اخر الاخبار:
"حقيبة" تقطع طريق كركوك - اربيل بشكل مؤقت - الثلاثاء, 27 شباط/فبراير 2024 20:28
ماكرون لا يستبعد إرسال قوات لأوكرانيا - الثلاثاء, 27 شباط/فبراير 2024 19:10
اعتقال داعشي "بارز" في كركوك - الأحد, 25 شباط/فبراير 2024 19:25
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

بعد ١٠٦ أعوام على ثورة أكتوبر الإشتراكية!// د. ادم عربي


 

بعد ١٠٦ أعوام على ثورة أكتوبر الإشتراكية!

د. ادم عربي

 

 

على مدى عقود، حاول المفكرون السياسيون والاقتصاديون من مختلف التوجهات الفكرية اقتراح إجراءات وبرامج اقتصادية لمعالجة ظاهرة الفقر في المجتمع. يهدفون إلى تخفيف المعاناة الاجتماعية والصحية التي تنجم عن هذه الظاهرة، على أمل تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية.

تم تبني سياسات ضريبية بهدف استهداف ذوي الدخول العالية في المجتمع، حيث يتم تحويل جزء من عوائدهم نحو دعم العاطلين عن العمل وذوي المداخيل المتدنية من خلال مساعدات مالية مضمونة أو خدمات اجتماعية مباشرة. ومع ذلك، لا تزال هذه المساعدات غير كافية للقضاء على الفقر وتقليل انقسام المجتمع بين الأغنياء والفقراء ،فئة اجتماعية بالغة الثراء وطبقة واسعة من الناس معدمة محرومة من اشباع الكثير من حاجاتها الضرورية ، فلا يزال هناك فئة واسعة جداً تعاني من حاجات أساسية غير مُلبَّاة، مما يُظهر نقص العدالة الاجتماعية أو مصطلح العدالة الاجتماعية .

في ظل وجود الملكية الخاصة غير المحدودة لوسائل الإنتاج، يصبح مفهوم العدالة الاجتماعية الذي يهدف إلى توزيع شبه متساوٍ للدخل والثروة بين المواطنين أمرًا غير ممكن. حيث يظل حق الملكية وحرية النشاط الاقتصادي مضمونين وفق دستور الدولة، دون تحديد سقف يضمن الحد من  تعظيم دخل الفرد . هذا في حين أن طبقة واسعة من المجتمع لا تملك شيئًا سوى قوة عملها.

بالنظر إلى توزيع العادل للثروة، يظل الحديث عنه لا معنى وغير قابل للتحقق إذا لم يتم التصدي لجذور الظاهرة. يرتبط مفهوم العدالة الاجتماعية بشكل عضوي بالنظام الرأسمالي، حيث يُسمح لطبقة ملاكي وسائل الإنتاج بالسعي لتحقيق أقصى الأرباح من خلال استحواذهم على فائض قوة العمل، والذي يتحول في سياق عملية الإنتاج إلى رأسمال .

 

أصحاب العمل الذين يشترون قوة عمل العمال الذين يعملون لديهم يحاولون تخفيض أجورهم إلى أدنى مستوى ممكن للاستحواذ على أعلى حصة من القيمة المضافة وزيادة أرباحهم. لقد ابتكرت الدول الرأسمالية نظام التكافل الاجتماعي (الذي يتم تمويله من خلال استقطاعات ضريبية على رجال الأعمال وبقية العاملين، ومن موارد النشاطات الاقتصادية التابعة للحكومة) لضمان دخل شهري لغير العاملين يكفل لهم شبه حياة آدمية.

لم يكن قبل ظهور النظرية الاشتراكية أن يدرك العمال وأحزابهم مصدر ثروة أرباب العمل وأسباب فقرهم وجوعهم، اكتشفوا أن أجور عملهم، التي يستلمونها مقابل يوم عمل مضني وطويل، ليست سوى جزء من قيمة قوتهم العاملة التي تم بيعها لأصحاب الأعمال، أما الجزء الآخر غير المدفوع من قيمة قوت عملهم، فقد احتفظ به أرباب العمل لتراكم رؤوس أموالهم، حتى أصبحوا من كبار رؤوس الأموال .

في جزء من وقت العمل، يقوم العمال بإنتاج قيمة سلعية تُستخدم لتلبية حاجاتهم واحتياجات عائلاتهم، ويُعبر عن هذه القيمة بالأجر اليومي الذي يستلمونه، أما في الجزء الآخر من يوم العمل، يقومون بأعمال غير مدفوعة الأجر ومجانية ،  يستولي عليها الرأسمالي وهي سر ثروته .

الجزء غير المدفوع من قيمة العمل يُطلق عليه كارل ماركس اسم فائض القيمة أو العمل المتراكم ، يُعد هذا الفائض هدفًا يسعى إليه أرباب العمل، حيث يستثمرونه لتضاعف رؤوس أموالهم ، وبفضل هذا الاستثمار، ينتقلون من فئة اجتماعية إلى أخرى أكثر ثراءً ، ينقسم المجتمع الرأسمالي إلى طبقات متدرجة على شكل هرم، حيث تشكل الطبقة العاملة قاعدة الهرم وهي الأدنى في سلم الدخول وحيازة الثروة ، بينما تتربع طبقة الأثرياء في القمة، وتنقسم هذه الأخيرة بدورها إلى فئات مختلفة، تشمل فئة أصحاب البلايين في قمتها ، فلو تعذر على أرباب العمل تحقيق فائض القيمة التي تكمن فيها أرباحهم لما استثمروا رؤوس أموالهم في النشاطات الاقتصادية هذه ولسرحوا جميع العمال من أعمالهم.

الاقتصاد الرأسمالي يتعرض بشكل متكرر لحالات الركود والانتعاش لأسباب كثيرة، ومن أهم هذه الأسباب اختلاف قرارات أصحاب العمل حيث يسود في الاقتصاد الرأسمالي مبدأ حرية نشاط المشروع الخاص، في نفس الوقت تمتنع الدولة عن التدخل في قرارات أرباب العمل، طالما أن هذه القرارات لا تخالف القوانين والقرارات المنظمة للحياة الاقتصادية، تختلف مبررات التدخل من دولة لأخرى ومن ظرف لآخر، فعبر الزمن اختلف دور الدولة في الحياة الاقتصادية، حيث زاد دورها في بداية الثورة الصناعية، حيث كان لها قطاعها العام في المجالات الصناعية والخدمية والمصرفية ، ولكن هذا الدور بدأ في التقلص تدريجيًا مع التقدم التكنولوجي وتطور المشروعات الاقتصادية الخاصة، واتساع قواعدها وتكامل عملياتها الإنتاجية.

وقد اختلفت النظريات الاقتصادية في نظرتها أو تفسيرها لمبدأ تدخل الدولة فبعضها يجيز للدولة التدخل لانقاذ المشروع الاقتصادي الخاص عند تعرضه للمصاعب المالية والتجارية في حين تجيز أخرى للدولة قيامها بنشاطات اقتصادية لتشغيل القوى العاملة العاطلة وبتشجيع المشروعات الخاصة الصغيرة ودعمها ماليا بتخفيف الاعباء الضريبية عنها. كما ذهب بعض الاقتصاديين الى مدى أبعد فاجاز للدولة القيام بالنشاط الانتاجي صناعيا كان أو زراعيا في المجالات التي لا ينجذب لها المشروع الخاص اما لضخامة التكاليف الثابته ( البنية التحتية والمتطلبات التكنولوجية والالات الانتاجية ) أو لانخفاض هامش الربح فيها.

النظام الاشتراكي هو نموذج اقتصادي مهم ينظر إليه بإعتباره وسيلة للقضاء على عدم المساواة في حيازة الدخل والثروة ، يستند هذا النظام إلى حصر ملكية وسائل الإنتاج في دولة العمال والكادحين، حيث تقوم مؤسساتها الاقتصادية بالاستثمار مباشرة في الموارد الاقتصادية والبشرية المتاحة، حيث نجحت الحكومات الاشتراكية في دول المعسكر السابقة في معالجة ظاهرة البطالة، حيث استطاعت بنجاح استئصال أسباب الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، لكن هذا لا يعني تساوي أجور العمل ، فلكل مهنة متطلباتها الفنية والعلمية وعند حساب الكفاءة والخبرة السابقة ومخاطر العمل التي يتعرض لها العمال في ظروف الأخطار البيئية فان مستوى أجورهم يكون أعلى بالضرورة.

