اخر الاخبار:
وفاة مخرج "باب الحارة" بسام الملا - السبت, 22 كانون2/يناير 2022 21:48
داعش يشن هجوماً جديداً على الجيش في ديالى - الجمعة, 21 كانون2/يناير 2022 19:29
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

خفوت دور الكاتب// مصطفى معروفي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

مصطفى معروفي

 

عرض صفحة الكاتب 

خفوت دور الكاتب

مصطفى معروفي

 

لقد أصبح دور الكاتب في المجتمع دورا هامشيا ، بل إن الكاتب نفسه صار مغيبا ، فلم يعد له ذلك الدور الذي نعرفه عنه في إصلاح المجتمع والعمل على ترسيخ المثل السامية والتبشير بالقيم النبيلة التي تعمل على ترسيخ الأمن واستتبابه ، والرقي بالإنسان فكريا وأدبيا إلى الأعلى. إن أسباب هذه الوضعية المزرية التي يعيشها الكاتب هي أسباب متعددة ، منها ما هو اجتماعي وما هو سياسي ، ومنها - وهذا هو الخطير - ما هو نفسي ، فحتى الكاتب نفسه صار غير مقتنع بجدوى الكتابة في ظل ظروف استثنائية يعيشها ، لعل أبرزها هو عدم قدرته على التعبير بكل حرية.

 

لا يسَع الكاتب والشاعر بالخصوص أن يعبر عما في داخله إلا في مناخ من الحرية، مناخ تضمنه له السلطة السياسية ، وإلا سيكون كاتبا ولكن ليس بالجرعة المطلوبة ، أعني كاتبا يقول الذي يراه ويعتقده ولا يخشى من الملاحقة والتضييق عليه والرقابة المسبقة ذاتية كانت أو موضوعية من أي جهة كانت.

هنا يطرح السؤال:

ـ ما هي مواصفات السلطة السياسية التي تضمن للكاتب الحرية؟

والجواب يبدو سهلا وبسيطا للغاية ،فالسلطة التي تضمن للكاتب حرية التعبير وتحصنه من غوائلها هي السلطة المنتخبة التي وضع الشعب فيها ثقته عن طريق صناديق الاقتراع ، إذ بهذه الثقة من الشعب لا تخاف من الكاتب ولا مما سيقوله عنها ، أما السلطة التي أتت إلى مركز القرار بالتزوير وبأساليب غير ديموقراطية فهي دائما في توجس و خيفة من الكاتب ، فهي ترى فيه عدوها الذي سيقوض أركانها إن تركت له الحبل على الغارب، ومن هنا نرى مدى المعاناة والتحمل  اللذين يقاشيهما الكتّاب في الأنظمة الديكتاتورية والصابرين على حظهم التعيس الذي ابتلوا به في سبيل محاولتهم تغيير الواقع السيئ المعاش إلى واقع أفضل تحفظ فيه كرامة الإنسان وتصان فيه حقوقه.

 

في هذا الواقع الموبوء تبدو ثلاث صور للكاتب جلية واضحة للعيان في ثلاثة أنماط  نلخصها كالآتي:

النمط الأول هو الكاتب الذي يكابر ويتسستر في الكتابة بصبر ومصابرة وثبات، ويسير في طريقه رغم وعثائها بخطى واثقة، ولا يتنازل أو ينزل عن مستوى ما تتطلبه منه واجباته إزاء المجتمع بوصفه المعبر عنه والناطق باسمه، وهنا سيعترض البعض قائلا: ومن خول لهذا الكاتب التعبير باسم المجتمع فأجيبه بأن المجتمع نفسه هو من خول له ذلك إذا كان بالفعل كاتبا صادق النية نقي السريرة ، فتفويض المجتمع له نابع أساسا من إرادة ذاك المجتمع و تطلعه إلى ما هو أفضل.

 

النمط الثاني هو الكاتب الخانع ، الكاتب الذي يضع على عينيه نظارتين ورديتين يرى بهما الواقع على أنه واقع على ما يرام وأن السلطة تحقق الرفاه والسعادة لرعاياها ـ كذا ـ  وحتى لغير رعاياها ، وهذا الكاتب سواء كان في الأصل خانعا أو هو قد انقلب منحازا إلى السلطة هو كاتب لا يقوم بوظيفة الكتابة باعتبارها تضامنا تاريخيا لا بد أن تكون وعاء لقضايا المجتمع و قضايا الإنسان بصفة عامة.

 

والنمط الثالث هو الكاتب المتذبذب الذي لا هو إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هو مع مصلحته فقط أين تكون أو أين تصورها هو أين تكون، وهذا هو الكاتب الانتهازي الذي لا يرى في الكتابة إلا وسيلة لإشباع حاجته المادية ولا تهمه في المقام الأول إلا نفسه. هذا النمط من الكتاب هو أخطر بكثير من كتاب النمط الثاني ، لأن النمط الثاني هو متموقع على الأقل ، ويبدو واضحا في مواقفه وإن كان يشكل خطورة متمثلة في عرقلة التقدم وإبقاء الوضع على ما هو عليه.

الكاتب المتذبذب لا ثقة فيه، وهو لا ينشد إحراز الثقة في كتابته ولا تهمه المصداقية ، وإن كان يرغب في ذلك لا شعوريا حتى يوهم القارئ بأنه كاتب موضوعي وأنه أفضل مما يظنه الآخرون به ، ولا يخفى بأن هناك فئة تنخدع به وتسير في ركبه، وقد تتفطن له لكن ربما بعد فوات الأوان.

 

وعودا على بدء، نقول بأن الكتابة في عصر الأنترنت وإن أعطت الكاتب بعض الشعور بأن رأيه سيصل إلى الجمهور وإلى عمومه فإنها لم تعد ذلك السلاح الذي عهدناه فيها من ، بحيث كان الكاتب يلاحق قضائيا على أساس أن كتابه يلحق الضرر بالثوابت ويحاكم الشاعر على أساس أن قصيدته أو ديوانه منشور سياسي انقلابي، وكنا نرى في ذلك بأن السلطة السياسية تخاف من الكاتب وتحسب ألف حساب ، كما كنا نتصور من ذلك أن الكاتب يستطيع أن يغير الواقع ، وكنا نقول بأن الكلمة الأدبية أو الفكرية لها نفس قوة السلطة السياسية صاحبة القرار.

ما حدث أخيرا هو أن الكاتب لم يعد هو ذلك الشخص الذي يقف في وجه السلطة ، والذي قراؤه كثيرون، فقد صار مجرد شخص عادي إلى درجة صار معها يبحث عمن يقرأ له، وكم تكون فرحته كبيرة عندما يجد شخصا يضع له إعجابا على نص له و الشخص إياه ربما لم يقرأ النص.

 

كيف فقد الكاتب وضعه الاعتباري وأصبح بلا شأن؟

هذا السؤال مؤرق بالفعل، والإجابة عنه تحتاج إلى تبسيط وتوسع ، لأن الكاتب نفسه صارت له سلوكات نرجسية عدوانية في علاقاته بزملائه وقرائه لدرجة أن أصبحت مصدر انحسار دوره في المجتمع وخفوته كمعبر عن آماله ـ المجتمع ـ وطموحاته ، مما صار بسبب هذا يثير ـ للأسف ـ الشفقة عليه والرثاء له في آن واحد.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.