
الاكراد بين تحقيق الذات وفقدان البوصلة!
جمال محمد تقي
الجغرافية المتناقضة لموطن الاكراد، أسست لتاريخ متفاوت، عضد من مساومات القوى الكبرى، في كبح جماح النخب القومية الكردية، الداعية لإقامة كيان كردي مستقل، يؤطر الوجود الاصيل لمكون لا ينقصه من مقومات ألأمم شيء. لكن لتكالب الموانع، منطق آخر، حظ عاثر احاط بالوجود الكردي، الواقع بين تضاريس حادة ومعقدة تبعثر شمله، وتصعب تواصله، وبين امم سبقته بالتزاحم على رسم حدود دولها، ففي معاهدة سيفر1920 جاء ذكر لحق الكرد في تقرير مصيرهم، وقد وقعت الدولة العثمانية على المعاهدة، التي رسمت حدود مناطق الاستقلال الكردي حصريا في الحيز التركي من التقسيمات التي فرضتها بريطانيا وفرنسا تحاشيا لاي استقطاع من حصصها في العراق وسوريا، وعليه لم تدخل المناطق الكردية في ايران وسوريا والعراق ضمن بنود التعاهد على اقامة كيان كردي مستقل. وكان لتمرد كمال اتاتورك على السلطان العثماني محمد السادس، لتنازلاته المشينة بعد احتلال بريطانيا للإستانة، ونجاحه في إقامة سلطة موازية في انقرة جمع فيها ممثلي الولايات من انصاره وشكل بهم الجمعية الوطنية العليا التي صوتت على رفض المعاهدة، دور حاسم في إهمال بنود سيفر، وهذا ما احرج السلطان المحاصر، فارسل جيشا للقصاص من تمرد انقرة وقائده اتاتورك، لكن الاخير كان قد نجح في تثوير الاتراك بوجه السلطان وبوجه القوات المحتلة، وحقق الانتصارات العسكرية على اليونانيين، والطليان، والفرنسيين، واضطرهم للتفاوض مجددا، وبعد اعلانه الغاء السلطنة واقامة الجمهورية التركية على معظم اراضي تركيا الحالية، جاءت معاهدة لوزان 1923 لتنهي الصراع الدائر، وهذه المرة من دون ذكر لأي حق في إقامة كيان كردي مستقل، فما قالته سيفر صادره اتاتورك في لوزان، وجاءت ردة الفعل الكردية على هذا الاجحاف، في ثورة الشيخ سعيد بيران التي انطلقت شرارتها من ارارات 1925 واخمدها اتاتورك بشراسة، وقد تزامنت بدايات تحركات الشيخ سعيد مع تحركات الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في السليمانية بالضد من حكم الانكليز في العراق مطالبا باقامة مملكة كردستان، دون وحدة هدف، وتنسيق ميداني مع حراك الشيخ سعيد، بسبب التباعد المناطقي والقبلي. ومن نافل القول ان الاكراد قد تطلعوا للدول الحديثة التي اصبحوا منضوين تحتها على اسس المواطنة الواحدة وبحقوق متساوية تحترم خصوصيتهم، اللغوية والثقافية، ولا تتعالى عليها، لكن ماحدث لم يكن مبشرا، فالبعض انكر عليهم خصوصيتهم القومية، واعتبرهم اتراك الجبال، والآخر اعتبرهم مواطنون من الدرجة الثانية، فتوالت ثورات الكرد لإنتزاع حقوقهم الطبيعية في تركيا وايران والعراق وبدرجة اقل في سوريا، واثناء مخاضات شعوب هذه الدول للتحرر من الاشكال الاولى للتبعية المباشرة وغير المباشرة للامبرياليات الغربية، تجلت النعرات القومية للاكثرية بروح الصهر القومي للاقليات، ومن الطبيعي ان يولد ذلك ردود فعل عكسية لدى اقرانهم من الاكراد، حيث الانتصار للانعزال والتمرد، واحيانا، بالدعوة للانفصال. ومن المفارقات ان الاسلام المعتدل واليسار الجذري في البلدان الاربعة قد طرحا اجوبة منطقية وعملية للتساؤلات المشروعة للقضية الكردية، فالاحزاب الشيوعية في العراق وايران قد تبنت منذ تأسيسها الدعوة للحكم الذاتي للمناطق ذات الاغلبية الكردية، ضمن اطار من الحكم الديمقراطي الموحد، والاسلاميين المتنورين ايضا طرحوا مبدأ، فيصل التقوى كمعيار للمواطنة وتقزيم الانتماء القومي لمصلحة امة الاسلام، وفي سوريا ايضا اتخذ الشيوعيون مواقف مشابهة لرفاقهم في العراق وايران، وهذا ما عزز الانخراط الوطني لجمهرة واسعة من الاكرد في صفوف تلك الاحزاب، وساعد على قيام احزاب كردية ماركسية، وبروز قيادات وكوادر كردية متميزة في يساريتها كعبد الرحمن قاسملو وعبداللة آوجلان، اما الحركات والاحزاب القومية الكردية التي تأسست مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية فقد تأثر اغلبها بطروحات اليسار وتجربة الاتحاد