بعد القضاء على نظام الاستغلال الطبقي الذي ارتبط بالمشروع الرأسمالي، يصبح فائض القيمة مصدر ثراء للرأسماليين وتكديس الثروات بأيديهم يصبح من حق العمال أنفسهم أن يستفيدوا من هذا الفائض من خلال زيادة أجورهم وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية والبيئية التي تؤثر في حياتهم وحياة عائلاتهم، مع تقدم التطبيقات الاشتراكية في البلاد، من خلال التصنيع الواسع وإصلاح الزراعة وتطوير البنية التحتية، ستنضم نسبة متزايدة من قوى العمل الجديدة تدريجيًا إلى قوى العاملة بفضل التخطيط الاقتصادي والتقدم المحرز، لكن هذا لن يحدث بسرعة، بل سيستغرق وقتًا وجهودًا مثابرة على مختلف المستويات يجب تطوير فروع إنتاجية جديدة في مختلف قطاعات النشاط الاقتصادي، سواء كان ذلك لإنتاج سلع بديلة للاستيراد أو لزيادة إنتاج سلع جديدة للاستهلاك المحلي أو حتى للتصدير، هذه المبادرات ستساهم في استيعاب أعداد جديدة من قوى العمل وتحقيق استخدام كامل لهذه القوى.

كانت الاشتراكية تمثل تجربةً أولى في التاريخ، وفي روسيا خاصةً، حيث واجهت ظروفًا بالغة الصعوبة، فلو كان كارل ماركس على قيد الحياة في تلك الفترة، لما نصح بإعلانها، فروسيا لم تكن دولةً رأسماليةً صناعيةً كاملةً التطور، ولا دولةً زراعيةً حديثةً، بل كان اقتصادها متخلفًا في المجالين، وكان ذلك ينعكس على العلاقات الاجتماعية والمستويات العلمية والثقافية والتكنولوجية ، إلّا أنها كانت متقدمة على غيرها من الدول الصناعية  بالوعي الطبقي والوطني،كل ما استخدمته السلطة الروسية من إجراءات ونظم إدارية ووسائل مالية ونقدية لتطبيق مفهومها للنظرية الاشتراكية كان ابتكارًا، فالطريق الذي اختارته الدولة الجديدة لم يكن مألوفًا من قبل؛ حيث شقت طريقها باعتماد على وعي القيادة الاشتراكية، وخصوصًا رئيسها فلاديمير لينين.

يعتبر فلاديمير لينين أول مفكر ماركسي يطرح تفسيره لمنظور الماركسيين الأوائل حول الاشتراكية في بلد غير متطور اقتصاديا ويشرع في تطبيقاته لها على واقع الاقتصاد والمجتمع الروسي، وبرغم عمق ثقافة الرجل واطلاعه الواسع وقدراته الفذة في الاقناع والقيادة والحوار والنقد تعرضت خططه لتطبيق الاشتراكية للمصاعب فلم يتردد في التراجع عنها حماية للمشروع الاشتراكي الذي أصر على انجاحه. التجربة الاشتراكية الروسية انتقلت منذ ايامها الأولى من محيطها وواقعها الجغرافي الى العالمية فاصبحت موضع اهتمام أمم كثيرة في القارات الخمسة وبصورة خاصة الكادحين فيها الذين توجهوا نحوها بكونها القوة الروحية التي حركت فيهم الرغبة للسير على طريقها. لقد رتبت تلك القوة الروحية العارمة مسئولية جديدة على الدولة الاشتراكية الأولى في التاريخ فكان عليها أن تثبت عمليا انها قادرة وليس فقط عازمة على تحويل تلك الوعود الى منجزات مادية تجد تعبيرها في ارتفاع المستوى المعيشي المادي والروحي للطبقة العاملة والشعب الروسي وهي المهمات التي وضعتها الاشتراكية موضوع الاهتمام.

وإذا اعتبرنا طريق الاشتراكية هو البرنامج الذي ستضطلع به السلطة الجديدة، فلم تكن تفاصيله واضحة حتى لقادة الثورة ذاتهم. حتى لينين لم يستطع التأكيد على مدى نجاح سلطة البلاشفة على أرض الواقع، وفقًا للنظرية الماركسية التي لم يتحدث صاحبها (كارل ماركس) إلا قليلًا عن الخطوات العملية التي يجب أن تتخذها سلطة البروليتاريا عندما تستلم الحكم. كتب ماركس بشكل مكثف عن التراكم الرأسمالي وقيمة العمل والبضائع، والفائض من قيمة العمل وأرباح رأس المال. كما تناول بشكل كبير الصراعات الطبقية التي ستخوضها طبقة العاملين ضد أرباب العمل، لكنه لم يكن على علم بقواه التدميرية والأشكال التي سيتخذها لاستعادة البرجوازية والرجعية لسلطتها ومصالحها المفقودة.

التجربة الاشتراكية الروسية التي بدأت بعد ثورة الخامس والعشرين من أوكتوبر 1917 التي يحتفل الشيوعيون والتقدميون والعمال في العالم هذا العام بذكراها ،  واجهت هذه التجربة تحديات كثيرة وخطيرة داخلية وخارجية. في الداخل، شكلت العلاقات الزراعية المرتبطة تاريخيًا بالملكية الخاصة للأرض الزراعية تحديًا للسلطة البلشفية. في البداية، حاولت السلطة وضع أسس للملكية الزراعية الجماعية للأرض، لكنها اكتشفت أن الوقت ما زال مبكرًا وأنه يجب التراجع خطوتين للوراء.

تم التراجع والقبول بالواقع السائد، مع تنفيذ تغييرات قانونية وتنظيمية مؤقتة. كان هذا ضروريًا حتى نضوج الظروف الاقتصادية والاجتماعية المناسبة لبدء بناء الاقتصاد الزراعي على أسس اشتراكية. وحتى ذلك الحين، لم يكن هذا ممكنًا دون دفع ثمن باهظ. يُمكن أن نقول نفس الشيء عن ردود الفعل التخريبية للبرجوازية الصغيرة والمتوسطة على التطبيقات الاشتراكية. فقد قاموا بأداء دور رجعي وتخريبي، عائقًا أمام تلك التطبيقات من خدمة مصالحهم الانانية. في ليلة وضحاها، تحولوا إلى طابور خامس يخدم مصالح الدول الإمبريالية. وعادوا روسيا إلى الاشتراكية كأول دولة للعمال والفلاحين والجنود في التاريخ.

 

لقد أخبرنا كارل ماركس في كتاباته المبكرة ان الاشتراكية هي فترة قصيرة انتقالية بين الرأسمالية والشيوعية ولم يشر الى زمن تقريبي تستغرقه تلك الفترة القصيرة ،  ، لم يحدد زمنًا محددًا لهذه الفترة. قد تستغرق هذه المرحلة القصيرة خمسة أو عشر سنوات، أو قد تكون أقصر أو أطول حسب الظروف المحيطة في ذلك الزمان. يجب ملاحظة أن توقعاته قائمة على حسابات مبنية على الظروف الموجودة حينها، ولا يمكن التأكيد على ملائمتها لتطبيق الاشتراكية وثم الشيوعية بشكل قاطع.

 

لكننا الذين عايشنا التطبيقات الاشتراكية في روسيا وفي غيرها من الدول قد صدمنا بحجم المصاعب الداخلية والخارجية التي واجهتها. آخذين ما واجه التجربة الروسية بنظر الاعتبار أصبحنا على قناعة بأن المثال الروسي لا يصلح البتة لأستيعابه في الفترة التي قصدها ماركس. فالأجواء الدولية لم تتطور في صالح الدولة الاشتراكية الفتية بل ضدها حيث تعرضت لعدوان عسكري اضطرها للدفاع عن نفسها. وبنتيجة اصرارها على بناء الاشتراكية تحولت أكثرية الدول الغربية ضدها بنفس الوقت قامت بقمع محاولات الطبقة العاملة فيها للثورة الاشتراكية وبذلك افتقدت روسيا لدعم الطبقة العاملة في العالم.

 

في ظل تلك الظروف غير الملائمة، لم يكن من الممكن تحقيق المرحلة الاشتراكية والانتقال إلى الشيوعية. ولذا كان  يجب الاستمرار  في بناء القاعدة المادية للنظام الاشتراكي، وذلك من أجل تطوير الطاقات العلمية والثقافية في المجتمع الاشتراكي، وتحسين الطاقات الإنتاجية وجودة منتجاتها. هذا سيمكّن الدولة الاشتراكية من تحقيق التفوق على الدول الرأسمالية المتقدمة.

