اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

تمثلات التعصب للـ(القبيلة والمذهب الديني والحزب السياسي) وأثرها في إنعدام الأمن في المنطقة العربية// هايل علي المذابي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

هايل علي المذابي

 

عرض صفحة الكاتب 

تمثلات التعصب للـ(القبيلة والمذهب الديني والحزب السياسي)

وأثرها في إنعدام الأمن في المنطقة العربية

هايل علي المذابي

 

نشأت العصبية في العصور البدائية للبشرية عندما كان الخوف وإنعدام الأمن يهددان وجود الإنسان، ويقلقان حياته، فكان هذا التحدي سبباً وجيهاً للإنسان للجوء إلى الطبيعة، استجابة لتلك التهديدات والمخاوف، وقد وجد الإنسان ضالته في عوالم الحيوان، وكون التقليد أصيل في النفس البشرية، فقد أخذ الإنسان يقلد كائنات الممالك الأخرى في كل شيء، ليستقيم بذلك وجوده، ويتزن بقاؤه، وتزدهر حياته، وحتى يتحقق أمنه، ويسيطر على ما يخيفه، ويؤمِّن حضور وجوده في هذه الحياة، فقد أخذ الإنسان من تجمع حيوانات الطبيعة مثل السباع والذئاب والضباع وغيرها دليلا له ومثلاً أعلى في عملية الحفاظ على أفراد جماعته وتحقيق أمنه واستقراره، وتأمين مصالحهِ، فنشأ تبعاً لذلك ما أسماه بن خلدون بالتعصب، تماما كما يتعصب أبناء النوع الواحد من الحيوانات لبعضه البعض ضد الأنواع الأخرى، التي تهدد وجوده، وقد أخذ هذا التعصب يشق له طريقاً في حياة البشر منذ تلك العصور البدائية والتقليد الحرفي لكائنات مملكة الحيوان والنبات و حتى عصور ما بعد تكون المجتمعات وما بعد عصور الدولة، وإلى يومنا هذا، في تمثلات عديدة وأشكال تتطور مع معطيات كل عصر جديد، ومع كل تحول جديد في الثقافة الإنسانية؛ ويعد مفهوم العصبية عند ابن خلدون مرادفاً يقابل مفهوم العنصرية.

 

ويمكننا أن نُعرَّف التعصب/العنصرية على أنها: السلوكيات والأفكار والمُعتقدات والقناعات التي ترفع قيمة مجموعة أو فئة بشرية على حساب فئة أخرى، بناءً على مواريث تاريخية، أو اعتماداً في بعض الأحيان على لون البشرة، أو الثقافة، أو مكان السكن، أو العادات، أو اللغة، أو المعتقدات أو الطبقية المجتمعية. لكن هذا لا يمثل كل شيء فهو ـ كما يتضح لي على الأقل ـ يمثل نظرة عامة لأنواع العنصرية المتأخرة، ولا يعطي انطباعاً حقيقياً عن كل أنواعها وأقسامها. فالمعروف أنه نتيجة المنافسة والتقاتل من أجل البقاء واستمرارية العيش، تحتم على الإنسان البدائي أن يتسلح بالعنصرية كملاذٍ وقائي. ولم تقتصر هذه الانحيازية على الزمن الأول فحسب، ففي تتابع الدهور، تتابع تطور العنصرية وأنماطها، ومن هنا نجد أن العنصرية مرت بعدة مراحل، كانت هذه أولها؛ كآلية تضمن له إظهار الولاء لجماعته وتحثهم على التعصب والتعنصر له في الأزمات، فضلاً عن معرفته بدورها في شد عزيمة الجماعة وتقويتها لتتمكن من الوقوف والصمود بوجه الأعداء الحقيقيين والمحتملين على كثرتهم سواء كانوا من المجاميع البشرية المنافسة الأخرى أو عناصر الطبيعة القاسية أو الوحوش المفترسة الضارية.

 

وعندما نرغب في تحليل تمثلات إنعدام الأمن في المنطقة العربية، ينبغي علينا أن نحدد مظاهر ومستويات التعصب والعنصرية في المجتمع العربي، والتي هي السبب في حالة إنعدام الأمن أو هي الداعي للخوف من فقدانه، وتعبير صريح عن غياب الدولة وقوانينها، سنجد أنها على النحو التالي:

المستوى الأول: التعصب للقبيلة

وقد كان أول أشكال التعصب في تاريخ البشرية هو تعصب أفراد القبيلة لبعضهم البعض ضد القبائل الأخرى فيمارسون العنصرية/العصبية ضد القبائل الأخرى خوفا من حرمانهم من منافع الجماعة التي ينتمون إليها، وخوفا من إنعدام الأمن بكافة أشكاله في حياتهم وحياة أبنائهم وعائلاتهم؛ ومع تأسس الدولة المدنية الحديثة انتفت تلك الصفة عن أفراد المجتمع، كما كان ينبغي بالضرورة، بسبب قيام الدولة ووجود قوانين وتشريعات تلزم الجميع بواجبات ومسؤوليات وتضمن للجميع في الوقت ذاته حقوقهم، وتحافظ الدولة من خلالها على أمنهم وسلامهم، وتؤمن مصالحهم، لينتقل الإنسان بذلك من مستويات التعصب للجماعة والقبيلة إلى مستويات التعصب للوطن؛ وفي حالات حضارية وإنسانية أرقى كان الأجدى بالبشرية الإنتقال إلى مستويات التعصب للإنسانية مع اسقاط كل المكونات والانتماءات الضيقة التي تقيد حرية الإنسان وتفكيره وتعزله عن الحضارة الإنسانية مستلباً في براثن الولاءات الضيقة والتعصب والتعنصر الأعمى لها والتي هي نتيجة لخوفه من إنعدام الأمن وفقدان الحقوق.

 

عن ذلك يقول زيجمونت باومان في كتاب الحداثة السائلة، وهو أهم المرجعيات التي تناولت هذه السياقات بعد عالم الاجتماع عبدالرحمن بن خلدون: "ويذهب ليشيك كولاكوفسكي إلى أن نصير النزعة القومية يريد ان يؤكد الوجود القبلي عبر العدوان وكراهية الاخرين, ويعتقد ان كل المصائب التي تتعرض لها امته هي نتيجة مؤامرة من تدبير الغرباء, ويحمل ضغينة اتجاه كل الامم الاخرى لعجزها عن الاعراب عن الاحترام المناسب لقبيلته واعطائها مكانتها التي تستحقها, أما نصير الوطنية فيتميز بما لديه من تسامح كريم تجاه التنوع الثقافي, ولاسيما التسامح مع الاقليات الدينية والوثنية, وعلاوة على استعداده بأن يُسمِع أمته أشياء لا تقبل سماعها ولا تستمتع بسماعها. ومع أن هذه التفرقة جيدة, ولها وجاهتها الاخلاقية والفكرية فإن قيمتها تفقد قوتها عندما نعلم أن المقابلة هنا ليست بين خيارين متكافئين يمكن للمرء أن يأخذ بأحدهما, بل بين فكرة نبيلة وواقع مشين. فأغلب الذين لهم اخوان وطنيون سينتقدون بقسوة في اغلب الظن السمات التي تعزى هنا الى الموقف الوطني باعتباره دليلا ذا وجهين, الخيانة القومية أو الأسوأ منها. فالتسامح مع الاختلاف, وحسن معاملة الاقليات, والشجاعة في قول الحق مهما كان مراً, كلها سمات تنتشر على نطاق واسع في الاراضي التي لا تمثل فيها "الوطنية" "مشكلة", في مجتمعات آمنة أمانا كافياً داخل المواطنة الجمهورية, فلا ينتاب أهلها قلق بشأن الوطنية باعتبارها مشكلة أو مهمة طارئة."

ويتفرع أيضا عن التعصب للقبيلة التعصب للعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة (التعصب القومي) وهذا المستوى من التعصب هو تطور طبيعي لمظاهر التعصب للقبيلة، وقد عرفه الإنسان عندما توسعت دائرة الجماعة والقبيلة، وقد شاهدنا حضوره كثيرا في مرويات الكتب التاريخية عن الحضارات القديمة وحروبها في مد نفوذ سيطرتها، وكانت دواعيها في ذلك دواعي قائمة على التعصب القومي.

 

المستوى الثاني: التعصب للديانة ويتفرع عنه (التعصب للمذهب الديني والطائفي)

وفي هذا المستوى انحسر مد التعصب والعنصرية كثيراً ولكنها بقيت فاعلة في الكثير من جغرافيا العالم وبالأخص المنطقة العربية. إن الأديان نفسها، والصراع الذي نشب بين أتباعها، ومن ثم انقسام الأديان على نفسها إلى مجاميع ومذاهب وفرق وملل ونحل كان من الأسباب التي أطلقت المرحلة الثالثة من مراحل التعصب والعنصرية. إن الأديان والفرق والمذاهب كانت تحتاج إلى أن تذكي بين أتباعها الشعور بضرورة التعصب والتعنصر للجماعة، لكي يبقون على أهبة الاستعداد للدفاع عنها، او للهجوم على المنافسين الآخرين، وخلال ثلاثة آلاف عام غطتها الرسالات السماوية الأخيرة (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) كان هناك نوعا من الشد والتوجس والخوف من الآخر جعل الأتباع أنفسهم يراهنون على العنصرية والعصبية على أنها ملاذهم الأخير. وقد انتج هذا التعصب للمذاهب الدينية حالة من التطرف بلغت حد الإرهاب ضد الجماعات الأخرى وأحالت كافة تمثلات الأمن إلى فوضى وخراب.