السوفيتي، وكانت التجربة الموؤدة لجمهورية مهاباد في ايران التي قادها قاضي محمد عام 1946 واعدم كنتيجة لسقوطها، خير دليل على ذلك، وكذا الحال بالنسبة لملا مصطفى البرزاني الذي كان قائدا لجيش مهاباد، وعندما تمكن جيش الشاه منها، استطاع البرزاني الافلات مع نخبة من مساعديه، حيث وصل به الامر الى موسكو، وبقي فيها حتى قيام ثورة 14 تموز 1958 حيث عاد للعراق معززا مكرما، ويمكن الاشارة للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي اسسه قاضي محمد في ايران، كمرجعية رائدة لاغلب الاحزاب القومية الكردية الحالية كالحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق وسوريا. لقد اعلن البرزاني ثورة ايلول 1961 على الحكم الجمهوري في العراق اثناء حكم عبد الكريم قاسم، الذي تعاطى بايجابية غير مسبوقة مع الحقوق الطبيعية للاكراد، ومن الملفت ان يكون قانون الاصلاح الزراعي الذي اريد تطبيقه في شمال العراق والداعي لتقليص الملكيات الكبيرة للاغوات الكرد وتوزيعها على الفلاحين معدومي الملكية هو الدافع الخفي للثورة التي تلقت تغذية واضحة من شاه ايران والموساد الاسرائيلي والسي اي اية، بعد ان شكل الحكم الجديد في العراق خطرا على المصالح النفطية للغرب في العراق خاصة بعد صدور قانون رقم 80 الذي كسر احتكار الاستثمار النفطي وفتح ابواب الاستقلال الاقتصادي للعراق، وفعلا كان انقلاب 1963 تعبير عن تحالف مشوه ساهم فيه قومجية الكرد والعرب مع مرجعيات التزمت المذهبي سنة وشيعة بدفع من المخابرات البريطانية والامريكية والايرانية والمصرية. ومع تواتر حكم العسكر واستقراره على يد البعث بنسخة البكر – صدام 1968 تمخض التجاذب القائم مع التمرد الكردي المسلح على حل وصف بالعادل للقضية الكردية في العراق، وتوج ببيان 11 اذار 1970 الذي تضمن حكما ذاتيا للاكراد في المناطق ذات الاغلبية الكردية، واعتبارها اقليما بادارة ذاتية كاملة الحقوق عدا مهام الدفاع والعلاقات الخارجية والثروات الطبيعية، وكان الاتفاق عبارة عن هدنة انفجرت عام 1975 ولم تنتهي إلا باتفاقية الجزائر بين العراق وايران، والتي التزمت بموجبها ايران الشاه بوقف الامدادات لتمرد البرزاني، مقابل رسم نهائي للخلافات الحدودية وعدم تدخل العراق بالشأن الايراني، إنهار التمرد وخرج البرزاني مع جماعته للمنفى، وبعد اشتعال الحرب العراقية الايرانية 1980 كنتيجة غير مباشرة للثورة الايرانية 1979، ونهج تصديرها، برزت بقوة مجددا حركة التمرد الكردي المسلح شمال العراق، وهذه المرة برأسين متناطحين، البرزاني، والطالباني، ولعب الاثنان ادوار متبادلة، بحسب موازين القوى، والمردود المصلحي، وفي الغالب عمل التمرد الكردي لمصلحة ايران، وكانت من شروره واقعة حلبجة التي احتلتها ايران بمساعدة جماعة الطالباني، واستشرس الجيش العراقي لإسترجاعها، ثم جرت مواجهة ساخنة استخدمت فيها عوامل كيمياوية، تبادل الطرفان الاتهامات باستخدامها. واثناء حرب الخليج الثانية، وحرب احتلال العراق 2003، واصل الفصيلين الكرديين تصيد الفرص، وتأجير بنادقهما للتحالف الامريكي الصهيوني الايراني لاحتلال العراق والاطاحة بدولته، كخطوة نحو تقسيمه نهائيا، وما منع تحقيق ذلك، برغم مبادرة البرزاني في اجراء استفتاء على الانفصال شمل كل كردستان العراق وبنتيجة ايجابية تدعمه، مواقف تركيا وايران وخشيتهما من افتتان بلديهما بتجربة كرد العراق. وما يجري حاليا من محاولة تجنيد، ترامب ونتنياهو، للجماعات الكردية الايرانية المسلحة المتواجدة داخل كردستان العراق، كحصان طروادة جاهز للنيل من نظام طهران، يؤكد اتباع القوى المتصارعة ذات النهج الذي استخدم سابقا في توظيف البنادق الكردية في سوريا والعراق، وحتى في تركيا. ومن واقع التجربة، فإن إعادة النظر بما تنساق اليه الجماعات الكردية المسلحة وفي كل الساحات، ضرورة تحتمها مصلحة شعوب الدولة القائمة قاطبة، نحو، دول ديمقراطية متعددة القوميات، تربطها عروة المواطنة الواحدة، وبحقوق ثقافية كاملة، بديلا عن الصراعات القومية التي لا تخدم الجميع.