
حسن الخفاجي
أشم منها روائح غريبة
تمتاز جارتنا العجوز الحاجة زهرة بحاسة شم قوية , جعلتها ضيفة دائمة لكل أسرة تشوي السمك , عندما نسألها عمن اخبرها عن شواء السمك تقول: (بزازيني اشتمن الريحه وجابني يمكم )!.
الحاجة لا تهتم بتربية القطط , لكنها كانت تحاول ان تضفي نوعا من المزحة والتبرير المناسب , لوجودها كضيفة دائمة على البيوت التي تشوى السمك .
لا ادعي امتلاكي حاسة الشم القوية , التي تملكها جارتنا الحاجة , كل ما اطلبه ان يفسر لي البعض سر خبطة غريبة , بدأت اشعر بصعوبة فك رموزها ومكوناتها , وسر الروائح الغريبة المنبعثة منها !.
اعرف ان الاحتجاج والتظاهر السلمي لتصحيح الأخطاء هو ملح الديمقراطية , واعرف أيضا ان تجربة البناء الديمقراطي في العراق وليدة جديدة , استغلها الكثيرون لمصالحهم وحملوها الكثير من الأخطاء , حتى بدأ البعض ممن يؤمنون بالديمقراطية كمنهج يشككون في التجربة نفسها وليس بالأشخاص , الذين أساءوا استغلال اسم الديمقراطية وعاثوا فيها فسادا .
من يدعون للتظاهر بشدة ويصرون عليه , هم مجاميع لا يربط بينهم رابط أيدلوجي , ولا رابط ديني , أو قومي , بالتالي هم من عموم العراقيين , الرابط الوحيد بين كل هؤلاء هو التظاهر يوم 25 من شباط. أهداف هؤلاء تختلف , منهم العراقي الصادق ,الذي يشكو من الفساد , وسوء الخدمات , والفقر , وانعدام الوظائف , والمساس بالحريات العامة. منهم له مطالب سياسية محدده , تتعلق بإلغاء المحاصصة الطائفية والقومية , وإنهاء ما أنتجته من" كوارث , وفساد , وسرقات , وجرائم . منهم من يطالب بإصلاح الدستور وتعديل قانون الانتخاب , كل هؤلاء اغلب العراقيين معهم وأنا منهم .
غير هؤلاء من يعتقدون , ان الاحتجاج والتظاهر هو فرصة للإطاحة بكل العملية السياسية , والتفكير بالانقلاب , ومنهم من يقبضون الأموال لإفساد التجربة الديمقراطية, والمراهنة على حالة الفوضى لتحقيق مأربهم .هؤلاء كثرمنهم: البعثيون , ومن تحالف معهم من القاعدة , والتكفيريين , والإرهابيين , والحواسم , الذين يتمنون ان تعم الفوضى ليسرقوا المصارف والممتلكات العامة . يدخل مع هؤلاء مجاميع ليست قليلة , منهم من" أضرت الديمقراطية بمصالحه الشخصية , ومنهم المعارضون السابقون لصدام , الذين كانوا يمنون النفس بوظائف دسمة كأقرانهم لكنهم لم يحصلوا عليها , ومنهم من لم يحقق نتائج تذكر في الانتخابات الأخيرة لأي سبب كان, وأقحم نفسه في الدعوة لهذه التظاهرات تحت يافطات مغايرة لهدفه , ومنهم المعارضون السابقون الذين دخلوا العملية السياسية , ولهم أجندات كلفوا بها من دول الجوار والإقليم .
من دعا الى التظاهر هم :
هيئة علماء المسلمين في العراق (هيئة حارث الضاري)
الجيش الإسلامي
اذرع من التنظيمات , التي تقتل العراقيين وتتبنى نهج (المقاومة المسلحة)!.
حزب البعث بفرعيه, فرع عزت الدوري , وفرع يونس الأحمد
تنظيمات عشائرية !.
تجمعات لمن سموا أنفسهم , ديمقراطيون وعلمانيون وليبراليون ويساريون!
مواقع الكترونية مجهولة الهوية ومنها المرتبطة بدول الجوار.
وسائل الإعلام الخليجية .
بعض منظمات المجتمع المدني .
هيئات ومنظمات لم نسمع بها من قبل .
غير هؤلاء الكثر الذين لا مجال لذكرهم .
كم من هؤلاء يهمهم أمر العراقيين فعلا ؟
اغرب الغرائب والمفارقات ان تتحمس أطراف رئسيه مشاركة في العملية السياسية, وهي مكون رئيسي من مكونات الحكومة , بالدعوة وبحماس فائق للتظاهرات!!.
هل يعقل ان تتظاهر أطراف حكومية على الحكومة ؟.
من هذه الخلطة العجيبة تفوح روائح غريبة , ربما نحتاج لخبرة جارتنا الحاجة كي تساعدنا في تحديد نوعها ومصدرها وسر خلطتها !
جملة من الأسئلة من يعرف الإجابة عليها بدقة يستطيع تحديد موقفه بشكل سليم .
من سيضمن سلمية التظاهرات التي ستكون كبيرة جدا ؟ .
من سيمنع دخول المندسين وأي جهة قادرة على فرزهم ؟ .
لماذا وزعوا وعلى شكل واسع ما سموه البيان رقم واحد ومن كتب هذا البيان ؟.
من يصرف الأموال على هذه التظاهرات ؟ .
هل ان توقيت استقالة الفريق عبد العزيز الكبيسي وما صرح به بريئا ؟ .
لماذا يحرّم مفتي السعودية التظاهرات في بلده والبلدان العربية الأخرى , ويشجع الإعلام الخليجي بشكل عام , والسعودي خصوصا على التظاهر في العراق ؟.
في مقالي السابق المعنون ملايين المندسين يحاولون الإطاحة بالرئيس مبارك كتبت:
"طوفان الاحتجاجات سيصل إلى العراق , ولن يأخذ وقتا طويلا لتضرب أمواجه شواطئ دجلة والفرات .ستكون الاحتجاجات الأولى مطلبيه تطالب بالخدمات الأساسية وبالحريات , بعدها سيركب أعداء التجربة الديمقراطية الموجة , وستنحرف هذه الاحتجاجات عما خطط لها , وقتها سيغرق الجميع في الفوضى "
هذه ليست نبؤة , لكن (منو يقره منو يكتب) .
الجمهور الواسع من العراقيين , الذين سيشاركون في التظاهرات , لايرغبون بتبديل الشرعية الانتخابية بشرعية انقلابية , ولا يريدون إعادتنا إلى البيان رقم واحد وحكم الدبابة بدل صناديق الاقتراع , بالمقابل لا يريدون ان يظل الساسة يسرحون ويمرحون دون رقيب شعبي وصوت احتجاجي مسموع .
قلبي على وطني آمل ان يمر هذه الامتحان الذي سيكون قاسيا بخير.لو خير العراقيون ألان: بين نار الديمقراطية , وبين جنة البعث , سيختارون نار الديمقراطية حتما , وسيقفون صفا واحدا يرددون (عالشوملي الشوملي نارك ولا جنة هلي)
الكيس من يشم رائحة الخطر قبل وقوعه
حسن الخفاجي