أظهرت التجربة الروسية أن وجود الحزب الشيوعي الواعي بدوره كقائد سياسي وفكري ماركسي يشكل ضمانًا لنجاح التحولات الاشتراكية وتعزيزها. يمكن أن يجعل هذا النموذج من دولة مثل الاتحاد السوفيتي مثالًا يحتذى به. ومع ذلك، فإن تطور الحزب الشيوعي السوفيتي في السنوات الأخيرة من وجود الاشتراكية قد سار في اتجاه معاكس، حيث تعزز التيارات الانتهازية اليمينية دون أن يلاحظه أحد.

 

رغم استئصال قاعدة الملكية الخاصة في المراحل الأولى من بناء الاشتراكية، كانت الميول البرجوازية موجودة وفعالة. حلت الملكية العامة، أي الملكية الاشتراكية، محلها. ومع ذلك، لم يقضِ التغيير الاشتراكي الأساسي على تلك الميول الانانية تمامًا، بل أخفق في إزالتها بالكامل ،وانما تأجيلها ، حتى يأتي وقت مناسب للفرص. وكما أظهرت التجربة الاشتراكية في روسيا ودول أخرى، فإن وضع قادة حزبيين على رأس المؤسسات الاشتراكية لا يكفي لاعتبارها ملكية اشتراكية أو أنها في أيدي أمينة. بين هؤلاء القادة من قضوا جل حياتهم في خدمة الحزب الشيوعي، كانوا يستخدمون نشاط المؤسسات الاشتراكية التي أشرفوا عليها لخدمة مصالحهم الخاصة. حاول بعض الأفراد التعامل مع المشروع الاشتراكي بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع مشاريعهم الخاصة في اقتصاد السوق الرأسمالي، بهدف تحقيق أقصى هامش من الأرباح. وهذا التصرف كان سببًا في تبني القوى العاملة في الاتحاد السوفيتي موقفًا سلبيًا تجاه خطط زيادة إنتاجية العمل التي كان يتم تحديدها من قبل رؤساء المؤسسات الاشتراكية لزيادة الإنتاج. فأدرك العمال أن “فائض قيمة العمل” الذي ينجم عن جهودهم الإضافية لزيادة الإنتاجية لن يؤدي إلى زيادة مباشرة في أجورهم، بل سيرتفع إلى جيوب المسؤولين في المؤسسات الإنتاجية والأشخاص المتعاونين معهم. هذه الحقيقة تشكل جزءًا من إجابة التساؤل الذي ردده كثيرون عند انهيار اسباب انهيار الاشتراكية :

 

لماذا لم يخرج العمال السوفيت إلى الشوارع دفاعًا عن نظامهم الاشتراكي؟ لقد شُيِّد هذا النظام بالفعل لصالحهم، وبتضحياتهم. ومع ذلك، توصلوا إلى قناعة بأنه لم يعد يخدم مصالحهم، فتركوه يتهاوى مع كل آمالهم. كانت كميات من السلع الضرورية التي تنتجها المؤسسات الصناعية الاشتراكية تُبَاع في سوق سوداء عبر قنوات خاصة بالتواطؤ مع مسئولين في مؤسسات التوزيع الحكومية. هذه التجارة تحولت إلى الاقتصاد الثاني الموازي حيث تُحول قيمتها إلى حسابات سرية في البنوك المحلية والأجنبية. في عهد حكومات جوزيف ستالين، لم تجرؤ قوى الطبقات المستغلة على التلاعب بحقوق الكادحين، وذلك بفضل سياسة صارمة تضمنت عقوبات صارمة ضد المخالفين. هذه التدابير ساهمت في تحقيق أعلى معدلات نمو اقتصاد اشتراكي طوال فترة حكمه.

 

بعد رحيل ستالين، تمكنت الزعامات التي نددت بسياساته الداخلية من استغلال الفرصة الذهبية والأجواء المناسبة لتحقيق تطلعاتها البرجوازية داخل الحكومة ومنظمات الحزب. وقبل أن يتاح المجال لمثل هذه الأنشطة المخالفة للقوانين والتربية الاشتراكية، قادت الدولة السوفيتية تحولًا من دولة شبه اقطاعية متخلفة إلى دولة صناعية قوية على الساحة الدولية. خلال فترة النظام الاشتراكي، شهد التعليم تطورًا مستمرًا، حيث أصبح مجانيًا، وكذلك تحسَّنت خدمات الرعاية الصحية. ارتفع مستوى المعيشة لشعوب الاتحاد السوفيتي بفضل بناء اقتصاد قوي وصناعة متقدمة. كان ذلك أيضًا سببًا في تعزيز قوة الجيش السوفيتي ليصبح ثاني أقوى دولة عظمى في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

 

في أيامنا هذه، لا يتحدث أحد بإيجابية عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت عليها دول الاشتراكية السابقة. بالعكس، يعيد الكثيرون تكرار المعلومات المشوهة التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية الموالية للرأسمالية، مثل فشل الاشتراكية وأن الزمن قد تجاوز مرحلة الثورات الاشتراكية، وأن العصر قد استقر لصالح الرأسمالية واقتصاد السوق. إن مَن يروِّجون لهذه الترهات يُظهرون ضعف ذاكرتهم وفقر معلوماتهم التاريخية، حيث يُغفلون عن التدمير الشامل الذي ارتكبه النازيون ضد دولة الاتحاد السوفيتي، والذي لم يحدث مثيلًا له في التاريخ المدوَّن.

 

لكن لا بأس من ذكر بعض الارقام والحقائق للتذكير بالحالة الاقتصادية التي تطور اليها الاتحاد السوفيتي بعد تحرير البلاد من الغزاة الألمان. فلو افترضنا ان الناتج القومي الاجمالي بالاسعار الثابتة في الاتحاد السوفييتي في عام 1950 كان 100% فانه بناء على ذلك قد ارتفع عام 1972 الى 580% بينما زاد في الولايات المتحدة 214% وفي بريطانيا 169% وفي فرنسا 309% وفي ألمانيا 352%. وقد بلغ معدل النمو الاقتصادي السنوي في الاتحاد السوفييتي خلال الفترة 1950 – 1972 8,3% بينما بلغ في أمريكا 3,5% وفي ألمانيا 5,9% وفي بريطانيا 2,4 % وفي فرنسا 5,23%. أما متوسط معدل نمو الدخل القومي في الدول الرأسمالية في الفترة 1951 – 1973 فكان 4،6% بينما بلغ في دول مجلس التعاضد الاقتصادي 7,9% ( المنظمة الموازية للاتحاد الأوربي ). أما معدل نصيب الفرد من الدخل القومي في بلدان مجلس التعاضد الاقتصادي فكان أعلى من العديد من البلدان الرأسمالية الأوربية ، لكنه كان أقل من مستوى متوسط الدخل القومي في الدول الرأسمالية الأكثر تقدما.

بدءًا من سبعينيات القرن الماضي، باشرت الدول الرأسمالية بزيادات كبيرة في الإنفاق العسكري، مما أدى إلى سباق تسلح غير مسبوق مع النظام الاشتراكي. اضطر هذا النظام لتخصيص ميزانية كبيرة للنفقات العسكرية على حساب تطوره الاقتصادي. على سبيل المثال، قامت الولايات المتحدة بزيادة نفقات التسلح من 134 مليار دولار في عهد الرئيس كارتر عام 1979 إلى 253 مليار دولار في بداية عهد رونالد ريغان، حيث وصلت هذه النفقات إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي. وكان ذلك سببًا في اضطرار اتحاد السوفيتي لزيادة ميزانيته العسكرية أيضًا، حيث ارتفعت من 22% في عام 1979 إلى 27% من الناتج المحلي المجموع في عام 1989.

 

أثرت الزيادة الكبيرة في النفقات العسكرية على حجم ميزانية التنمية الاقتصادية والاستهلاكية، مما أدى إلى خفض معدلات النمو الاقتصادي. هذا، بدوره، أثر على حجم الاقتصاد السوفيتي وأدى إلى تراجع مكانته في قائمة الدول الأكثر تقدمًا. في وقت ما، كان الاتحاد السوفيتي يحتل المرتبة الثانية في العالم من حيث القدرات العسكرية بعد الولايات المتحدة. ومع ذلك، لم يحقق نفس المستوى من التطور كقوة اقتصادية عالمية.

