
هل تغير الزمن فعلاً؟
صالح مهدي محمد
"لقد تغير الزمن".. عبارةٌ تترددُ كثيراً على ألسنة كبار السن، وتتناقلها أجيالٌ متفاوتة الأعمار؛ فالبعضُ يراها خلاصة تجربة حياتية عميقة، والآخرُ جعلها "لازمةً" يكررها في كل محفل، سواء أدرك كنهها أم رددها بغير وعي. وفي غمرة هذه الأحاديث وتعدد التأويلات، يبرز السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تغير الزمنُ حقاً بذاته، أم نحن الذين تبدلنا في ظلاله؟
إن الزمن في جوهره يمضي على وتيرة واحدة لا تحيد، فلا هو يتباطأُ لمثقلٍ بالهموم، ولا يتسارعُ لمستعجلٍ، بل الإنسان هو الكائن المتغير في نظرته، وأولوياته، وطريقة اشتباكه مع الحياة. فحين ينطق الكبير بتلك العبارة، فهو في الغالب لا يذمّ الوقت، بل يقارن بين صورةٍ مخبوءة في ثنايا ذاكرته ومشهدٍ حيٍّ يراه اليوم؛ يقارن بين بساطة الأمس وتعقيد الحاضر، وبين وجوهٍ كان يألفها وأخرى لا تشبه ما اعتاده، وبين علاقاتٍ كانت ترتكز على المودة الخالصة وأخرى باتت رهينة السرعة والمصلحة وضجيج المشاغل.
أما حين يرددها شابٌ، فهو يقصدُ وجعاً آخر؛ يقصد ضغوط العصر، وعقبات الطموح، واحتدام المنافسة في فضاءٍ لم يعد يتسع للجميع، وتسارع الأيام حتى غدا الأسبوع يمرُّ كخطفةِ برقٍ أو كأنه يومٌ واحد. لكل جيلٍ منطقه، ولكل مرحلةٍ أنينها الخاص، لكن الحقيقة الصارمة تخبرنا.
أن الزمن لم يتبدل، بل إن أدوات العيش هي التي تطورت، وطباع البشر هي التي تلونت، والعالم اتسعت دوائره حتى صار الخبر يسبق الحدث، والمسافات الجغرافية التي تلاشت بفضل التكنولوجيا، خلفت وراءها مسافاتٍ شاسعةً بين القلوب باتت أبعد مما كانت عليه في زمن التباعد.
وليس من الإنصاف في شيء أن نحمّل الزمن وزر خطايانا أو تقصيرنا؛ فالزمنُ في أصله صفحةٌ بيضاء، ونحن الذين نخطُّ فوقها ملامح حكاياتنا، فإن أحسنا القول والعمل رأينا الأيام نضرةً، وإن أسأنا الظن والتدبير توهمنا أن الزمن قاسٍ ومتقلب. إن عبارة "الزمن تغير" قد تحمل في طياتها حنيناً دافئاً، وعتاباً رقيقاً، وربما الكثير من الحسرة، لكنها تظل رؤيةً قاصرةً ما لم نلحقها بالحقيقة الكبرى: "نحن الذين تغيرنا". ومن أدرك هذه الحقيقة، استقبل الحياة بعينٍ ملؤها الطمأنينة، وعلم يقيناً أن إصلاح الحاضر لا يكون بلوم الدهر، بل بتهذيب الذات وإصلاح الإنسان لنفسه.
