
باسل شامايا وداعا ايتها الأم الراحلة سمرية شهارا

الأم رمز لكل صفة من الصفات الأنسانية العذبة التي لم تجف يوما ينابيع عطائها ولن تنطفىء شعلة المحبة الموقدة في حناياها .. انها كائن انساني متسامي محبب تمنح الحب والحنان دون ان تخضع للمقاييس والمزاجات والألوان .. ولو بحثنا عن النبع الأول لأشراقة الانسانية نجده متجسدا في هذا الكائن العظيم الذي منه نأخذ دفء حنان الامومة منذ نعومة الاظفار .. فحينما منحتها الاعراف السماوية والاجتماعية شرف هذه الكلمة بما تحويها من معاني عظيمة اجتمع فيها كل الخير والعطاء حتى باتت كتلة من المشاعر والأحاسيس الدافقة طيبة ورقة وحناناً وهكذا بقيت هذه الصفات ملازمة لها ولم تتمكن أية قوة مهما كان جبروتها من ايقاف شريان عطائها الا الموت اللئيم ، فانه الفعل الوحيد الذي يوقف قلبها النابض بالرقة عن الخفقان ويخمد تلك المشاعر الجياشة التي تحاكي وتغدق بها على الناس .اليك ايتها الأم المعطاءة الق يضيء المدى الفسيح وخطى تتوهج في افق الأيام والسنين ، لقد كنت وستبقين سفراً يعطر الزمان وحضورا شجياً متوشحاً بالطمأنينة والأمان .. لقد شاء قدري أن يبعدني عن سيدة الحنان مسافات شاسعة ، يستحيل عليّ لقاءها لأن البحار والجبال والمحيطات تقف حائلا دون ذلك ، ستقول لي عزيزي القارىء الكريم انه لا سبيل لاطفاء جماح شوقك الا بسماع صوتها عبر الأثير وذلك يمنحك الصبر والسلوى على الفراق ..نعم .! انت محق فهي وسيلة لا بد منها بين فترة واخرى ، لكنني اضافة الى ذلك لي وسيلتي الاخرى التي تعوضني بعض الشيء عن فراقها وهو زياراتي الى حيث الام الحنون سمرية بحو شهارا ، تلك الام التي أرضعتني وأنا طفل صغير ، حيث كنت أجد بلقائها نفحات امي الثانية فكلما كان الحنين والشوق يدفعاني الى امي المغتربة أهرع دون تردد لزيارة أمي الثانية التي كنت اسمع منها كلمات الامومة الزاخرة بالحنان والمحبة فأستأنس بمجلسها وحوارها العذب ، لكنّ قدري تمادى على حرماني فحرمني من هذه الام التي كنت اجد فيها امي المغتربة .

لا اريد ان اكون تقليديا في رثائي كما اعتدت حينما اودع بكلماتي عزيزاً او عزيزة يغادراننا الى عالم الذكرى .. ولكن من اجل التعريف بالراحل او الراحلة يستوجب الولوج الى حياتهما والاسهاب ببعض الجوانب من تفاصيل حياتهما ، في رثائي هذا الج الى حياة السيدة الراحلة سمرية بحو شهارا التي اشرق فجر ميلادها في القوش عام 1932انحدرت من عائلة فلاحية قوامها ستة اخوة وثلاث اخوات ، عاشت حياة بسيطة متواضعة كما هو حال الكثير من العوائل التي كانت تعتمد على الفلاحة في معيشتها ، وكما تعلمون ان الحالة المناخية كانت تتحكم احيانا في معيشتهم آنذاك ، فعاشت عيشة الفاقة والعوز والحرمان .. ترعرعت في كنف والديها حتى اكملت العشرين من عمرها ثم تزوجت من المرحوم جكو جولاغ عام 1952 وانجبت منه ( 14 ) طفلاً وطفلة ثمانية بنين وست بنات .. لم يغير الزواج من حياتها شيئاً اكثر من الأستقرار الأجتماعي والأسري ، كان زوجها يعمل حارسا ليليا وعاملا في النهار بالكاد يحصل على قوت عائلته الكبيرة ، وقفت الى جانب زوجها لتشاركه في توفير لقمة العيش لأطفالها وللأسرة الكبيرة التي كان يعيلها لوحده ، وبالرغم من تكريس حياتها من اجل بيتها وتربية اولادها راحت ترتزق بممارسة مهنة الخياطة ، فكانت تخيط الملابس والازياء الفلكلورية كالزي الالقوشي المعروف و تصنع البوشية وكذلك الغربال المستخدم في البيوت من اجل ان تمد يد العون لشريكها . في الثمانينات من القرن المنصرم وتحديدا عام 1983 دفعت هذه السيدة المبجلة ضريبة الوطن حينما سرق منها النظام الدكتاتوري ابنها الشاب (جلال) وزُجّ به في طاحونة الحرب الشعواء التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء .. لم تجف لها عين بل ذرفت من الدمع مدرارا حتى كلّ بصرها ، فراح الزمن يكتب لها أول سطور للمأساة الحقيقية التي قدّر لها ان تلقي بثقلها على صدرها سنين طوال .

