للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ- الجزء 21

          شلمنصر الخامس 726 – 722 ق. م

          وسرجون الثاني  722 – 705 ق . م

يعكوب ابونا

 

 

 لقد ترك تغلات بلاصر لابنه شلمنصر الخامس، امبراطورية مترامية الاطراف قوية تمتد من الخليج الفارسي حتى حدود مصر وصعودا عبر سوريا الشمالية  حتى كيليكيا والانضول. كان شلمنصر والياً على فينيقية، وسماه البابليون "اياولاي"، كما كانوا قد دعوا ابوه "بول". وهكذا كتبوا اسمه في قائمة ملوكهم، لقد كان ابوه قد رتب امور المملكة خاصة الادارية  منها، اذ قسمها الى ولايات واقام على ولاية قائد اشوري يسوسها ،" 1 "

ولكن لماعاد شلمنصر من فينيقية الى اشور، اعلنت صور واسرائيل عصيانهما،  بتحريض من مصر فعاد شلمنصر الى شواطئ المتوسط، وكان يعرف المنطقة جيدا اذ كان واليا عليها بزمن والده، فقاد جيشه مسرعاً إلى فلسطين. فبادرة فينيقيه بتقديم الطاعة. واما هوشع ملك أسرائیل فاذ لم ير اي مساعدة من القبائل المجاورة سلم هو ايضاً لشلمناصر، ودفع له جزية، ولكن هوشع لم يتعظ بل تجاسر وتحالف ثانية مع ملك مصر. فلماً عرف الملك شلمنصر بخيانته وامتناعه عن دفع الجزية حسب الاتفاق، فارسل يستدعيه. فقبض عليه واوثقه والقاه في السجن، وصعد ملك اشور بجيشة، وكانت السنة التاسعة لهوشع فاخذ ملك اشور السامرة وسبى اسرائيل الى اشور واسكنهم في حلح وخابور ونهر جوزان وفي مدن مادي، 2 ملوك الاصحاح 17 : 1-6

ولما كانت فينيقية ايضاً في هذه الاثناء قد خرجت من طاعة اشور، لانة ملكها "لوليا" وجد بنفسه قوة بعد ان قهر سكان جزيرة قبرص. فما كان من شلمنصر الا ان صعد بجيشه ومشى هو نفسه الى فينيقية. واستولى على جميع مدنها ما خلا مدينة صور التي كانت في جزيرة ،" 2 "

  فجمع شلمنصر جميع سفن صيدا وجبيل وارواد وكانت ستين سفينة. فركبها الاشوريون ونزول الى الجزيرة. ولكن لم يكونوا ماهرين في الحرب بالبحر، فانتصر عليهم الصوريون واسروا منهم خمسمائة جندي. وكانت سفن صور اثنتى عشرة فقط، ففكر شلمنصر في ان يحاصر المدينة برا ويقطع عنها المياه فيجبرها بذلك على تقديم الطاعة، وطال حصار صور، ووجد شلمنصر ذات ليلة ميتا بعد ان حكم خمس سنين، ولم يعرف سبب موته، وكات وفاته في بابل في كانوا الثاني سنة 720 قبل الميلاد ." "3 " ..

  وتقريبا لاشئ يعرف عن مؤسساته خلال سنوات حكمه، ولا عن اسباب وفاته؟ ولكن يعرف بان اضطرابات وتمرد حدث في العاصمة القديمة اشور ضده، لانه حاول فرض العمل القسري هناك، ولم يكن هذا الامر متبعا سابقا ً، ولكنة بوفاته كما ذكر بان خليفته اعلن ان الاله آشور كان قد تخلى عن دعم شلمنصر الخامس لافعاله التي تنم عن عدم الرضى، " 4 " .

 خلفه على الحكم سرجون الثاني (721-705) الذي يوصف بانه ابن تغلات بلاسر، فما كان من الملك الجديد سرجون الثاني بعد اعتلاءه العرش ليعبر عن امتنانه للدعم الذي تلقاه عند احتلاله العرش، فاعلن الاعفاء من بعض الضرائب  والالتزامات ليس فقط لسكان مدينة اشور، بل لكل معابد بلاد اشور،  " 5 "

 

 ويذهب اي . روبستن بايك، قصة الاثار الاشورية ص 107 الى القول، ان سرجون "شارو -كين" تعنى الملك الصالح، يبدو انه لم يكن من اعضاء الاسرة المالكة شانه شان تغلات بلاسر الثالث، لانه لم يدون اسماء اجداده الملوك، على النصب التذكارية التي اقامها، لعله كان قائدا اشورياً حقق للجيش الاشوري انتصارات باهرة، وتعرف اسرة هذا الملك بالاسرة السرجونية وهي اعزم اسرة حكمت في التاريخ الاشوري.

