
العربية. نت
لطالما كان القمر أحد أكثر الأجرام السماوية إثارة لفضول البشر. فإلى جانب مظهره الفريد، ارتبط بتأثيرات تمتد من المد والجزر إلى استقرار المناخ والإيقاعات الحيوية للعديد من الكائنات الحية، ما جعله موضوعاً دائماً للتساؤل والدراسة.
ومن بين الأسئلة الكثيرة المتعلقة بالتابع الطبيعي الوحيد للأرض، يبقى سؤال واحد في الصدارة: كيف نشأ القمر؟ ومتى بدأ رحلته في مدار حول الأرض؟
فرضية الاصطدام العملاق
يرى معظم علماء الفلك اليوم أن القمر تشكل في مرحلة مبكرة جداً من تاريخ النظام الشمسي، ربما خلال أول 100 مليون سنة من نشأته، نتيجة اصطدام هائل بين الأرض وجسم كوكبي ضخم، وفق موقع Space.
وتُعرف هذه الفكرة باسم "فرضية الاصطدام العملاق"، وتفترض أن الأرض الفتية اصطدمت بكوكب أولي بحجم المريخ تقريباً يطلق عليه العلماء اسم "ثيا" (Theia).
فيما أسفر هذا الاصطدام العنيف عن قذف كميات كبيرة من المواد إلى مدار حول الأرض، قبل أن تتجمع لاحقاً لتكوّن القمر الذي نراه اليوم. وتشير بعض النماذج إلى أن عملية تشكل القمر ربما اكتملت خلال فترة قصيرة للغاية لم تتجاوز بضع ساعات.
بداية فرضية نشأة القمر
تعود جذور هذه الفرضية إلى عام 1946، عندما كان الجيولوجي ريجينالد ألدوورث دالي من أوائل العلماء الذين اقترحوا أن حدثاً اصطدامياً قد يفسر نشأة القمر.
لكن قبل طرح هذه الفكرة، كان العديد من العلماء يميلون إلى نظريات تفترض أن الأرض كانت تدور بسرعة هائلة قبل مليارات السنين، لدرجة أن اليوم الواحد ربما كان لا يتجاوز ساعتين أو 3 ساعات، ما أدى إلى انفصال جزء من مادتها وتكوّن القمر.
وفي سبعينيات القرن الماضي، طور الباحثان ويليام هارتمان ودونالد ديفيس نماذج جديدة افترضت اصطدام أجسام كبيرة متبقية من عملية تكوّن الكواكب بكواكب فتية.
واستناداً إلى هذه الأفكار، اقترح باحثون آخرون سيناريوهات مشابهة بين الأرض المبكرة وجسم بحجم المريخ. وبحلول عام 1984، أصبحت هذه الفرضية التفسير الرائد لنشأة القمر خلال مؤتمر علمي بارز عُقد في مدينة كونا بولاية هاواي.
أدلة على اصطدام بحجم كوكب
يرجع القبول الواسع لفرضية الاصطدام العملاق إلى تعدد الأدلة التي تدعمها.
فقد لاحظ الباحثون منذ فترة طويلة وجود تشابه كبير في التراكيب النظائرية المستقرة لصخور القمر وصخور الأرض، وهو ما يشير بقوة إلى وجود أصل مشترك بينهما.
كما أن العزم الزاوي المرتفع بصورة غير معتادة لنظام الأرض والقمر، مقارنة بالكواكب الصخرية الأخرى، يمكن تفسيره باعتباره إحدى النتائج المتوقعة لاصطدام كوني هائل.
كذلك توجد أدلة إضافية في تركيب القمر نفسه. إذ يمتلك نواة حديدية صغيرة نسبياً وكثافة أقل من المتوقع. ويعتقد العلماء أن النواة المعدنية للكوكب الأولي "ثيا" اندمجت مع باطن الأرض الفتية بعد الاصطدام، في حين اندفعت مواد أخف من الوشاح والقشرة لكلا الجسمين إلى المدار، حيث ساهمت لاحقاً في تكوين القمر.
ويستدل العلماء أيضاً على صحة هذه الفرضية من النقص النسبي في المواد المتطايرة داخل الصخور القمرية. فالحرارة والطاقة الهائلتان الناتجتان عن الاصطدام كانتا كفيلتين بفقدان كثير من هذه المواد. فيما يعزز هذه الفكرة وجود أدلة تشير إلى أن القمر المبكر كان مغطى بمحيط واسع من الصهارة.
رؤية جديدة لفرضية "ثيا"
رغم قوة الأدلة الداعمة لهذه الفرضية، لا تزال هناك أسئلة أساسية من دون إجابة، من بينها الظروف الدقيقة التي أحاطت بالاصطدام والطريقة التي تطورت بها المواد الناتجة عنه لتشكيل القمر بصورته الحالية.
وفي دراسة حديثة، قدمت أدين دينتون من معهد ساوث ويست للأبحاث، بالتعاون مع باحثين من مختبر القمر والكواكب بجامعة أريزونا، رؤية جديدة لفرضية "ثيا"، تشير إلى أن حرارة الجسمين المتصادمين وخصائصهما الفيزيائية ربما لعبت دوراً أكبر مما كان يُعتقد سابقاً.
