باسل شامايا

مقالات اخرى للكاتب

كلمات وداع اخيرة الى الراحلة أنو شعيا خزمي

 

لا فعل أكثر وطأة علينا من فعل الموت ولا خبر يقرع مسامعنا ويفجع قلوبنا اعمق حزنا ومرارة منه ..يا لقساوته فانه اعتاد ان يسرق منا احلى وأغلى أحبتنا ، فقد أطفأ قبل اربعين يوما شمعة السيدة الفاضلة والأم الرؤوم ( أنو شعيا خزمي ) زوجة الراحل رحيم بتوزا التي غادرتنا بصمت الى الاخدار السماوية تاركة لأسرتها المفجوعة ولكل من عرفها واستلذ بلقائها وحوارها العذب ذكرى عطرة ما زالت تعشش في الأعماق .. رحلت وسط حزن بنيها وبناتها وأحفادها وحفيداتها وذويها ومعارفها وأهالي بلدتها ، الذين عرفوا فيها الطيبة وصدق السريرة ونقاء الوجدان ،فارقت أولادها جسدا لكن روحها مكثت معهم وبينهم ترفرف فوق كل شبر وزاوية من زوايا المنزل ، يفوح منها عطر كلماتها وحديثها الشيق الذي كانت تغدق به عليهم .. رحلت تلك الانسانة الدءوبة دوما لأسعاد فلذات كبدها دون ان يثنيها شيء حتى وان كان ثمنه تعاستها.. تحققت امنيتها حينما شاهدت احفادها واولادهم وهم يتنعمون بالسعادة والرفاه، أغمضت اغماضتها الأخيرة بعد ان حملت أفراد أسرتها صغاراً وكباراً بين حدقات عيونها وطيات قلبها ، لبت نداء ربها فأطفأ الموت شمس الحياة فيها وأوقف ذلك القلب الذي كان ينبض بالحب والحنان عن الخفقان ، وها قد غابت برحيلها البسمة عن بيت أولادها وبناتها وغابت عنهم مظاهر الفرح تلك التي كانت تعطرها الراحلة بوجودها ، والتحقت بشريك حياتها المرحوم رحيم بتوزا الذي سبقها الى دار البقاء . فيا ايتها الراحلة المتوجة بنفحات ثمانين سنة من عمرك المبارك عطاءاً لا منتهياً ، ان ابناءك وبناتك يستذكرونك في كل يوم وكل ساعة ولحظة ويستذكرون كل ما كنت تغدقين عليهم من عطر الكلام ، تنثرينه بسخاء لتزيلي به عنهم الصعاب وثقل الايام .. كم كانت اليمة تلك اللحظات التي التأم فيها شمل الاقرباء والاصدقاء والجيران في الجمع الجنائزي الغفيرالذي احتضن جثمانك الطاهر وسط حزن جاثم الى مثواك الاخير .. يا من تعجز الكلمات ان توفيها حقها ، نعم تعجز أمام عظمة عطاء النبع الصافي ، الأم التي كرست سني حياتها من اجل زرع البسمة على ثغور أولادها الذين أرضعتهم محبة الاخرين ومساعدة المحتاج .. أحبتهم حبا ملأ عليها حياتها وجعلت من ذلك الحب منبر سعادة ارتقته منذ اشراقة شمس ميلادهم حتى أيامها الخوالي ، لقد افتقدوها وأوجع رحيلها قلوبهم وقلوب جميع ناسها و محبيها .أخاطبك يا شجرة الحنان الوارفة وأنت راقدة في مسكنك الأبدي تحت الثرى الذي تعطر واغتنى بجسدك الطاهر لأقول لك : نامي أيتها الراحلة التي افتقدك من كنت بركة في بيوتهم ، والذي يحز في القلب حزن أحفادك الصغار ( بنون وبنات ) وهم يبحثون عنك في أرجاء المنزل علهم يقتفون أثرك ، انهم ينتظرون قدومك من رحلتك التي طالت ، يسألون بائهم وأمهاتهم والدمع يحتضن مآقيهم : متى ستعود ( دادا أنّا ) من سفرتها الطويلة ...؟ فأنهم لم يعتادوا على فراقك مثل هذه المدة ، لقد عصرهم الشوق الى لقياك ، ولا سبيل الى قتل جماحه الا البكاء والنحيب ، فارقدي بسلام أيتها الصادقة في حبها يا من حملت انسانيتك حتى أنفاسك الأخيرة تلك الانسانية التي تجسدت فيها كل معاني المحبة والصفاء . سلام لك أيتها الأم التي ترجمت بأمومتها عطائها الدائم والذي كان جدول حنان وحب لم يتوقف لحظة..سلام لك يا اطهر المخلوقات وأعظم نبع للأصالة والوصال . نامي قريرة العين وتوشحي بحب ثمارك وتأكدي أنهم جميعا بكوك دماً برحيلك عنهم .. وقبل ان اختم رثائي كلفت من قبل اولادك ان اكتب لك كلمات عن لسانهم حيث تزامنت ذكراك الاربعين مع ذكرى ميلاد ثمرتك البكر(صباح ) فطلب ان استثمر هذه المناسبة مع فراقك عنهم ..

 

فيقول ومعه اخوته واخواته هذه الكلمات النابعة من اعماقهم الباكية : أمنا الحنونة الغالية يا شجرة وجد منحت لوجودنا وجودا ، يتعسر علينا ان نختار كلمات نشكرك فيها على ما وهبتهِ لنا من الحب والرعاية والحنان ، فان قلنا شكرا لك فذلك لا يشكل الا الشيء اليسير اليسير ، ومهما قلنا وكتبنا وصقلنا من مفردات الكلام فانها لا تفي الا القليل بما اعطيتِه لنا ولا يعوض نقطة في بحر مما بذلتِه في سهرك أياما وليالي وسنين طوال على راحتنا وهنائنا وان سألونا عن عطاياك لنا ايتها الراحلة العزيزة ، سنقول وبكل فخر واعتزاز ومحبة : يكفيك يا اماه انك كنت وستبقين أبد الدهر نبع عطاء لا ينضب . وداعا ولتتنعمي بالذكر الطيب دائما وابدا .