
وداعا.. ايها الراحل الذي لم يرحل
باسل شامايا
حينما يلفك الحزن والأسى على رحيل انسان عزيز غادرك الى دون عودة تخذلك الكلمات التي تجسد بها رثاؤك له وتعجز عن وصف ما ترسمه بمخيلتك لتفي بها استحقاق هذا العزيز الذي ترك بفراقه طيبته وعطاءه وإنسانيتهالتي ستبقى تعشعش في الذاكرة دائما وابدا ..
هذا هو الأستاذ الفاضل والمربي الجليل ( عزيز متي زرا ) الذي هلّ فجر ميلاده بين حنايا بلدته العزيزة القوش عام 1937 وترعرع ونما وسط عائلة معروفة اجتماعيا مستمدا منها الطيبة والأصالة ، درس في مدارسها وبعد ان انهى دراسته تعين معلما ومربيا لبناة المستقبل في إحدى المدارس ، فولج ميدان العمل التربوي ليكون جديرا بهذه المسؤولية التي كرس حياته من اجل انشاء اجيال يعتمدهم الوطن في عملية البناء ، فأوفى بعطائه ، وانجازاته تشهد له بذلك ، أسس لنفسه من خلال وظيفته والتزاماته وخلقه الرفيع منزلة رفيعة في المجتمع. عاش الراحل العزيز كريما ابيا محبا ودودا عزيز النفس مواظبا على الدوام في غرس بذرة المحبة ونكران الذات وحب الوطن في قلوب اولاده وبناته وتلامذته الذين تعلموا منه كيف يتأهلون للمستقبل ويكونوا مواطنين صالحين يخدمون الوطن ويخلصون له بأعمالهم وتضحياتهم وما يقدمونه دون كلل او ملل .. في هذه الايام الموحشة والاخيرة من عام 2012 قرعت اجراس الرحيل الابدي للعزيز أبي بسام الذي كان شعلة من العطاء وقطعة من الأحاسيس الجياشة تجاه جميع الناس .. رحل عن حياة الدنيا بعد ان ترك سفرا من العطاء والوفاء لا ينضب ، وما اختاره من كلمات في هذا الرثاء ليس الا رد للبعض من الخدمات والتضحيات الجليلة التي قدمها سعيدا لمجتمعه ووطنه .. فما مدى الحزن الشديد الذي توغل الى أعماقنا واعماق اهله واقربائه ومعارفه بانطفاء شمعته التي اطفأتها معاناته المريرة مع المرض اللعين الذي أذبله وغيّر فيه تقاسيمه الجميلة ، بحيث كان يجعلنا حينما نقوم بزيارته
الى بيته للأطمئنان عليه نذرف الدمع حزنا على ما آل اليه وضعه الصحي وأنساه شخصه وذلك الماضي الزاخر بكل ما يدعو الى الفخر والاعتزاز .. ولو عدنا بعض الشيء الى ذلك الماضي نستذكر تلك الايام التي كان الفقيد كتلة من الحيوية والعطاء .. ومن ذلك العطاء اتذكر في اواسط السبعينيات حينما كان عضوا من اعضاء نادي بابل الكلداني سكرتيرا للهيئة الادارية للنادي ، هذا الصرح الاجتماعي الكبير والذي كان يضم في هيئته العامة نخبة خيرة من ابناء القوش ، كان يناديني دوما ( ها برد عام ديخيلا ) .. فاز المرحوم بثقة الهيئة العامة حينما خاض العملية الانتخابية في النادي واشغل منصب السكرتارية لعدة سنوات ، فعمل بكل نكران الذات ليكون جديرا بتلك الثقة ، حيث لم يفكر يوما بالمقابل لقاء تلك الجهود التي كان يبذلها من اجل رقي وتقدم النادي .. اما علاقاته وطيبة قلبه ومعشره وتضحياته وحبه لأواصر الصداقةوالقرابة وغير ذلك من الرصيد الثقافي والاجتماعيوالممارسات الصادقة التي سيذكرها الناس على امتداد الزمن فقد كان متميزا بها الى حد كبير . هكذا كان يشع من وجه مربينا الناصع وهج النقاء والاصالة ونكران الذات ، لذلك احبه الناس واحبهم وتألموا وارتدى محبيه وشاح الحزن بفراقه .. فيا ايها الغائب الحاضر بيننا ارقد بسلام ستبقى دوما في مخيلتنا .. وداعا ثم وداعا ايها العفيف الذي حافظ على نقائه في زمن لوثت الدكتاتورية اشياء كثيرة ..وداعا وداعا ايها الراحل الذي لم يرحل .