كان لهذا أسباب موضوعية يجب ألا نغفلها. خلال الحرب العالمية الثانية، تعرض اقتصاد الاتحاد السوفيتي لخسائر مادية وبشرية هائلة تفوق ما فقدته جميع دول غرب أوروبا. بالمقابل، استمر نمو اقتصاد دول غرب أوروبا دون مشاكل كبيرة، نظرًا لأن غزو ألمانيا النازية لم يؤدي إلى تخريب بنيتها التحتية واقتصادها بنفس الشكل كما حدث في دولة الاتحاد السوفيتي. إضافةً إلى ذلك، تلقت دول غرب أوروبا دعمًا اقتصاديًا مباشرًة من الولايات المتحدة. بفضل مشروع مارشال، تسارع عملية التنمية في هذه الدول بهدف أن تكون نموذجًا إيجابيًا للاقتصاد الرأسمالي.

 

انَّ تجاهل كل تلك الحقائق عند المقارنة بين الاقتصاد السوفيتي والاقتصاديات الغربية يبين سوء النوايا وحجم التشويه الذي مورس ضد النظام الاشتراكي وحجم الجريمة التي ارتكبت بحق الاشتراكية بعد عام1985 عندما أتى ميخائيل كورباجيف بمشروعه الاصلاحي التصفوي الذي نال اعجاب الدول الغربية فاستحق بجدارة جائزة نوبل للسلام.

 

سأتناول في هذا الجزء تأثير ثورة أوكتوبر في العالم.

تأثرت بعض الدول في أنحاء مختلفة من العالم بالنموذج الاشتراكي الروسي الذي نشأ مع تأسيس الدولة السوفيتية، وبدأت تجارب اشتراكية خاصة بها. ومن بين هذه الدول، كانت دول وسط وشرق أوربا التي تحررت من الاستعمار النازي بفضل المساعدة السوفيتية في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. وفي هذه الدول، تعاونت القوى السياسية المختلفة التي قاومت النازية، مثل الأحزاب العمالية  والديمقراطية الوطنية، لتشكيل حكومات تحالفية تهدف إلى إعادة إعمار بلدانها والانتقال إلى النظام الاشتراكي بموجب برامج عمل محددة، وبالاستفادة من دعم الاتحاد السوفيتي. تمكنت هذه الدول من تحقيق إنجاز عظيم في إعمار ما دمره الاحتلال النازي من بلادها وفي الوقت نفسه شرعت في تطوير اقتصادها بأسلوب اشتراكي يراعي القطاع الخاص الفردي في مجالات الزراعة والصناعات اليدوية الصغيرة والخدمات التي شكلتْ حوالي 20% من إجمالي ناتجها القومي. تلت ذلك الصين الشعبية بعد انتصار الجبهة الوطنية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني عام 1949 فكانت لها تجربتها الخاصة لبناء الاشتراكية التي انتهجتها حتى عام 1978 باشرت بعدها تجربة جديدة أطلقت عليها اشتراكية اقتصاد السوق وفق المنظور الصيني. أخذ بالمنظور الصيني الجديد عندما انتصر التيار الاصلاحي في قيادة الحزب الشيوعي الذي قام على اثره بتغييرات جوهرية في السياسة الاقتصادية الصينية عدت تراجعا كليا عن الخط الاشتراكي الذي وضع موضع التطبيق في عهد زعيمها حينها ماوتسي تونغ عام 1949. وما يزال الحزب الشيوعي على رأس السلطة الصينية وتحت قيادته يتطور الاقتصاد الصيني الرأسمالي تقوده آلاف الشركات الخاصة مع دور مهم لقطاع الدولة في التصنيع والتجارة الدولية والاشراف على نشاطات القطاع الخاص الصيني. وقد سمح النظام القائم لنشاط واسع للشركات الرأسمالية الاجنبية في البلاد.

بعض الدول التي اتبعت النظام الاشتراكي في تاريخها كانت تحت تأثير الاتحاد السوفيتي سياسيا واقتصاديا، مثل جمهورية اليمن الجنوبية في أواخر السبعينات ومصر والشيلي وفنزويلا واثيوبيا وليبيا وزيمبابوي وأنغولا وموزامبيق وغرينادا والكونغو برازافيل. كما كان لبعض الدول تجاربها الاشتراكية ، مثل كوريا الشمالية وفيتنام وكوبا، التي قادها قادة وطنيون مستقلون. واجهت هذه الدول مصاعب منذ اليوم الاول لمباشرتها وصعوبات كبيرة نتيجة الحروب الداخلية والخارجية التي أثرت سلبا على عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ففي كوريا، دمرت الحرب التي اندلعت عام 1950 اقتصاد البلاد وما زالت تركت آثارها حتى يومنا هذا. وفي فيتنام، تعرضت الدولة للهجوم الأمريكي بعد أن تخلصت من الاستعمار الفرنسي، بسبب سياسة الأمريكية المعادية للشيوعية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خسرت ألمانيا النازية أمام روسيا السوفيتية، مما زاد من شعبية الفكر الاشتراكي والدولة السوفيتية.  خلال الفترة من عام 1956 إلى عام 1972، تعرضت فيتنام لعدوان أمريكي دموي أسفر عن مقتل نحو 700 ألف فيتنامي وإصابة 15 مليون آخرين بجروح وإعاقات. كما تكبدت البلاد خسائر مادية هائلة بسبب القصف الجوي الذي استخدم فيه الأمريكيون قنابل ومتفجرات ومواد كيماوية شديدة الضرر. وقد بلغ إجمالي ما أسقطته الطائرات الأمريكية من تلك المواد 7،555،880 مليون طن، وهو رقم يفوق ثلاثة أضعاف ما ألقته على قوات المحور في الحرب العالمية الثانية والذي كان 2،562،440 مليون طن.

بعد سنوات طويلة من الصمود أمام العدوان الأجنبي، تمكن الفيتناميون من تحقيق حلمهم في توحيد شطري بلادهم الشمالي والجنوبي، وسقطت سايغون عاصمة الجنوب في أيديهم بعد هزيمة القوات الأمريكية وحلفائها. وبدأت فيتنام مسيرة نحو الاشتراكية بالاستفادة من المساعدات التي قدمتها لها الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الأخرى. لكن هذه المسيرة تعرقلت بعد انهيار النظام الاشتراكي في روسيا وفقدان فيتنام للدعم المادي والعلمي والعسكري. ولم تكن فيتنام وحدها التي فشلت في بناء الاشتراكية، ففي أماكن أخرى مثل اليمن الجنوبي وأثيوبيا والشيلي تم إجهاض محاولات مماثلة، بينما تواصل كوبا وفنزويلا مقاومة الضغوط والعقوبات التي تفرضها عليها الولايات المتحدة.

