الذين يبادرون لأستذكار شهداؤنا الأبرار ومواساة عوائلهم بين فترة واخرى واتمنى لك ولكل من يقدم مثل هذه الخدمات الجليلة لمجتمعه النجاح والتوفيق طالما يصب ذلك في خدمة الوطن العزيز .