باسل شامايا

مقالات اخرى للكاتب

وداعا أمنا الفاضلة مكو قس يونان

 

كلمة تتكون من حرفين ولو توغلت الى عمقها بعض الشيء ستجد فيها كل القيم والمشاعر الإنسانية النبيلة .. انها نبع حب لا يجف وبهجة الدنيا ومستودع الحنان وزهرة تذبل لتزهر حياة الآخرين .. انها الأم التي تتجلى اروع صور التضحية فيها وتعجز الأقلام عن وصف رقتها وطيبتها واعطائها استحقاقها وإيفاءها حقها بما تمنحه من العطاء للإنسانية التي تجسدها بأمومتها والتي لا يمكن استمرار عطاءها و تواصلها دونها .. فلكل واحد منا موقف وقصة وحكاية يرويها عن هذه الإنسانة العظيمة التي كرست حياتها وجلّأوقاتها من اجل زرع البسمة على ثغور أولادهاومنذ تلك اللحظة التي انبثقت فيها بذرة البشرية ونمت في احشائها ما زالت تضحياتها وعطاءاتها تتهافت من حنايا وجدانها دون ان يوقفها شيء مهما كانت قسوته وجبروته .. تنكر الذات وهي في منتهى السعادة ، تغمرها الفرحة دون ان تفكر بشيء مقابل ذلك ، هكذا هو حالها حتى تغمض اغماضتها الأخيرة الى دار البقاء ، وقد يتضاعف الإحساس بقيمة هذه المخلوقة الطاهرة بعد رحيلها الى فراقٍ ابدي .

أرجو ان لا أكون قد أطلت عليكم في ديباجتي فموضوعي يستحق هذه الإطالة .. فكلنا نعلم ان الموت حق علينا جميعا لكن محبي الراحل او الراحلة يعجزون عن إقناع أنفسهم بأن شمعتهما قد انطفأت ولم تعد تشتعل مرة أخرى ولا سبيل للصبر على هذه المصيبة الا الأيام القادمات فهي الكفيلة للرضوخ الى الأمر الواقع . ان كتاباتنا تتنوع عن الأم ، نكتب ونحتفل ونطبع قبلات التهاني على جبينها في يوم ميلادها .. ونتألم عندما يطرحها المرض اللعين الفراش .. ونرثيها حينما تنتقل الى حياة الذكرى .. ومهما كتبنا ومهما صقلنا من المفردات في فصاحة اللغة فلا منازع لها في ثبات الصفات والخصال الحميدة ، ولا شبيه بتضحياتها وعطاءاتها وسهرها الدائم من اجل تحقيق رسالتها الإنسانية العظيمة .. اليوم وتحديدا مساء الأحد 4/12/2012 ونحن نعيش الشهر الأخير من العام الراحل ، فوجعنا برحيل السيدة الفاضلة ( مكو قس يونان ) هذه الأم المبجلة التي فارقتنا الى دون عودة في احدى مستشفيات دهوك ، هذه الإنسانة الرقيقة التي أوجع الموت قلوب أولادها وبناتها ، خطفها من بينهم وتمكن من إيقاف قلبها الدافق محبة وحنان عن الخفقان .. رحلت عن حياة الدنيا بعد ان تركت سفرا زاخرا من العطاء.. غادرت بقلبها الفائض حبا لبنيها وبناتها ، احفادها وحفيداتها .. غادرتهم بعد ان فرشت لهم مساحات من الحب ومنحت لكل من حولها السعادة والرفاه .. يا لمفاجآت الحياة ، البارحة كانت تملأ البيت بهجة وأفراح وفي غمضة عين اختفت عن انظار محبيها لتلتحق بشريكها الذي سبقها الى دنيا الجنان .. وتركت لهم حزنا شفيفا يلوذ بهم وبكل من عرفها .. فما أقسى تلك اللحظة الرهيبة التي أشبهت بالبرق حينما جاءت وخيمت على بيت المرحوم حميد كجوجة لتسرق منهم وهج جميل رقيق شفاف حد النسمة ، ذلك الوهج الذي احترق كالجمر على مر السنين دون ان تشكو أوتتألم . امٌ علمت ثمارها كيف يحبون وكيف يضحون وينكرون الذات .. زرعت في دواخلهم بذرة المحبة والصدق منذ ان كانوا أغصان طرية ، وأوقدت لهم الأمل ليسيروا بطريق مفروش بالنور ، وجعلت من عيونها حارسا أمينا لتتابعهم في كل صغيرة وكبيرة من حياتهم . عرفناك أيتها الراحلة العزيزة هادئة الطبع قليلة الكلام كثيرة العطاء دائمة البسمة كبيرة الإخلاص لأمومتها رقيقة بتعاملها مع كل الناس ..لقد زرتك اكثر من مرة مع زملائي ونحن في الهيئة الادارية للنادي حينما تعرضت الى حادث ارقدك الفراش وبالرغم من تألمك لم تبخلي علينا بكلماتك الرقيقة التي كانت تنم عن الاحترام والتقدير والفائضة بالحب والحنان .. كم هي تعيسة هذه الحياة التي رحلت عنها وتركت فراغا كبيرا في اعماق أحبتك صغارا وكبارا .. فمن ذا الذي يملؤه ليضم أحفادك الذين كانوا يتدفئون بعطر حنانك ، أيا نبع حب وحنان لا يجفان ، يجريان ليرتوي منهما هؤلاء العطشى الى لقياك أيا شمعة مضيئة احترقت لكي تنير لثمارها الدرب ويا زهرة ذبلت كي تزهر لمن يبكيها اليوم اولادها وبناتها يصرخون ملء اصوتهم : وداعا يا أماه وداعا يا أغلى وأحن ما خلق الله .. وداعا دادا مكو فاننا سنذكرك ولا يمكن ان ننسى تلك الايام الجميلة التي كنت تفرشين علينا غطاء المحبة والحنان .. ارقدي بسلام ايتها المسافرة الى أبعد مكان لا يصله انسان فقد كنت وستبقين مشعلا أنار وينير لنا الطريق لحياة افضل وأعلمي ايتها الغالية انك ستعيشين حاضرة معنافي قلوبنا نستمد منك راحتنا وهنائنا كما كنت دوما وكانك لم تفارقينا .