واما جورج رو ص 414 وبعدها، يقول ان الغموض يكتنف الظروف التي جاءت بخليفة شلمنصر الى العرش اذ ليس بوسع احد البت باصل "سرجون" فيما اذا كان مغتصبا للعرش ام انه كان احد ابناء تغلات بلاسر الثالث، ولكن الاسم الذي اتخذه هو اسم احد اوائل ملوك اشور واسم احد الموسس المشهور لسلالة اكد، انتهى الاقتباس

   ولكن  يظهر بان شلمنصر لم يكن له ولد، وان كان له ولد الا ان الشعب لم يرضى به فجلس مكانه على العرش سرجون، ويحتمل ان يكون اخا شلمنصر الصغير هو الذي اعتلى العرش الآشوري في22 كانون الثاني سنة 722 . متخذا الاسم القديم شاروكين، " 6 " ويعني ” الملك الشرعي”، وثق دعم الكهنة له وكذلك طبقة التجار وذلك باعادة الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها، وخاصة اعفاء المعابد العظيمة من الضرائب.

 

 ان حالة الاضطرابات وعدم الاستقرار وتغير الحكام في الدولة الاشورية قد ادى الى اثار ازمات كثيرة منها ماحدث في بابل مع تدخل العيلاميين وفي فلسطين بتدخل المصريين، امام هذه المتاعب بقى سرجون الثاني بدون حركة، في السنة الاولى لحكمه، لانه كان يعاني من الوضع الداخلي المضطرب، الذي نشا بسبب الاضطرابات الداخلية، ولكن استطاع ان يحل تلك الاشكاليات التي نشات بزمن شلمنصر فخلص المواطنيين الاشوريون من "الاستدعاء لحمل السلاح" التجنيد الالزامي "ومن طلبات جابي الضرائب" المفروضة عليهم من قبل شلمنصر الخامس، بعد ذلك توجه للتحديات الخارجية، كانت بابل قد رفضت ان يكون ملكا عليها، كما كانوا اسلافه ملوك بابل واشور، كان لموقع ومكانت بابل بالنسبة للاشوريين مكانه خاصة ومميز اذ كانت تعتبر بابل بالنسبة للاشوريين (الجوهرة الثانية في التاج الاشوري).

 ففي السنة التي اعتلى سركون العرش الاشوري، تسلم عرش بابل (مردوخ – ابال – ادينا) عام (721 – 710) ق .م ويسميه الكتاب المقدس (مردوخ بلودان). وهو احد الامراء من قبيلة (بيت ياكين) في بلاد البحر، ويدعى انتسابه الى (اربا – مردوخ) احد ملوك الاسرة البابلية الثامنة، وان قبيلته تقع على سواحل الخليج العربي، وبمعونة ملك عيلام المدعو (همبانيكاش) قاوما الزحف الاشوري. فكانت المحاولة الاولى لسرجون لاستعادة بابل قد فشلت حين هزمته عيلام في 721. وبقى مردوخ بلادان بحكم بابل 721 – 710 ق . م . بسبب انشغال الاشوريون في حروبهم في سوريا واوراراطو، أدى الى بقاء الوضع في بابل تحت حكم مردوخ بلودان بحدود عشرة سنوات، الا ان هذه الفترة سببت لسكان بابل وكانوا يسمونهم (سكان اكـــاد) مشاكل كثيرا مختلفة منها نفسية واقتصادية ، اذ قام  بلودان بتوزيع اراضيهم على اتباعه الاراميين وعلى الجنود، فالوضع كان صعبا للسكان بابل  وبالنتيجة فان هذا الوضع شكل خطرا على الدولة الاشورية . "7 "

 ولكن في عام (710) ق. م زحف (سرجون الثاني) وشن هجوما كاسحاً على (مردوخ بلادان) الذي اغتصب عرش بابل عام 722 ق.م، الا ان مردوخ بلودان استطاع وبمساعدة بعض القبائل في بلاد سومر، ان يقاوم الاشوريين لمدة عامين، الا انه بعد محاصرته في منطقة (دور – اياكين) (تل لحم) واصابته بجرح في يده، واستمر في هجومه على القبائل الارامية الموجودة على نهر الكرخة (نهر اكنو او أكلو) حتى وصل الى مشارف بلاد عيلام. اما مردوخ بلادان الارامي فقد هزم وفر الى امارة (يادبور) لاجئاً. ((بعد ان نفذ من باب مدينته كما تنفذ الفئران من الجحور)) على قول جورج رو ص 420 . فدخل سرجون بابل وفتح كهنة المعابد ابواب مدينتهم للمنتصر ملك اشور وفي مطلع عام 709 اخذ ملك اشور بيد البعل الاله مردوخ، وبذلك اصبح ملكاً شرعياً على بابل،