 

المستوى الثالث: التعصب للحزب السياسي.

ربما كان على السلطات السياسية ومراكز الحكم أن تلجأ لبديل الديمقراطية لضمان بقائها في السلطة، والحفاظ على مقاليد الحكم، ففرخ ذلك العديد من الأحزاب السياسية فكان التعصب لها امتدادا للتعصب الفكري الذي جاء من افكار الاقتصاديين والفلاسفة، لكن مظهر التعصب للحزب السياسي كبر لينضوي تحت لوائه التعصب القبلي والمناطقي والتعصب الديني وصار ثمة ارتهان بين كل تلك الأشكال فبقدر بقاء ذلك الحزب أو ذاك بقدر ما تسيطر تلك الطائفة وتلك القبيلة.. وبقدر ولاء الجماهير للأحزاب بقدر ضمان الأمن وتوفره في حياتهم.. ومن هنا صار وجود الأمن بكافة اتجاهاته بما فيها الأمن الغذائي والحياتي مرهون بوجود جماعة سياسية تنتمي لحزب سياسي معين في سدة الحكم وإن تغيرت تلك الجماعة فقدت الجماهير التي تتبعها أمنها وسلامها.. وهذا التعصب أنتج الفساد المالي والإداري في كافة مرافق الدولة وأفقد المواطن حقوقه وأمنه المعيشي اليومي وصار عليه أن ينصاع لمظاهر الفساد ويجاريها ويغض الطرف عنها ويخضع ويمتثل لها..

 

وربما قد أدت العصبية والعنصرية خدمات جليلة لبعض المجاميع البشرية مثلما أدتها للأفراد عبر التاريخ الإنساني المشحون بالصراعات والمنافسة من أجل البقاء، نتيجة الحالة القلقة التي كان عليها العالم يومذاك، لكن مع تغير المفاهيم وتبدل المصطلحات، وتحرر الإنسان من ربقة الموروث البدائي، وتحضره وتمدنه، ومع بدايات نشأة الدول، وسن تلك العقود المبرمة بين الإنسان كفرد من جانب والحكومة التي تقود الدولة من جانب آخر، تلك العقود التي تنازل الإنسان بموجبها عن بعض خصوصياته، وبعضاً من حريته إلى الدولة، مقابل الحماية وتوفير الأمن والعون الذي تقدمه له، ومشاركته المحيطين به من الأفراد في الخضوع للقانون العام للدولة التي يعيشون فيها، وتخليهم جميعا عن القوانين الشخصية الفردية، لم تعد الكثير من أشكال التعصب والعنصرية شيئاً مستساغاً مقبولا للجميع، لأنها تعرقل مسيرة الصعود، وسيرورة التكامل المجتمعي.

ورغم ذلك مازالت بعض دول المنطقة العربية تفتقر إلى مظاهر توفر الأمن بكل اتجاهاته في مجتمعاتها، وتعيش حالة من الصراعات والفوضى التي تسببت فيها تمثلات التعصب والتعنصر إما للـ(القبيلة أو المذهب الديني أو الحزب السياسي) أو كلاهن مجتمعة وأعاقتها عن تحقيق حالة أمن وسلام مستدامة، وهنا نطرح مجموعة من التساؤلات:

-إلى أي مدى يمكن أن تسهم العصبية والعنصرية في إنعدام الأمن بكل اتجاهاته وسيادة الفوضى في أي بلد؟ وهل حضور العصبية والعنصرية للقبيلة والمذهب الديني والحزب السياسي يعني غياب الدولة وغياب قوانينها وتشريعاتها والقوة التي تحقق تلك القوانين وتطبقها بالشكل الذي يضمن الأمن والسلام للجميع؟ وهل الدولة مستفيدة من حالة حضور تمثلات العصبية والعنصرية للقبيلة والمذهب الديني والحزب السياسي في تفاصيل حياة المجتمع وغياب الأمن الناتج عن ذلك الحضور؟ وكيف يمكن الانتقال إلى مستوى التعصب والتعنصر للإنسانية لتحقيق حالة سلام وأمن مستدامة لمجتمعاتهم؟..

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.