لم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية بمواجهة الدول التي تسعى لبناء نظام اشتراكي ، بل شنت حملات عسكرية على الدول السيادية التي تحافظ على علاقات جيدة وتعاون مثمر مع دول فيتنام وكوريا الديمقراطية والصين الشعبية والدول الاشتراكية. تعرضت دولة لاوس وكمبوديا المحايدتان للاجتياح الأمريكي الذي استغرق تسع سنوات من عام 1964 إلى عام 1973. خلال فترة الهجوم الأمريكي على لاوس ، أسقطت طائراتها أكثر من مليوني قنبلة في غارات تجاوزت 58000 غارة وعلى مدار 24 ساعة متواصلة بمعدل غارة كل ثماني دقائق وبمعدل طن من المتفجرات لكل شخص وهو رقم قياسي في التاريخ للبلد الذي تلقى هذا الحجم من المتفجرات بدلا من المساعدات الغذائية والإنسانية التي كانت لاوس وكمبوديا في حاجة ماسة إليها. تجربة روسيا الاشتراكية هي الأخرى تعرضت للحروب العدوانية منذ سنينها الأولى ، فعندما كانت تسعى لبناء اقتصادها الاشتراكي بطريقة سلمية، تعرضت لحرب تدخل شنتها دول امبريالية مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا واليابان وغيرها من الدول الأوروبية في عام 1918، في حين كانت تحاول استعادة اقتصادها المدمر وجيشها المنهك بعد قرارها بالخروج من الحرب العالمية الأولى.فالدولة الاشتراكية اعلنت أثناء ما كانت الحرب ماتزال مشتعلة وتستنفذ مواردا بشرية واقتصادية هي في أمس الحاجة اليها. وخلال ذلك كانت قوات النظام الرجعي السابق تحاول اعادة عجلة التاريخ الى الوراء عن طريق اعادة ترتيب قواها فباشرت ببدء الحرب الأهلية لافشال خطط بناء النظام الاشتراكي الجديد. كانت الحرب التي تواجهها الدولة الشابة في تجربتها الاشتراكية الجديدة عائقا أمام بناء الهياكل الأساسية للنظام الذي يهدف إلى إنهاء الظلم الاقطاعي العبودي، وكان هذا الظلم يسمح للأرستقراطية بالاستيلاء على معظم الأراضي الزراعية وتكديس الثروات بينما يعاني الملايين من المزارعين من المجاعة. لذلك، كانت أولوية الدولة إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن.  كانت القوى الرجعية التي تعارض السلطة الاشتراكية الجديدة تحظى بدعم مادي ومعنوي من الدول الأجنبية التي كانت تخشى أن تصبح الدولة الاشتراكية نموذجا يحتذى به من قبل شعوبها والدول المتحالفة معها. وفي ظل استمرار الصراعات السياسية الداخلية التي كانت تهدد استقرار النظام الجديد، اندلعت الحرب العالمية الثانية في عام 1939 ثم شن النازيون هجوما على الدولة الاشتراكية في عام 1941. وقد تسببت هذه الحرب في خسارة كبيرة للبلاد من حيث الموارد البشرية والاقتصادية التي استهلكت في مواجهة  وإيقاف التقدم النازي ثم تحرير أراضي روسيا بالكامل من بقاياه.  ميخائيل كورباجيف هو المرتد الذي تولى قيادة الدولة الاشتراكية عام 1985 وبدأ في تدميرها من الداخل. لم يكن لديه هدف سوى إنهاء النظام الذي أسسه الثوريون والمقاتلون من أجل العدالة والمساواة. خلال خمس سنوات من حكمه، أوقف كورباجيف عملية البناء الاشتراكي وأحدث حالة من الانهيار والفوضى في البلاد. كان يجتمع بانتظام مع رئيس الولايات المتحدة رونالد ريغان، الذي كان يحارب الاتحاد السوفييتي بكل الوسائل الممكنة. وفي ظل حكم كورباجيف، ازدهرت مافيات الفساد والسوق السوداء، وتدهورت حالة الشعب السوفييتي إلى مستوى لم يشهده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بعد أن تولى كورباجيف السلطة لمدة ثمانية أشهر، عقد اجتماعًا مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان استمر يومين. في نهاية الاجتماع، أعلنا عن بعض الاتفاقات حول تخفيف التوتر بين البلدين والحد من عدد الصواريخ النووية ذات المدى القصير والمتوسط وتقليل المخزون النووي إلى أدنى مستوى ممكن. كورباجيف بدا وكأنه مفاوض قوي وأجبر الجانب الأمريكي على التنازلات، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا. فقد حقق كورباجيف أهم أهداف رونالد ريغان التي كان قد خطط لها قبل أن يصبح رئيسًا للولايات المتحدة وهي إنهاء النظام الاشتراكي واستبداله بالنظام الرأسمالي. ريغان كان لديه برنامج محدد للقضاء على النظام الاشتراكي وبدأ في تطبيقه منذ أول يوم في منصبه في عام 1980، قبل خمس سنوات من تولي كورباجيف منصبه في عام 1985. فما هو برنامج ريغان؟؟. في شهر كانون الثاني- يناير 1977 اربعة سنوات قبل دخوله البيت الأبيض صرح لبعض المقربين له من الحزب الجمهوري انه يفكر بالحرب الباردة وانه يحمل حلا قائلا " نحن سننتصر وهم سيخسرون" وكان يعني بذلك الانتصار على المعسكر الاشتراكي . وما أن انتخب رئيسا للبيت الأبيض باشر سياسته الهجومية ضد الاتحاد السوفيتي معلنا ان وقت سياسة الاحتواء قد ولى وعلينا العمل من أجل الفوز. السياسة الخارجية الأمريكية المتبعة حينها ولفترة طويلة هي تحاشي الصدام مع الدولة السوفيتية والتركيز على السبل الدبوماسية ، وهو ما حاول مستشاراه للسياسة الخارجية والاقتصادية اقناعه به وهما البروفيسورJohn Kenneth Galbraith و Arthur Schlesinger مبررين ذلك بالقول " ان الاتحاد السوفيتي قوي اقتصاديا وعسكريا وان استمرار سياسة الاحتواء والحوار هي افضل لأمريكا . باعتباره الرئيس الأمريكي المنتخب، أكد في أول مؤتمر صحفي له أن الاتحاد السوفيتي يهدف إلى إحداث ثورة عالمية لإقامة دولة شيوعية عالمية، وأنه لن يسمح بذلك. وقال: "الشيوعية في حالة تراجع وانهيار، وأنا مسؤول عن استراتيجية الفوز". واستند في هذا الموقف إلى تحليله الشخصي وإلى التقارير الاستخبارية التي تلقاها. وعقد 57 اجتماعا لمجلسه الوطني في العام الأول من حكمه لوضع سياسة تتماشى مع هدفه المتمثل في تدمير الاتحاد السوفيتي.  بدأ بإلقاء خطابات موجهة لشعوب الدول الاشتراكية عن طريق وسائل الإعلام التي زادت من نشاطها بناء على تعليماته ووعد الذين عاشوا خلف الستار الحديدي لمدة حوالي 40 عامًا بأن الحرية قادمة وأن العالم الحر لم يتخلى عنهم. كما تحدث إلى الهنغاريين بشكل خاص وأشاد بمظاهراتهم التي نظموها في عام 1956 وما تلاها. وفي عام 1981 في الذكرى الخامسة والعشرين لانتفاضتهم ألقى خطابًا خاصًا بهذه المناسبة قائلاً: "إن نضالكم من أجل الحرية جعل الأمريكيين أكثر حرصًا على العمل من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية لجميع البشر". وكرر ذلك في خطابه في مجلس العموم البريطاني عندما زار بريطانيا في عام 1982.

الرئيس ريغان واصل ما بدأه الرئيس هاري ترومان، الذي أطلق الحرب الباردة على الاتحاد السوفيتي في عام 1949، بناءً على سياسة خارجية وضعها وزير خارجيته دين أجيسون. وكانت هذه السياسة مستندة إلى تقرير سري للغاية أعده جورج كينون، السفير الأمريكي السابق في موسكو ومدير وكالة المخابرات المركزية، بالتعاون مع بول نيتز، رئيس مجلس الأمن القومي آنذاك. وحمل هذا التقرير السري اسم NSC- 68، وفيه زعم أن الصراع بين أمريكا والاتحاد السوفيتي هو "صراع بين مجتمع الحرية ومجتمع العبودية". لذلك، لا يُستغرب أن نجد ساسة أمريكا الذين خلفوا ترومان يتبنون سياسات معادية للشيوعية، تهدف إلى التقليل من نفوذ النظام الاشتراكي، الذي ازداد قوة وشعبية بعد هزيمته للنظام النازي في الحرب العالمية الثانية. لقد ورد بذلك التقرير العالي السرية ان على الولايات المتحدة انتاج القنبلة الهيدروجينية لدفع سياسة سباق التسلح الى أعلى مستوياتها منطلقين من اعتقاد بأن ضعف الولايات المتحدة يقود الى العدوان عليها. لكن بعد اجراء التجربة الناجحة للقنبلة النووية من قبل السوفييت عام 1949 دب الفزع في نفوس القادة السياسيين الأمريكيين بسبب فقدانهم ميزة التفوق العسكري على الاتحاد السوفيتي حيث تحول الاحتكار الأحادي للسلاح النووي الى احتكار ثنائي.

 انتشر الاعتقاد بأن الاتحاد السوفيتي بقيادة جوزيف ستالين يخطط لإنتاج سلاح ثرمونووي هائل، يمكن أن يساوي قوة ألف قنبلة نووية عادية. وقد أظهر الخبراء الأمريكيون اهتمامهم بهذا الأمر وبدأوا في تطوير هذا النوع من السلاح الفتاك، لإجبار الاتحاد السوفيتي على المشاركة في سباق تسلح باهظ التكاليف. ولكن لم يثبت التاريخ أن هذا السلاح تم إنتاجه أثناء حياة ستالين، الذي كان له دور كبير في كسر احتكار الولايات المتحدة للسلاح النووي، أو في عهود قادة سوفيت آخرين بعده. ولكن بعد وفاة ستالين، تم إطلاع القيادة السوفيتية على مضمون التقرير الأمريكي السري NSC – 68، الذي دعا إلى إنتاج القنبلة الهيدروجينية، مما دفعها إلى رد الفعل على تلك المخططات وتحذير الأمريكيين من خطورة تصعيد سباق التسلح. وفي خطابه أمام مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي، بعد انتخابه أمينًا عامًا للحزب، صرح جورجي مالنكوف ردًا على تلك التقارير قائلاً: "إن من يضرب على بابنا سيلقى جوابًا، وإن الاتحاد السوفيتي قادر على إنتاج القنبلة الكوبالتية وليس فقط الهيدروجينية".