 وللمرة الاولى يؤدي ملك ديلمون على الخليج العربي الجزية لملك اشور، وحذا حذوه الملك ميداس بعد ان منى بهزيمة شنعاء، وقبلوا ان تنصب في مدينتهم سيتسيوم "لارنكا" مسلة حفر عليها سرجون صورته الملكية وشعارات الهة بابل واشور .. "9 "

 وفي سنة 717 حمل على شمال سوريا جاعلا كاركيمش احدى مقاطعاته. وذهب كذلك الى سيليسيا في محاولة لمنع استمرار انتهاكات الفينيقين تحت حكم الملك ميداس، وفي سنة 716 اجتاح سرجون الممالك الواقعة بين بحيرة فان وبحيرة اورميا، واعاد الكره عام 715 وفي 714 قام بحملة على جيوش الملك الارمني اورسا وانتصر عليه، بعد ان اسر حرسه الخاص المؤلف من اكثر 200 فارس فما كان من اورسا الا ان يترك عربته ويهرب على ظهر حصان، وبعد ان ضاق حالته قتل نفسه ، "10" 

  ولما كانوا سكان السامرة قد هجروا واصبحت اراضي فلسطين مقاطعة تابعة للامبراطورية الآشورية. فجرى توطين السوريين والبابليين في السامرة. وفي 720  جرى عقد حلف ضم مصر وحماة وارباد وسيمرا ودمشق والسامرة، تحت زعامة جارو – بيادي، ملك حماة، دارت المعركة في سهل كركر، فوقع جاروبياوي اسيرا بيد الجيش الاشوري فسلخ جلده وهو حيا ً، فقمع سرجون هذا التحالف، فتم فرض حكم اشوري مباشر على حماة،

 ولكن الامر لم ينتهى هنا بل نجد تحالف سب – او (سبعي) القائد الاعلى للجيوش المصرية، مع ملك غزة حنونه، فما كان من الملك سرجون الا ان يداهمهم، فما كان منهم الا التقهقر والانسحاب، فانسحبوا الى رفح، واثناء القتال لاذ سب – او بالفرار واما ملك غزة  فاقتيده اسيرا الى اشور .. " 10 "

وبعد هذا اشعل المصريون عصيانا في فلسطين يقوده "اياماني" ملك اشدود وتبعه مملكة يهوذا وايدوم ومواب بمباركة "بعرو مصرو" فرعون مصر قد يكون "بوخوريس" كما يقول جورج رو ص 417 ، وكان النصر حليف سرجون، فهرب اياماني الى مصر ثم مالبث ان جرى تسليمه من قبل الملك النوبي "بيانخي" الذي اصبح سيدا على وادي النيل، فجلب الى اشور مكبلا بالاصفاد، فاستتاب الوضع في فلسطين بزمن سرجون. .

 

  ويذكر اشعيا النبي في الاصحاح 20  : 1 6 في سنة مجئ ترتان الى اشدود حين ارسله سرجون ملك اشور فحارب اشدود واخذها في ذلك الوقت تكلم الرب عن يد اشعيا بن اموص "..اتبع سرجون خطة اسلافه في اجلاء الشعوب المغلوبه عن اوطانها الاصلية الى مختلف ارجاء مملكة اشور مستبدلا بهم اقواما اشوريين، وقد نشط في التجارة وفتح اسواق جديدة، وانشا احواض المياه والاقنية العظيمه، فالى جانب فتوحاته الواسعة والمترامية الاطراف التي قام بها سرجون الملك، الا انه لم يكن اهتمامه اقل بالناحية العمرانية ايضا وكان قصره في "دور – شروكين حافلا بنقوش جديرة تقارن بنقوش قصر الملك اشور ناصر بال ، "11 "

  وفي حملته  الاخيرة على غرب ايران قتل غيلة على يد احد حراسه من الجنود الغرباء، وكان ذلك عام 705  قبل الميلاد. وبعده خلفه ابنه سنحاريب، لتبدأ مسيرة العائلة السرجونية العظيمة..

 والي هناك بعون الله ..

 يعكوب ابونا ...............................  26 / 4 /2026

________ المصادر __________

1-هنري ساغس جبروت اشور 142

 2-ماسبيرو تاريخ الشعوب القديمة في الشرق الادني  484

3-ادي شير كلدو واثور ص 87 -88

4- طه باقر مقدمة في تاريخ الحضارات 187

5-هنري ساغس جبروت اشور 143

6-اميل بوتا اثار نينوى 63 -160

مجلة الكتاب المقدس 371 -390 

7-جورج رو العراق القديم  416

8-ادي شير كلدو واثور 93 –94

9-ل. دولابورت  بلاد ما بين النهرين 274 – 276

10- هنر ساغس جبروت اشور 143