ولم يكتف قدرها بهذه الفاجعة فقط بل اعقبتها فراق زوجها شريك حياتها تاركا اياها لوحدها ، غادرها فراقاً ابدياً بعد تلك العشرة الطويلة ، وراحت تعاني من الفراغ الذي كان يفرض عليها الاستسلام للهم والغم لكنّ حبها لثمارها وايمانها بالمكتوب جعلها تتجاوز المحنة ، ولم يتمكن ذلك الظرف القاسي من ايقاف عزمها بل واصلت حياتها مع أحبتها الذين ملأوا عليها أيامها وسنينها . كانت طيبة القلب والمعشر وطيبتها التي ينطوي عليها قلبها الكبير اشبه بذلك الرافد الذي لا يتوقف جريانا .. ابيّة النفس لا تقبل بأي شيء يخدش كبرياءها ، تغدو شفيفة وديعة محبة لجميع الناس .. لقد كانت منذ صغرها ميالة الى حياة العمل والإنتاج فتسعى وبشكل دؤوب كي يكون لها دور متميز للمساهمة في مختلف الأعمال التي تترك فيها بصماتها .. وبالرغم من عدم دخولها المدرسة وتعلمها القراءة والكتابة الا انها أبدعت في النحت على مادة البلاستك حيث كانت تحول القطع المهملة من هذه المادة كالأواني والمواعين والقطع البلاستيكية وبواسطة الحرارة الى منحوتات جميلة فتعمل منها هياكل لمختلف انواع الطيور والأزهار ، شاركت في العديد من المهرجانات بعد ان أصبح لها رصيد ثر في الفن التشكيلي وذلك أهّلها أن تكون جديرة بالمشاركة في المهرجانات والمعارض الفنية المقامة في بغداد والقوش وعينكاوا فنالت بفنها اليدوي إعجاب أصحاب الاختصاص والمسؤولين كما وحصدت بمشاركاتها ونتاجاتها عدة شهادات وجوائز تقديرية ، وكان مهرجان عينكاوا الثقافي آخر مهرجان شاركت فيه بأسم نادي القوش العائلي حيث نالت رضا واستحسان الحاضرين الى المهرجان .. يا لها من امرأة طموحة أبدعت وتميزت في إبداعها ولم تعقها اهوال الحياة وأعاصيرها ، لم تفارق الابتسامة وجهها البشوش ، اتسمت دوما بروح التفاؤل والامل فكانت تقول لأولادها وأحفادها : اياكم واليأس فانه سيغدو جدرانا تفصلكم عن العالم . كانت تقول ان احلى واجمل اوقاتي كنت اقضيها في صناعة تلك الطيور الجميلة والاشكال اللطيفة بحيث كانت الدنيا لا تسعني فرحا حينما كنت انتج شيئا جديدا وكانني انجزت منجزا كبيرا .. هكذا كانت الأم والفنانة والمبدعة سمرية تقضي جلّ وقتها مع ادواتها التي تغازلها بأناملها وتصنع منها ما يدخل الدهشة الى قلوب الناس ، وفي اوقات فراغها تهتم بحديقة منزلها الجميلة فتعتني بالثيل وتهندس تلك المساحات الصغيرة التي تؤطرها .. وتزرع في بستانها الصغير الخضروات لتسد بذلك حاجة البيت .. وجاء سلطان الموت بغتة ليخطفها من بيننا فرحلت ورحلت معها تلك الابتسامة الرقيقة التي كانت تستقبل بها زائريها .. رحلت مثل الفراشة تاركة اثرا لا يزول .. اخاطبك سيدتي ، ايتها الام الرؤوم وانت تحت الثرى لأقول لك ارقدي بسلام ، ولتعلمي ان ذكراك لن ترحل بل رحل عنا جسدك لكنك ستبقين في ذاكرتنا تسكنين ثنايانا ، عزاؤنا بما تركتيه ميراثا نستذكرك وتستذكرك القوش والاجيال دائما وابدا.. وداعا وسلاما وانت تغادرينا الى دار البقاء .