 

سأتناول في هذا الجزء الدور الأمريكي في انهاء النظام الاشتراكي.

بينما يرى بعض المؤلفين أن الاشتراكية انهارت بسبب عيوبها الخاصة وسياساتها الداخلية الفاشلة، ينسب آخرون سبب الانهيار  إلى الولايات المتحدة وخصوصا إلى رئيسها رونالد ريغان الذي كان عازما على إسقاط الاتحاد السوفيتي. ومع ذلك ورغم مرور 38 عاما على انهيار الاتحاد السوفيتي، لا تزال هناك العديد من التفاصيل الغامضة عن المحادثات السرية التي جرت بين ريغان وكورباجيف والتي لم تكشف بعد. فمنذ أول يوم له في البيت الأبيض، كان ريغان واثقا من قدرته على تحقيق هدفه في إنهاء النظام الاشتراكي .  بدأ البيت الأبيض بإعطاء توجيهاته لمجلس الأمن القومي لإعداد خطة سرية ومُحكمة لتحقيق هدفه في الانتصار على الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، مستفيدا من خبرات سابقه هاري ترومان، صانع الحرب الباردة. وقد جاء المجلس بخطة لم يُكشف عنها إلا جزء يسير بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. وشملت الخطة السرية ما يلي من أنشطة :

1- سعي الولايات المتحدة  إلى إضعاف النفوذ السوفيتي في دول شرق أوروبا.

2- لهذا الغرض، استعانت بعمليات سرية ووسائل أخرى لدعم الحركات المعارضة للاتحاد السوفيتي وحلفائه في الدول الشيوعية بشرق أوروبا، وخصوصا في هنغاريا وبولندا. وكان للبابا جون بول الثاني، الذي كان من أصل بولندي، دور مهم في التنسيق مع الولايات المتحدة في هذه العمليات، حيث كان يحث الشعب البولندي على التمرد ضد النظام الشيوعي. وقد قال الصحفي والمؤرخ البريطاني بول جونسون عن هذه المسألة: "إن الرئيس ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر والبابا جون بول الثاني هم الثلاثة الذين أسقطوا الاتحاد السوفيتي، إمبراطورية الشر".

 

ومن الجدير بالذكر، انه عندما زار البابا جون بول  موطنه بولندا قام بزيارة الى Auschwitz ( هو مركز الاعتقال الجماعي الذي اقامه الألمان ليهود بعض دول أوربا ولرجال المقاومة البولنديين الذين قاوموا الاحتلال النازي قبل سوقهم للموت في غرف الغاز المعدة لذلك ) ، لقد خاطب البابا  "جون بول الثاني" الجماهير المحتشدة لتحيته والتي قدرت باكثر من مائتي ألف مواطن فدعاهم لمقاومة ما سماها الآراء الزائفة التي قيلت لهم قائلا:  " انتم ليسوا ماسميتم به ، دعوني اذكركم من انتم  ، وردتْ الجماهير على على دعوته  حيث قاموا بترديد " نريد الله ، نريد الله في المدارس ، نريد الله في الكتب ، نريد الله في العائلة ". وقد علق الرئيس ريغان على اجازة نقابة التضامن أول نقابة مستقلة في بولندة بعد زيارة البابا لها عام 1980 قائلا " كان لي شعوري الخاص خلال زيارة البابا لبولندا بان الدين يمكن ان يتحول الى قوة تدمر الاتحاد السوفيتي".

" That Religion May Turn Out To Be The Soviet Achilles Heel".

 

علما بأن البابا بدأ بعد عام 1982 وبعد تعافيه من محاولة اغتياله في ساحة سانت بيتسبيرغ بالعمل مع الرئيس ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية تاتجر على انهاء الشيوعية.

3- اتخذت الولايات المتحدة إجراءات لإحداث الفوضى في الاقتصاد السوفيتي وإضعافه بمنعه من الحصول على موارد مالية من الخارج ومنع تمويله  من الولايات المتحدة أو خارجها وبذلك شنت حربا اقتصادية خفية ضده.

4- رفضت الولايات المتحدة فكرة التعايش السلمي مع الاتحاد السوفييتي وسعت إلى عزله عن باقي العالم وهدفت إلى الحيلولة دون توسع نفوذه في أي مجال أو ظرف.

 5- دعم "حركات التحرير" في أفغانستان ونيكاراغوا وأنغولا وكمبوديا. (حركات التحرير التي أشار إليها ريغان هي الحركات المتخلفة والفاشية مثل حركة المجاهدين الإسلاميين الذين تم تجنيدهم من قبل السي آي أيه لمواجهة القوات السوفيتية في أفغانستان وكذلك العصابات التي هاجمت وقاتلت الحكومات الثورية في أنغولا وموزامبيق وكمبوديا ونيكاراغوا في ثمانينات القرن العشرين).

6- الاجتماع بممثلي الكنيسة الانجليكانية والكاثوليكية وحثهم على معارضة الشيوعية في امبراطورية الشر ( Evil Empire).

7- في بداية ولايته الرئاسية، رفع ريغان ميزانية التسلح الأمريكية التي وضعها سابقه كارتر. وصلت الميزانية من 134 بليون دولار في عام 1980 إلى 325 بليون دولار في عام 1981، ثم إلى 465،5 بليون دولار في عام 1987، مما شكل 7% من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا. كان هدف ريغان من ذلك إجبار الاتحاد السوفيتي على المشاركة في سباق تسلح باهظ الثمن. كان ريغان يدرك تأثير التسلح على مستوى المعيشة للشعب السوفيتي، وكان يرغب في زعزعة استقرارهم ودفع كورباجيف للموافقة على شروطه. وفعلاً، زادت حكومة كورباجيف الميزانية العسكرية من 22% في عام 1980 إلى 27% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1989 لمواكبة الزيادات الأمريكية في مجال التسلح.

8- رونالد ريغان لم يكتف بذلك، بل أطلق مشروعاً لبناء ما أُسمي آنذاك بـ"حرب النجوم" (Strategic Defence Initiative) وهو عبارة عن نظام للدفاع الصاروخي ضد الصواريخ الباليستية طويلة المدى التي تشكل تهديداً كبيراً لروسيا بسبب تكلفتها العالية جداً. وقد بدأ التفكير في هذا المشروع عام 1960 وتأجل تنفيذه بسبب تكلفته الباهظة، ولكنه عاد إلى الواجهة في عهد الرئيس رونالد ريغان. ويُنسب إلى هذا المشروع قدرته على نقل الحرب النووية بعيداً عن أرض الولايات المتحدة وإقامتها قرب الأراضي الروسية. وهذا ما فعله الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حيث أقام قواعد لهذا النوع من الصواريخ في كل من ألمانيا وبولندا ورومانيا، والتي تستطيع الوصول إلى العاصمة موسكو وما يليها. وحاول أوباما إقامة المزيد من هذه القواعد في عدة دول أخرى مجاورة لروسيا، مخالفاً بذلك الاتفاقات التي وقعت بين البلدين في عهد الرئيس جورج بوش الأب. وقد أنشأت روسيا مؤخراً نظامها الخاص لحماية بلادها من هذه الأسلحة.

 9- في ذات الفترة، تم إنشاء شبكة من الصواريخ النووية ذات المدى المتوسط في نفق يبلغ عمقه عشرة أمتار تحت الجليد في جزيرة غرينلاند التي تتبع حاليا للمملكة الدنماركية. كانت هذه الصواريخ، التي بلغ عددها 600 صاروخ في ذلك الوقت، مثبتة في النفق الجليدي الذي يمتد لـ 2500 ميل وموجهة ضد الاتحاد السوفيتي. لم يكشف عن وجود قواعد هذه الصواريخ إلا مؤخرا بعد أن بدأ الجليد في المنطقة يذوب ما أحدث خطرا بيئيا كبيرا.

10- في ذات الوقت الذي قرر فيه الرئيس ريغان تقديم بليون دولار سنويا كمساعدات عسكرية ومالية للمجاهدين الإسلاميين في أفغانستان، والذين بدأ الرئيس كارتر سلفه بتنظيمهم عام 1979 لمواجهة الجيش الروسي الذي كان يدعم الحكومة الأفغانية المتقدمة آنذاك، تلقت تلك القوات صواريخ ستنجر المحمولة على الكتف لإسقاط طائرات الهليكوبتر الروسية التي كانت تستهدفهم. وقد حقق المجاهدون الأفغان نجاحات كبيرة في إسقاط عدد من تلك الطائرات. وهذا ما فعله أيضا الرئيس أوباما سابقا عندما أرسل صواريخ ستنجر خفيفة الوزن إلى المنظمات الجهادية الإرهابية المؤيدة لأمريكا في سوريا.

