اخر الاخبار:
مقتل عبد الحميد المطر بغارة أمريكية - السبت, 23 تشرين1/أكتوير 2021 10:44
الجيش العراقي يُجهز على داعشي في مخمور - الجمعة, 22 تشرين1/أكتوير 2021 19:49
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

شويكه سيّدة الحكايات – 7// د. سمير محمد ايوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. سمير محمد ايوب

 

عرض صفحة الكاتب 

شويكه سيّدة الحكايات – 7

الدكتور سمير محمد ايوب

 

التضاريس الروحية

ومِمّا علَّمَنا حراس قلعة الإيمان في شويكه، أنّ علينا كأطفال وصبية، إنْ رأينا قطعةَ خبزٍ مُلقاةً على الأرض، أنْ نُسارِع في التقاطها وحملِها إلى مكانٍ مُرتفع، ونحن نُرْسل قبلةَ اعتذار إلى الله. كنّا أرواحا طاهرة خسِرنا بعضها في الطريق.

 

وقد تقدّم العمرُ بي، ما زلتُ أحاول التّعرف على آليات اختراق حواضننا الأميّة أو شبه الأميّة لحصونِ فِطرتنا وتَشكيلنا وفقَ ما كانوا يتمنّون لنا. آباء شَواهين و شَيهانات أمهات، أسْرجوا لنا وهُمْ أحياء، قناديلا بِها نَهتدي. حصّنونا بالتربية الصّارمة، بمنظومةِ إيمان وعناقيدِ أخلاق، عاشوها يوما بيوم معنا،  بأقوالهم المُشبعة حكمة وأفعالهم المُتزنة، حتى استقرت عميقا في وجداننا، وصِرنا نتّكِئ عليها كلما واجهنا تحديا في معارج الحياة.

 

صبيحة يوم جمعة، أذكر أنني كنتُ بصحبة محي الدين الشيخ غانم وعدنان عبد الغني إدريس، زهير بديع ادريس، يوسف عوده، وصالح الدَّليل وأحمد المصلح، وخالد التايه، لطفي ابو سريع أبو الشّحم، وابن خالي عدنان عطية أيوب، ورياض عبد الكريم أيوب، عصام أبو إحمد، فاروق العجوز، محمد نايف البرهم، وطارق أبو حَنك، وعدنان الخواجه، وسليم جرار، ومصطفى الحجَر وجميل اسماعيل فريج، حَظينا بلقاءٍ في حضرة الشيخ مرعي وأستاذنا الشيخ عبد الرحمن ولَدُه، في صحن الجامع الوحيد للقرية آنذاك، والكائن في مركزها، والذي كان مُلتقى لأكثر من الصلاة ، يجتمع فيه كلّ أهل البلد. في ذلك اللقاء أخذنا الشيخ الجليل،  في رحلة إلى الله ومع الله، واجهنا فيها مشاعر مختلطة، إقتَحمنا ما لا يُمكننا تفسيره. طيلة أكثر من ساعة، واصل فيها شيخنا اختراق قلاع فِطرتنا وحبّ الاستطلاع فينا، بكلماتٍ ووصايا تسرّبت بسلاسة إلى إدراكاتنا. خلاصتها أنَّ الله معنا أينما نكون وفي كل وقت، يرانا ولا نراه، إلا في خلقِه وفي مُعجزاته.

 

 إنطلقنا بعد الصلاة ، سيرا على الأقدام، من الجامع سعيا إلى زاوية الشيخ غانم، المُقترن اسمه بالإيمان الوثيق الصلة بالأخلاق،  فلم نرَ منْ مشاهد الطريق إلا ما كانت الضرورة أو الحاجة تسمح به لنا. عِلِّيَّة أحمد أبو شمط، دُورْ: خَطّاب، جَروان، حافظ أبو عايشه، حسن القاسم الفَنِّيص، أبو التاجر، الحَنْطوطه، محمود العطيه، سِتّي أم عبد الله الشيخ يوسف، جورِةْ مصطفى الشيخ صالح. حتى دلفنا بوابة المقام مُسلِّمِين. بعد الفاتحة أخذ محي الدين زمام الحديث وقال: هيّا أعرّفُكم على جدّنا الوليّ الصالح، بعدها نُتابع مسيرنا نحو مقام ولي الله جمال الدين، ومن ثم إلى مقام وليّ الله سعد الدين . فاجأني محي الدين بمعلومات ما كنتُ أدريها، تركتَه وكأني لم أسمعه، وسرت باتجاه القبر لا أدري عمّا أبحث، كلُّ ما كنتُ أحِسُّ به دفءٌ يلفُّني، دفءٌ ينطلق من المقام. أيقَظني منْ أحلامي وجَلدُ الأسئلة، صوت محي الدين يقول: حان وقت مُغادرتنا هذا المكان المجبول بكلّ القيم الإيمانية والإنسانية التي جعلت مِنْ أجدادنا خيرَ أمّةٍ.

