
حسن الخفاجي
من يتمنى الموت على حصير الوطن؟
13/07/2011
كان ياما كان ويكون وسيكون , في بلد يشبه بستان فيه نهران أسمه العراق .يعيش على أشجاره بلابل وعصافير وحمام , تغرد للحب وللسلام , في العام 1963 بدأت الطيور بالهجرة والهروب بعد ان عكر صفو عيشها وأرعبها إطلاق نيران . منذ ذلك التاريخ وصوت الرصاص لم يتوقف , والنزف مستمر , وهجرة طيورنا مستمرة .
العصافير والبلابل والحمام يا سادتي يا كرام , هم أعلام العراق وعلماءه , أطباء العراق وأساتذته ومبدعيه , طيورنا المهاجرة لم تحسن استخدام السلاح يوما , وان برز من بينها واحد أو اثنان تغنوا بالسلاح وبالقتل وهم على مقاعد الدراسة في كلية الطب , فهؤلاء شواذ القاعدة, طالما أننا مقرون إن لكل قاعدة شواذ !.
ثمة من يقول:(إذا حضرت الملائكة هربت الشياطين) , ربما يكون العكس صحيحا , إذا حضرت الشياطين هربت الملائكة . إذا صح هذا القول : فانه يكون متناغما مع الكثير من الوقائع على الأرض . يقول الاقتصاديون: "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من الأسواق "يقول العارفون في بواطن الأمور قديما وحديثا في العراق: أن الدجل على قلته يطرد العلم على كثرته , ان تسلم دجال منصبا(ببهلوانية ), لم يعتد عليها العلماء , طرد من حوله العلماء والمفكرين والمبدعين , كي لا يظهروا عجزه وخوائه الفكري والعملي , لذلك نتلفت ولا نرى من العلماء العراقيين من ظل داخل العراق إلا النزر القليل , منهم من هرب وهاجر من إجرام عصابات البعث , ومنهم من فر من الاغتيالات والقتل والدجل في الوقت الحالي !.
يعتصرني الألم وأنا انظر من حولي واجد الكفاءات العراقية العلمية وأصحاب الاختصاصات والشهادات العلمية النادرة وهم يملئون بقاع الأرض , في الجامعات الرصينة , وفي المستشفيات المشهورة , وفي الشركات العملاقة , وفي المكاتب الاستشارية , منهم من أدمى مقلنا وقلوبنا بشعره وبنثره , منهم من تغص بهم مطارات العالم ومكاتب الأمم المتحدة يطلبون اللجوء , أو يصبحون لقمة سائغة لعصابات تهريب البشر !!.
لا يقارن الخارجون من العراق بالعائدين إليه , لان أعداد من تركوا العراق منذ الستينات للان :تساوى أضعافا مضاعفة من الذين عادوا. اغلب العائدين يرجعون هاربين مرة أخرى , يشكون من الروتين والتهديد والدجل !.
ربما لا يوجد وطن مثل وطننا بخيراته , لكنه طارد لأبنائه العلماء والمفكرين والمبدعين !. مع ذلك لم نسمع من بين هؤلاء من خاطب الوطن مثلما خاطب القائد سيمون الأفريقي وطنه , الذي باعه برخص قائلا: (أيها الوطن العاق لن تحظى بعظامي) . اجزم ان جل العراقيين المغتربين آخر أمانيهم ان يكونوا كطيور السنونو أو كسمك السلمون, الذي يقطع ألاف الأميال كي يعود ليموت في مكان ولادته (وطنه). أما من تتلقفه شباك الصيادين , أو يتلقفه الموت في منتصف الطريق فلقد أدى ما عليه , لان نيته كانت الوصول للوطن .ستبقى روحه تحوم حول الوطن .
آخر ما يتمنى اغلب المغتربين , ان يتوسدوا تراب الوطن , ليستريحوا هناك :بين قبور من أحبهم وأحبوه , انه العشق الأزلي للعراق , لترابه ولناسه. العراق أصبح بمثابة الهم الدائم على قلوب العراقيين في الخارج , لأنهم لا يستطيعون استبداله بعشق جديد أو بوطن آخر, في حين ينسى جل المغتربين من غير العراقيين أوطانهم الأصلية ويتنعمون بالأوطان البديلة !.
ربما تكون كل أوطان الدنيا أكثر رقيا وعمرانا وجمالا من العراق , لكن لا وطن يحمل رائحة الأهل , و ذكريات الطفولة , ورفقة الصبا, والعشق الأول .
كلما وصلتني رسائل جديدة من مقامات عليا وعقول عراقية فذة لعلماء, أو أطباء , أو أصحاب اختصاص نادر, العن حظ العراقيين العاثر , الذي لم يحفظ مكانة لهؤلاء الإجلاء بينهم , والعن واحتقر كل من تسبب بهجرتهم وهروبهم على مر الأيام .
ان ما تم من بناء وازدهار علمي وصحي وعمراني في بداية السبعينات في العراق , تم بفضل خبرة من عادوا من الكفاءات العراقية, التي عادت بعد ان منحهم البعث محفزات تفوق ما يحصلون عليه في الخارج .حتى نجاح عملية تأميم النفط تمت بفضل خبرة هؤلاء العائدين , الذين:(عرّقوا) ادخلوا العمال والموظفين العراقيين في كل الدوائر والعمليات النفطية قبل عملية التأميم بسنوات .
هل يعقل ان يسن البعث قانونا لعودة الكفاءات العراقية , وتعتمد الحكومة والبرلمان العراقي المنتخب على عقد مؤتمرات للمغتربين تشم من بين ثناياها رائحة الفساد والمحسوبية , على حساب الكفاءة والوطنية !.
يجب ان يسن لعودة الكفاءات العراقية أو مشاركتها أو مساهماتها في بناء العراق الجديد قانون , فيه من الحوافز ما يوازي أو يفوق ما يتقاضون في بلدان المهجر , وان يسن قانون يحفظ لهم كرامتهم وحقوقهم !.
آه وطني كم من أبنائك من ماتوا على فرش من حرير ووسائد من ريش النعام في الغربة , وهم يتمنون الموت على حصير خشن في الوطن .
13-7-2011