11- كجزء من خطة تجويع الشعب السوفيتي، دفع الرئيس ريغان السعودية لزيادة إنتاجها من النفط وتخفيض أسعاره في السوق العالمية، لإلحاق أضرار كبيرة بالجانب الروسي في موارده من بيع النفط. وكان الأمريكيون يدركون أهمية موارد النفط في تأمين العملات الصعبة، وخاصة الدولار، الذي كان يستخدم لشراء المستوردات الغذائية وغيرها من السلع الأساسية. وهذا أجبر السلطة السوفيتية على التخلص من جزء من مخزونها من الذهب لتغطية تكاليف مستورداتها من السلع الضرورية، وعلى رأسها الحبوب.

12- ومن بين الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي على الدول الأوروبية، كانت محاولة إجبارها على تقليل أو التخلي عن استيراد الغاز الطبيعي من روسيا، بهدف إثارة الاحتقان الشعبي والتحريض على التمرد ،ضد الحكومات السوفيتية، لإجبارها على قبول الشروط الأمريكية المذلة.

13- لتقويض قدرة الاتحاد السوفييتي على مواجهة الضغوط، أصدر الرئيس ريغان قرارات تشمل تضييق الحصار التكنولوجي على دول المنظومة الاشتراكية، ومنع تصدير أي سلع أمريكية أو غربية ذات تقنية متطورة إليها، خشية أن تستفيد السوفيت من هذه التقنية لتطوير صناعتها العامة والعسكرية بشكل خاص.

14- بعد ذلك، ألغي قرار منع تصدير الحبوب إلى الاتحاد السوفيتي الذي فرضته حكومة الرئيس الأمريكي كارتر رداً على اجتياح القوات السوفيتية لأفغانستان عام 1979. كان الاتحاد السوفيتي يستورد ما بين 8 و35 مليون طن من الحبوب سنوياً بموجب اتفاقية أبرمت عام 1975، ولكن بعد فرض الحظر تقلص التصدير إلى الحد الأدنى. ولزيادة الضغط على الاتحاد السوفيتي، ألغت حكومة ريغان الالتزام بالحد الأدنى في ظل تعرض الزراعة الروسية عام 1980 لأشد موجة جفاف في تاريخها، مما أدى إلى نقص في إنتاج الحبوب بلغ 48 مليون طن اضطر لسدّه من خلال الاستيراد. ومن هنا يمكن تقدير مستوى القسوة والوحشية في مثل هذا القرار وغيره من القرارات التي كان هدفها تجويع شعوب الاتحاد السوفيتي لإجبار حكومتها على التخلي عن نظامها الاشتراكي والانضمام إلى الرأسمالية الأمريكية. لم تكن هذه المطالبة ممكنة أبداً في عهد الحكومات السوفيتية السابقة، ولكن تحققت فقط عندما تولى ميخائيل كورباتشوف قيادة الدولة ونفذ خطة إنهاء نظامها باشراف مباشر من رئيس أمريكا رونالد ريغان.

 

 الاشتراكية ... ومهمة ميخائل كورباجيف في انهائها.

 كانت سياسة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان التي استهدفت النظام الاشتراكي والتي تم شرحها في ختام الفصل الرابع من المقالة السابقة، ليست مجرد تفاعل مؤقت مع سياسة معينة، بل كانت استراتيجية مدروسة وشاملة استندت إلى تحليلات عميقة للوضع الذي كان يعيشه المعسكر الاشتراكي في مجالات الاقتصاد والسياسة بين دوله. وبناء على ذلك، اتخذت إجراءات عملية لإضعاف هذا النظام.

في العام الثاني من فترة رئاسة ريغان الأولى، عام 1981، انضم إلى مجلس الأمن القومي الأمريكي أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد ريتشارد بايبس. وكان بايبس مسؤولاً عن إعداد تقرير حصل على موافقة المجلس في عام 1982، يتضمن خطة لإحداث تغييرات في الاتحاد السوفيتي على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري. وبناءً على هذه الخطة، تحولت السياسة الأمريكية من سياسة الاحتواء والدبلوماسية إلى استراتيجية هجومية طويلة المدى. وكان رونالد ريغان مقتنعاً تماماً بأن المحافظة على قوة الولايات المتحدة كأعظم قوة في العالم هو الضمان لبقائها. ولذلك، سعى منذ بداية ولايته في البيت الأبيض لتحقيق هذا الهدف، حتى لو كان ذلك يعني تدمير الاتحاد السوفيتي بالحرب النووية.

 كان القادة السوفيت مذهولين من الخطاب السياسي المعادي للرئيس ريغان عندما تولى البيت الأبيض. لم يكن لديهم خيارات سياسية كثيرة أمام السياسة الأمريكية المعادية والمضادة ، إما أن يواجهوها بالمثل أو أنْ يستسلموا للشروط الريغانية دون تحفّظ. لكن الاستسلام لم يكن خيارا والأمريكان يدركون ذلك جيدا ، فالقيادات السوفيت التي سبقت قيادة كورباجيف المرتد كانت عزيمتها وقوتها كافية لصد أي هجوم على بلادهم،  وفي نفس الوقت كانوا مؤمنين بالخيار السلمي وحثّ الطرف الآخر على التفاوض حول جميع القضايا المختلف عليها بما في ذلك نزع السلاح الدمار الشامل وهو طلب مستمر على الأمريكان لغاية الآن ، فالاتحاد السوفيتي وبخلاف الدول ارأسمالية  التي تطمح للسطوة على العالم والحصول على مصادر الطاقة والثروات بدون عقبات وبشروط تفرضها، فإنَّ الدولة الاشتراكية تؤمن بالتعاون والأخوة بين الشعوب واحترام سيادة جميع الدول.

كان الزعماء السوفييت الذين جاءوا قبل كورباجيف ملتزمين بتلك المبادئ وطالبوا الآخرين باتباعها وسعوا للتفاوض مع الرؤساء الأمريكيين السابقين ومع ريغان نفسه لتخفيف التوتر وتجنب المواجهة. أرسل كل من بريجنيف وأندروبوف وتشرنينكو رسائل عبر القنوات الدبلوماسية اقترحوا فيها تحسين العلاقات السياسية والاقتصادية وأبدوا استعدادهم لبحث إمكانية التخلص من الأسلحة النووية والصواريخ لدى البلدين. ولم يكن ذلك من موقع ضعف بل من موقع إيمان بالسلام. لكن ريغان تجاهل تلك الدعوات ولم يبال بها.

كان ريغان يتحدى الاتحاد السوفيتي في كل المجالات ويستخدم كل الوسائل الشريرة والماكرة لإقناع السوفيت بأنهم بحاجة إلى التسلح لحماية دولتهم، معتمدا على كرهه للنظام الاشتراكي واعتقاده بأن سباق التسلح سيضعف اقتصادهم، ولكنه لم ينس أن سباق التسلح يؤثر سلبا أيضا على اقتصاد بلاده ، كان ريغان يرفض أي مبادرة سلام تطرحها قيادة النظام الاشتراكي، ويصر على مواصلة محاولاته لإسقاطه، وهو الذي أطلق عليه اسم امبراطورية الشر قبل أن يتولى كورباجيف السلطة بعامين، وفي ذلك الوقت، أعلن ريغان أن الولايات المتحدة تحتاج إلى التفوق العسكري لتدافع عن نفسها من امبراطورية الشر، وبرر قراره بإنشاء نظام الصواريخ الدفاعية المسمى ( حرب النجوم).

ميخائيل كورباجيف، الذي انتخب زعيما للاتحاد السوفيتي في عام 1985، سعى إلى لقاء الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، الذي وافق بعد فترة من التردد والضغط الإعلامي على أن كورباجيف يمثل تجديدا في السياسة السوفيتية. تمكن الزعيمان من عقد اجتماعين هامين، الأول في جنيف في نوفمبر/تشرين الثاني 1985، بعد ثمانية أشهر فقط من تولي كورباجيف المنصب، والثاني في رايكيفك، عاصمة أيسلندا. في هذه الاجتماعات، أعلن الزعيمان عن نية خفض الترسانة النووية لكل منهما بنصفها، والتخلص من الصواريخ ذات المدى القصير والمتوسطة، التي تبلغ مسافتها بين 300 و3400 ميل، والتي تشمل 1752 صاروخا سوفيتيا و859 صاروخا أمريكيا، بما في ذلك الرؤوس النووية المرتبطة بها.

