للذهاب الى صفحة الكاتب   

فارس الخفاجي- حين يستعير الطبيب قلب الشاعر

محمد علي محيي الدين

 

 

في بلاد يكتب فيها الشِعر كما تُكتب الوصايا، ويُلقى كما تُلقى التحية على أرواح الغابرين، ينبثق صوت فارس الخفاجي متينًا، دافئًا، يجمع في حرفه بين صرامة الطب ورهافة الشعر، بين العلم حين يضع سماعته على صدر الإنسان، والخيال حين يضع روحه على صدر القصيدة.

 

ولد فارس فلاح صادق مجيد الخفاجي في النجف، لكنه نشأ في مدينة الحلة، فتشكل وجدانه على ضفاف نهر الحلة المترقرق بالمعاني، بين بساتينها وصوامعها، وحاراتها القديمة التي تحفظ سرّ النداء الأول للشعر. ومنذ نعومة أظفاره، كان يميل إلى الإنصات أكثر من الكلام، وإلى الكتابة أكثر من اللهو. كتب القصيدة العمودية كمن يمدّ يده إلى جذور نخلة باسقة، ويكتب التفعيلة كمن يحاور ظله عند الغروب.

 

شاعر بين المشرط والقافية

حين التحق الخفاجي بكلية الطب في جامعة البصرة عام 1986، لم ينكفئ عن الشعر، بل كان يكتبه كما تُكتب الوصفة لروح عليلة. تخرّج طبيبًا عام 1992، ثم نال اختصاصه في طب الأسرة من جامعة بابل سنة 2012، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن "طبّ الحرف"، بل ظل يمارس الطب والشعر معًا، كوجهين لحكمة واحدة: شفاء الجسد بالكلمة، وشفاء القلب بالنغمة.

 

وكما يكتب الوصفة بعين الطبيب، يكتب القصيدة بعين الشاعر، بعناية المفردة، وتوازن الإيقاع، وحرص على الصياغة لا يقل عن حرصه على تشخيصٍ دقيق. وربما كانت هذه المزاوجة الفريدة بين المهنة والموهبة سرًّا من أسرار حضوره الخاص في المشهد الشعري العراقي.

 

في دواوينه: نهر يفيض بالحكمة والشجن

صدر له حتى الآن أربعة دواوين شعرية مطبوعة، حمل كل واحد منها نكهة مغايرة، لكنها ظلت تنتمي إلى صوته الخاص.

 

في أغاريد صادقة (2017)، نقرأ شاعراً يستحضر البساطة الصافية، ويعزف على ناي الذكرى، دون ادعاء أو تكلف.

 

أما على ضفاف القوافي (2021)، فهو كتاب شاعرٍ بدأ يستعرض عضلاته الشعرية ويؤسس لمكانته بين مجايليه.

 

وفي السجال البابلي وهواجس الخريف (كلاهما 2022)، نرى مزيجًا من المرارة والتأمل، وكأن الخفاجي يُجري حوارًا طويلًا بينه وبين نفسه، بينه وبين العالم، متكئًا على قوافيه كمن يتكئ على عصا عتيقة مشبعة بالحكايات.

 

ولديه تحت الطبع ديوان أبيات ومواقف، يوحي عنوانه بأنه لا يكتفي بتجميل اللغة، بل يسعى لأن تكون القصيدة موقفًا، وصوتًا في الزحام، لا صدى في الفراغ.

 

صوت في المهرجانات... وحضور في الحراك الأدبي

لم تكن تجربة فارس الخفاجي حبيسة الصفحات، بل انفتحت على المهرجانات الأدبية والسجالات الثقافية، فشارك في فعاليات عديدة داخل محافظة بابل وخارجها، مثبتًا حضوره ليس كشاعر هاوٍ، بل كصوتٍ ملتزم بنبض اللغة وموجات الناس.

 

وقد نشرت قصائده في العديد من الصحف العراقية الورقية والإلكترونية، وتنوعت اهتماماته لتشمل كتابة المقالة الأدبية والطبية، خاصة في مجال اختصاصه بطب الأسرة والأمراض الجلدية، ما جعله نموذجًا نادرًا للمثقف الذي لا يعيش في برج عاجي، بل في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تكون الكلمة ضرورة لا ترفًا.

 

رأي النقاد: شاعر الكثافة والوضوح

يرى النقاد أن الخفاجي يكتب بأسلوب "موزون الوجدان"، لا يغرق في الغموض، ولا يستسلم للتقريرية، بل يمسك العصا من منتصفها. هو من الشعراء الذين يؤمنون أن الموسيقى هي الجسر الأول إلى القارئ، وأن الإحساس الصادق لا يحتاج إلى زخرفة زائدة.

 

أشاد بعض النقاد بلغته التي تتسم بالمتانة والعذوبة في آنٍ واحد، معتبرين قصيدته امتدادًا واعيًا للتقليد العمودي، مع جرأة محسوبة في التفعيلة. وقد أثنوا على نزاهة صوته، إذ لا يتورط في مجاملات خطابية، ولا يلهث خلف موضات لغوية، بل يكتب كما يتنفس، كما يصمت، وكما يعالج مريضًا: بلطفٍ، ولكن بثقة.

 

نقابي وثقافي… بين ميدانين

فارس الخفاجي عضو في اتحاد أدباء العراق منذ عام 2022، وهو كذلك عضو في جمعية الرواد الثقافية المستقلة، ومؤسسة شعراء العمود، ومجلس الشاعر الدكتور علي الطائي الثقافي، إلى جانب عضويته في نقابة الأطباء العراقية. تلك المشاركات تؤكد أنه ليس شاعرًا معزولًا، بل ابن البيئة الثقافية العراقية، ينهل منها ويمنحها.

 

من الحلة إلى اللغة... ومن القلب إلى القصيدة

في سيرة فارس الخفاجي تتجاور مهنةُ الطبِّ مع حرفة الشعر، كما تتجاور الكلمات في بيته المقفى. رجلٌ لم يسقط في فخ المهنة الواحدة، بل سار بين ضفتين: واحدة للإنسان المريض، وأخرى للإنسان الحالم. وفي زمن تتراجع فيه الكلمات أمام الضجيج، يكتب هو قصيدته بهدوء، كما يضع يده على نبض الحياة... لا ليقيسه فحسب، بل ليصغي إليه. وفارس الخفاجي شاعرُ مهنةٍ ومحنة، كتب ليكون صدىً صادقًا لما فينا... لا لما يُقال عنّا.