
قراءة في فشل فرض الهوية واحقية التعدد القومي
د. عامر ملوكا
تطرح ازمة التسمية بين الكلدان والاشوريين والسريان واحدة من اكثر القضايا حساسية في الوعي القومي المعاصر، لانها لا تتعلق بمجرد اختلاف في الالفاظ، بل تمس جوهر الهوية ومعنى الوجود الجماعي نفسه. فالتسمية ليست كلمة عابرة، ولا عنوانا شكليا يمكن استبداله بقرار سياسي او رغبة ايديولوجية، بل هي تعبير عن تاريخ طويل، وذاكرة جماعية، وتجربة انسانية تشكلت عبر قرون من التفاعل الثقافي والاجتماعي والديني. ولذلك فان اي محاولة لاختزال هذا التنوع في اسم واحد تصطدم مباشرة بحقيقة ان الهوية لا تصنع من الخارج، ولا تفرض من الاعلى، بل تنمو طبيعيا داخل وجدان الشعوب وتاريخها.
ان الصراع حول التسمية ليس خلافا لغويا بسيطا، بل هو صراع رمزي يتعلق بمن يمتلك حق تمثيل التاريخ، ومن يملك شرعية التعبير عن الجماعة القومية. وفي هذا السياق تتحول التسمية الى قضية وجود، لا الى مجرد تعريف لغوي. ولهذا بقيت هذه القضية حاضرة رغم الدعوات المتكررة الى تجاوزها، لان تجاوزها لا يمكن ان يتم عبر تجاهلها، بل عبر فهم جذورها واحترام ابعادها. وما يطرح احيانا تحت عنوان الوحدة من بعض الاوساط الاشورية يكشف تناقضا واضحا بين الشعار والممارسة، لان الوحدة تفقد معناها حين تتحول الى محاولة لإلغاء الاخر واحتوائه داخل هوية لا يعترف بها. فالوحدة التي تقوم على نفي التنوع ليست وحدة، بل صيغة اخرى من الهيمنة المقنعة.
وفي هذا الاطار، لا يمكن تجاوز حقيقة اساسية تتعلق بالبنية الواقعية للمجتمع، وهي ان الكلدان يشكلون شريحة واسعة وفاعلة من هذا الشعب، بما يمتلكونه من حضور تاريخي وثقافي ومؤسساتي ممتد. وهذا الثقل لا يمكن التعامل معه كحالة هامشية يمكن دمجها قسرا في اطار اخر. ومن هنا فان اي مشروع يرفع شعار الشمول والوحدة دون الاعتراف الصريح بهذا الواقع، ودون التعامل معه على اساس الندية والاحترام المتبادل، يبقى مشروعا بعيدا عن الواقعية، ويصطدم بحقائق لا يمكن انكارها.
لقد رافقت هذه الطروحات في كثير من الاحيان خطابات حادة اعتمدت على قراءات تفتقر الى الدقة التاريخية والرصانة العلمية، كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم التوتر من خلال خطاب عاطفي وانفعالي بعيد عن الحوار المعرفي الهادئ. وهذا بدوره ادى الى تعميق الفجوة بين الاطراف، بدلا من تقريب وجهات النظر، وولد شعورا متزايدا بالتهديد والاقصاء لدى كثيرين ممن شعروا بان هويتهم باتت موضع تشكيك او استهداف.
وتظهر المشكلة بصورة اوضح عندما يقدم مشروع فرض القومية الاشورية على بقية المكونات باعتباره مشروعا وحدويا، بينما هو في جوهره مشروع الغاء. فكيف يمكن الحديث عن وحدة حقيقية في الوقت الذي يطلب فيه من الكلدان، وهم الشريحة الاوسع، ومن السريان ايضا، التخلي عن اسمائهم القومية والانخراط في هوية مفروضة مسبقا. ان هذا التناقض يسقط المشروع من اساسه، لان الوحدة لا تقوم الا على الاعتراف المتبادل، لا على الالزام القسري، ولا على مطالبة طرف بالتنازل عن ذاته لصالح طرف اخر.
ويعود فشل هذا المشروع الى مجموعة من الاسباب الجوهرية، من اهمها.
ان الهوية القومية ليست قرارا سياسيا، بل نتاج تاريخي عميق مرتبط بالذاكرة الجماعية.
ان تجاهل الثقل الكلداني يقوض اي ادعاء بالشمول ويولد شعورا بعدم العدالة.
ان غياب الندية في الخطاب يفقد المشروع مصداقيته.
ان التناقض بين شعارات الوحدة وممارسات الاحادية يضعف الثقة.
ان غياب التجربة المؤسسية الواقعية يجعل الطرح نظريا اكثر من كونه عمليا.
كما ان المفارقة تزداد حين تصدر بعض الدعوات الى تجاوز التسميات من اوساط كلدانية، بينما لا يقابلها التزام مماثل من الطرف الاخر الا على مستوى الخطاب فقط، دون اي تغيير حقيقي في البنية الفكرية والتنظيمية. وهذا يخلق حالة من عدم التوازن، تجعل بعض التنازلات تبدو وكأنها مطلوبة من طرف واحد، الامر الذي قد يؤدي الى اضعاف الوعي القومي بدلا من تعزيزه.
وفي المقابل، يكشف الواقع الاجتماعي صورة مختلفة تماما، اذ يظهر مستوى عاليا من التعايش والتقارب بين ابناء هذه المكونات بعيدا عن التوترات السياسية. وهذا يدل على ان المشكلة الحقيقية ليست بين الناس، بل بين المشاريع السياسية المتنافسة، وبين صراعات التمثيل والنفوذ داخل بعض الاطر الحزبية والمؤسسات الخاصة. فالشارع الاجتماعي في كثير من الاحيان اكثر نضجا من الخطاب السياسي الذي يدعي تمثيله.
ومن المهم ايضا الاشارة الى ان الاحزاب الاشورية وممثليها لم يقدموا حتى الان رؤية موحدة وواضحة، بل ظهرت طروحاتهم في كثير من الاحيان متباينة ومتناقضة، تمتد من اقصى اليسار الى اقصى اليمين. وعلى النقيض من ذلك، يظهر عند الكلدان خطاب اكثر توازنا، يقوم على احترام بقية المكونات دون محاولة الغاء اي طرف او مصادرة اي تسمية، رغم انهم يشكلون المكون الاكبر. ولذلك فان المطلوب اولا هو توحيد الرؤية داخل البيت الاشوري نفسه، قبل الانتقال الى الحديث عن مشاريع اوسع.
ان معالجة هذه الاشكالية لا يمكن ان تتم عبر فرض هوية واحدة، ولا عبر الغاء طرف لصالح اخر، بل من خلال مقاربة واقعية تقوم على اسس واضحة، منها.
الاعتراف الصريح بالتعدد القومي.
احترام خصوصية كل مكون.
التعامل مع كل طرف وفقا لثقله الحقيقي.
تعزيز القواسم المشتركة وفي مقدمتها اللغة والتراث.
بناء مؤسسات تمثيلية تقوم على الشراكة لا على الاقصاء.
ان الانتقال من صراع التسمية الى شراكة الفعل هو الطريق الوحيد لبناء مشروع قومي ناضج. فالقوة لا تكمن في اذابة الهويات، بل في ادارة التنوع وتحويله الى مصدر غنى. وعندما تصبح الوحدة قائمة على الاختيار الحر والاعتراف المتبادل، لا على الفرض والانكار، فأنها وحدها تكتسب الشرعية والاستمرار، وتتحول من شعار نظري الى واقع يمكن البناء عليه.