لقد تخلى كورباجيف عن الرؤوس النووية المنزوعة عن الصواريخ المدمرة الى الولايات المتحدة لتستفيد من اليورانيوم والبلوتينيوم الذي تحتويه كتعبير عن حسن نية كورباجيف مع ان اليورانيوم والبلوتونيوم الذي تحتويه ذي قيمة عالية في السوق الدولي للطاقة لاستخدامه في تشغيل المفاعلات النووية. واتفق كذلك على ارسال مراقبين متخصصين من كل بلد الى البلد الآخر ليقيموا لمدة 13 عاما في مواقع قريبة من مواقع محددة للمراقبة والتحقق من تنفيذ الاتفاق ، لكن لم تعرف تفاصيل الاتفاق فيما يخص التعهدات التي قطعها كورباجيف بخصوص رفع يد الدولة السوفيتية عن الدول الاشتراكية في شرقي ووسط أوربا ودول البلطيق الثلاثة استونيا وليتوانيا ولاتفيا التي كان رونالد ريغان يطالب بها بالحاح أثناء حملته الانتخابية وبعد دخوله القصر الابيض.

 في رايكيفيك، عاصمة أيسلندا، التقى الرئيسان في 11- 10 - 1986 لمناقشة المخزونات النووية لدى الدولتين ، ومع ذلك، لم  لم يخرج عن اللقاء أي اتفاق معلن بخصوص البرنامج المثير لمخاوف السوفيتيت او التوصل إلى اتفاق رسمي بشأن برنامج الدفاع الصاروخي الاستراتيجي (SDI)، الذي كان مصدر قلق للاتحاد السوفيتي. وكانت الحكومة السوفيتية ترفض هذا البرنامج بشدة وتشترط إلغاءه قبل أي محادثات عن نزع السلاح الشامل، والتي كانت مستمرة منذ سنوات.

بين الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، تم عقد أربعة لقاءات سرية في البيت الأبيض، حضرها فقط المترجمون والمدونون، دون الإفصاح عن محتوى المحادثات. كما تبادل الرجلان رسائل سرية عديدة، بلغت 12 رسالة بعد لقائهما الأول في جنيف، و15 رسالة بعد لقائهما الثاني في رايكيفيك، و40 رسالة في المجمل، بالإضافة إلى المكالمات الهاتفية التي لم يُعلن عنها ، وكانت هذه التواصلات قد أسفرت عن تحقيق الرئيس الأمريكي للعديد من المطالب التي طرحها على الحكومة السوفيتية خلال حملته الانتخابية وبعد توليه السلطة في البيت الأبيض.

كان من بين المطالب التي وجهها ريغان إلى كورباجيف سحب الجنود السوفيت من أفغانستان ، ولم يتردد كورباجيف في تنفيذ هذا الطلب، متجاهلا عواقبه الوخيمة، فلم يكن سحب القوات سيؤدي إلى انهيار الحكومة الأفغانية الصديقة للاتحاد السوفيتي فحسب، بل سيعرض رئيسها وأعضاء حكومته للقتل على يد طالبان الإرهابية ، وهذا ما حدث بالفعل، فقد قُتل زعيم أفغانستان والعديد من أعضاء حكومته بعد انقلاب طالبان، كان بإمكان كورباجيف حماية حلفائه وأصدقائه في أفغانستان، لكنه تخلى عنهم، وكذلك فعل مع باقي المطالب التي استجاب لها ريغان دون أن يعلن عن وجود اتفاق مسبق بينهما.

وفي المقابل لم ينفذ الرئيس رونالد ريغان التعهدات التي قطعها لكورباجيف والتي قيل عنها أخيرا بكونها تعهدات شفاهية وبين تلك التعهدات ما يتعلق بامن الدولة السوفيتية لكن الرئيس ريغان لم ينفذ منها أي تعهد خلال وجوده في البيت الأبيض وهذه عينة منها :

1- تحديد عدد الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية التي اضافتها الولايات المتحدة الى ترسانتها النووية.

2- حل حلف الناتو بالتزامن مع حل حلف وارشو

3-عدم قبول دولة في حلف الناتو لها مشاكل حدودية مع روسيا.

4- عدم قبول الدول الاشتراكية السابقة أعضاء في حلف الناتو

5- عدم استضافة قواعد عسكرية أمريكية في دول اشتراكية سابقة.

6- عدم اقامة قواعد للصواريخ الأمريكية الموجهة في الدول الاشتراكية السابقة.

7- المساعدة في بناء الاقتصاد الروسي وفق نموذج مشروع مارشال الذي طبقته الولايات المتحدة في أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.

8- اعتبار البحر الأسود بحرا روسيا ولا يسمح للدول الأخرى استخدامه للاهداف العسكرية أو المناورات الا لفترة لا تزيد عن أسبوعين دون موافقة روسيا مسبقا.

كورباجيف لم يكشف عن تعهداته ولكن ما حدث في الواقع أظهر بعضا من تلك التعهدات التي أدت إلى انهيار النظام الاشتراكي، فقد سحب أولا القوات السوفيتية من دول أوروبا الشرقية والوسطى ، وتنازل عن دول البلطيق الثلاثة ليتوانيا ولاتفيا وأستونيا دون ضمانات للروس المقيمين هناك او مراعاة امنهم . وفي آخر اجتماع له مع دول مجلس التعاضد الاقتصادي وحلف وارشو أعلن عن حل هاتين المنظمتين متجاهلا رأي شعوب تلك الدول في البقاء ضمن هذه التحالفات كحماية من أي هجوم مثل الذي شنته ألمانيا النازية عام 1939. وقبل ذلك نظم عملية التخلص من رئيس رومانيا جاوشيسكو في مسرحية ادعى فيها أن محكمة خاصة أصدرت حكما باعدامه وزوجته لأنه طالب بعقد مؤتمر عام للاحزاب الشيوعية في العالم لبحث برنامج كورباجيف الاصلاحي واتخاذ موقف موحد حوله، ولأن هذه الدعوة كانت تعرقل مساعي كورباجيف لإنهاء النظام الاشتراكي وهو أمر تم التوافق عليه مع الرئيس ريغان فقرر التخلص من الرئيس الروماني.

لقد اشادت امبراطوريات الاعلام الغربية بكورباجيف بكونه رجل التغيير الداهية الذي كان له القدرات الخارقة للتأثير على الرئيس رونالد ريغان وكسبه الى جانب برنامجه الاصلاحي.ولم تتردد بعض حركات اليمين السياسي التي تضم الاحزاب السياسية البرجوازية في أوربا الغربية خاصة من ابداء علامات النشوة والفرح بما سموه بالتغيير التاريخي والاشادة بقدرات كورباجيف الاستثنائية لاصلاح الاشتراكية ولعلهم كانوا على علم بان الرجل لم يسع لاصلاح الاشتراكية بل لانهائها وفي هذا يكمن سر نشوتهم وسعادتهم وليس في اصلاح الاشتراكية.

في ختام زيارته لموسكو عام 1988، التي كان يطلق عليها "عاصمة إمبراطورية الشر"، ألقى ريغان كلمة في حفل تكريمي له في قاعة لينين بجامعة موسكو، وفي كلمته، دعا إلى الانتقال إلى الديمقراطية والحرية الفردية واقتصاد السوق، واستشهد ببيت من شعر الشاعر الروسي بوشكين قائلا: "حان الوقت يا صديقي، حان الوقت يا صديقي" ، " It is time my friend, It is time my friend " وبهذا البيت، خاطب  الطلبة داعيا " ان وقت الحرية قد حان فاحزموا أمركم وثوروا على النظام" النظام الذي خلق من دولة عبيد الأرض أقوى ثاني دولة في عالم اليوم.

 

ادم عربي

 

المراجع :

1- "  Obama and The and The Secret War on Laos " Peter Symonds

 

2-  Paul Johnson " What Was Pope John Paul Second Role In The Fall of The Soviet -union-"

 

3-  Ronald Hilton – " The Collapse of The Soviet -union- and Ronald Reagan"

 

4-  Jason Salton-Ebin " Recently Released Letters Between Reagan and Gorbachev Shed Light on The End of Cold War" The World Post ,29-4-2013

 

5-  David K. Shipler " Reagan and Gorbachev Sign MissleTreaty and Vow to Work For Greater Reductions" New York Times, 9-12- 1987

 

6 -  Reykjavik Summit, 11-10-1986, Encyclopeadia Britanica

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.