كما تتحدى نتائج الدراسة بعض التصورات التقليدية بشأن فرضية الاصطدام العملاق، فيما تعزز جوانب أخرى منها. فقد أظهرت عمليات المحاكاة أن بعض الاصطدامات تؤدي إلى تكوّن قرص من الحطام يتجمع تدريجياً ليشكل قمراً، بينما تشير سيناريوهات أخرى إلى إمكانية تشكل القمر خلال نحو 5 ساعات فقط.
الجدل حول عمر القمر
لكن إحدى أبرز العقبات أمام تحديد الظروف الدقيقة للاصطدام العملاق تتمثل في استمرار الخلاف العلمي حول العمر الحقيقي للقمر.
ويقول إريك أسبهاوغ، أستاذ علوم الكواكب في مختبر القمر والكواكب بجامعة أريزونا وأحد المشاركين في الدراسة، إن التقديرات الحالية تضع موعد تشكل القمر في فترة تتراوح بين 40 و120 مليون سنة بعد نشأة النظام الشمسي.
كما يرى أسبهاوغ أن هذا الاختلاف الزمني ليس تفصيلاً ثانوياً، لأن توقيت الاصطدام يؤثر مباشرة في خصائص الجسمين المتصادمين. فإذا وقع الاصطدام مبكراً، فمن المرجح أن يكون "ثيا" أكثر حرارة نتيجة التسخين الإشعاعي الداخلي، أما إذا حدث لاحقاً فسيكون أبرد وأكثر صلابة.
كذلك يؤكد أن الأدلة الحالية لا تسمح بعد بالجزم بكيفية تشكل القمر والأرض بصورة نهائية، إلا أنه يرى أن فهم تأثير درجة الحرارة في نتائج الاصطدام يضيف بعداً جديداً ومهماً إلى النقاش العلمي.
لغز قمري عبر الزمان والمكان
بالنسبة إلى باحثين مثل أسبهاوغ، فإن فهم نشأة القمر يتطلب النظر إلى الحدث بوصفه ظاهرة مرتبطة بالزمان كما بالمكان.
فهذا النهج يتيح مقارنة 3 مؤشرات رئيسية: اضمحلال النظائر المشعة، وتأثير درجة الحرارة في قوة المواد، والسجل الجيولوجي للاصطدامات التي تعرضت لها كواكب أخرى. ومن خلال دمج هذه المعايير، يأمل العلماء في تضييق نطاق الاحتمالات المتعلقة بموعد الاصطدام الذي أدى إلى ولادة القمر.
كما شددت أدين دينتون، الباحثة الرئيسة في الدراسة، على أهمية إدخال عنصر الزمن في نماذج الاصطدام.
وأوضحت أن العلماء افترضوا لفترة طويلة أن نتائج التصادم ستكون متشابهة بغض النظر عن موعد حدوثه، إلا أن الدراسة الجديدة أظهرت أن خصائص الأرض البدائية و"ثيا"، والتي تتأثر بعمرهما ودرجة حرارتهما، يمكن أن تغيّر النتيجة بصورة كبيرة.
كذلك ترى دينتون أن الربط بين نماذج الاصطدام وبيانات السجل الجيوكيميائي للقمر، إلى جانب نماذج تشكل النظام الشمسي المبكر، قد يساعد العلماء على تحديد زمان وكيفية نشأة القمر بدقة أكبر.
هل تشكل القمر مبكراً أم متأخراً؟
حتى الآن، لا يوجد إجماع علمي بشأن ما إذا كان الاصطدام المسؤول عن نشأة القمر قد وقع في مرحلة مبكرة أم متأخرة من تاريخ النظام الشمسي.
وتقول دينتون إن الإجابة تعتمد إلى حد كبير على نماذج تشكل النظام الشمسي التي يفضلها الباحثون. ورغم أنها تميل إلى سيناريو التشكل المبكر، المتوافق مع مرحلة سريعة من بناء الكواكب، فإنها تؤكد أنه لا يمكن استبعاد احتمال تشكل القمر في مرحلة لاحقة.
أسئلة ما زالت مفتوحة
رغم أن كثيراً من العمل لا يزال مطلوباً، يعتقد دينتون وأسبهاوغ أن نتائج الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو حل بعض الأسئلة المزمنة المتعلقة بفرضية الاصطدام العملاق.
أما أسبهاوغ فيرى أن استمرار هذه الأسئلة ليس أمراً غير مألوف في البحث العلمي، قائلاً إن العلم كثيراً ما يتجول طويلاً بين الفرضيات والاحتمالات قبل أن تتضح الصورة النهائية.
ويعتقد أن العقد المقبل قد يشهد تقدماً كبيراً في فهم إحدى أقدم وأهم القضايا في علوم الكواكب: متى وكيف وُلد القمر، الرفيق الدائم للأرض.