 

ودّعنا وليّ الله، إتجهنا إلى باب الخروج وانطلقنا. أخذَت أقدامُنا تلتَهم الطريق من جديد، عبرَ دار رشيد أبو السمن، دار الاطرش، الشيخ عارف، صالح أيوب، علي الحاج صالح يوسف خليل، عطية موسى أيوب، حسين أبو يوسف خليل، أبو نوح، وما هي إلا دقائق معدودة، حتى وصَلنا عَنْبَرات دار الخواجا، ما بين طلعة الراس وبير المسناوي وبير الحجه مريم، تابعنا باتجاه الغرب، مُرورا ببير البَندوق ودار سيدي أبو صلاح، وحاكورة الحجة مريم، والحجه عريفه الفُغِّيش سِتُّه لرشدي التيني، وأم الشرايط، وخَلِّة محمود الخليل المُطلّة على سَهِل المَنايِص. ومن ثم دخلنا المقام، قُمْنا بواجبات السلام والتحية واستذكار السيرة العطرة لوليّ الله جمال الدين. 

 

من هناك، إتجهنا إلى أقصى الغرب الشمالي من شويكه، إلى دار سعيد العبد الله، عند الجسر المقطوع، حيث تتمايل أغصان شجرة جُمّيزٍ مُعمّرة، يصل ارتفاعها إلى أكثر من عشر أمتار، تُثمر سبع مرات في السنة، ثمرها الناضج بلون الزهر الغامق، عناقيد على الغصون مباشرة، شكله يشبه التين  بل أصغر قليلا، وطعمه مُميز لا يشبه أيّ ثمار أخرى.

 

أكلنا حتى شبعنا، ومن هناك اقلّتنا أرجلنا ثانية عبر الإسفلت إلى مقام وليّ الله سعد الدين.  فمرَرنا بدار عبد الفتاح عبد الجابر عبده، ومقهى أبو عطا، ودار مصطفى عبده ومدرسة الذكور على يسارنا ومدرسة البنات على يميننا، ودار محمد عبد الحليم ، وعبد الله أيوب، وبير مصلى العيد، ودار عبد الرؤوف، واسماعيل فريج ورشيد أبو يوسف خليل، وعبَرْنا المقبرة إلى المقام. سلّمنا وقرأنا الفاتحة وتَبَصّرْنا.

 

ومن هناك، انتقلنا إلى مقام وليّ الله عبد الجواد في حارة البَهَتي، جنب دار المَسعور ودار القطّاوي ، وختَمنا رحلتنا وراء الإيمان بزيارة مقام وليّ الله أبو خميس وشجرة السِّدِر ( وكنا نسميه الدّوم ) التي تُجاوره، ما بين حارة النّعالوه والمَساهيل، بالقرب من دار الزبده، ودار عارف الاسعد.

 

ونحن في الطريق الى تلك المقامات، بحثا عمّا نتوقعه وعمّا نتمناه، كنّا نُحاول بعقولٍ مُزدحمة بالأزقة الحياتية المَثقوبة، وبالعناوين الإيمانية التائهة،  التّعرّف على ما تحمله شويكه من إرثٍ إنسانيٍّ،  نبتسمُ له تارة، وتارة أخرى كنّا نسقُط في فِخاخ الشّرود. فنَتذكر ساعتها وصايا الشيخ مرعي، للدخول في عوالم التأمل وبصماته السرية ورؤاه، لا بد أن يكون من بوابات الواقع الكثيف أمام نواظرنا، والذي يشارك في صياغة منظومات الإيمان وقسماته ويمنح تشكيلاتها كمالها.

 

الدهشة التي كانت تطلع في عيون رفاقي في كلِّ مقامٍ زُرناه، أكّدت لي أنّ لكلٍّ مِنها بصمته السرية، المُؤثرة في النفس التي تُحاول كلٌّ مِنها بطريقتها المُواءمة مع إيقاع المكان .

 

يُسعِفُني صوتُ محي الدين وهو يُردِّد: في ظِلال الإيمان لا يَحقُّ للواحدِ مِنّا أن يضيعَ ولا أن يتوه. وفي لحظاتِ التّأمل الجالِدِ للقلب، لِتَهدأ هواجسُك توجَّه إلى الله واستفتي نفسك، ساعَتَها يَسْتَيْقِظُ قلبك، وقد ترى أثَرِ خُطى مَنْ مَرّوا هُنا وهُناك.

 

للحديث أكثر من بقية تتبع ...

 

الاردن – 26/9/2021

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.