
الفجر في تل تمر- بقاء المسيحيين الآشوريين على نهر الخابور
بقلم: ألبرتو م. فرنانديز.
ترجمة آدم دانيال هومه
"أفكّر في سبعين ألف آشوري، واحداً تلو الآخر، أحياءً، أمةً عظيمة. أفكّر في ثيودور بادل، الذي هو في ذاته سبعون ألف آشوري وسبعون مليون آشوري، وهو آشوريٌّ وإنسان، يقف في محل حلاقة في سان فرانسيسكو عام 1933، وما يزال، في ذاته، يجسّد الأمة بأسرها"— وليم سارويان، "سبعون ألف آشوري"
لم يكن القرن العشرون رحيماً بالشعب الآشوري. فقد جلب لهذا المجتمع العريق من التمزق والتحوّل ما لم يشهد له مثيلاً منذ ذروة التاريخ الآشوري في القرن الثالث عشر، حين بدأ الغزاة المغول، في ظل حكم الإيلخانيين، بتشجيع الاضطهاد الذي تعرّض له الآشوريون بعد أن كانوا قد حظوا برعايتهم في بادئ الأمر.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم عرض تمهيدي للوضع الراهن للجماعة المسيحية الآشورية في الجمهورية العربية السورية. وقد استندت بصورةٍ رئيسة إلى ثلاث رحلات ميدانية إلى منطقة الخابور بين الأعوام 1993 و1996، فضلاً عن لقاءاتٍ مع آشوريين في دمشق. وتُعدّ سوريا حالةً لافتة، إذ قد تكون البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يفوق فيه حجم الكنيسة الآشورية الأم في الشرق، المعروفة اصطلاحاً بـ"االكنيسة الشرقية الآشورية"، نظيرتها الكاثوليكية المتحدة، أي الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، التي يرأسها بعد البابا الكاثوليكوس البطريرك رافائيل الأول بيداويد (المولود عام 1906 في ألقوش)، والمقيم في بغداد.
وفي معظم بلدان الشرق الأوسط الأخرى التي يتواجد فيها الآشوريون — كالعراق وإيران ولبنان وتركيا — فإن عددهم أقل بكثير مقارنةً بالكلدان. وربما يُستثنى من ذلك بعض التجمعات الآشورية الصغيرة في جمهورية أرمينيا وأجزاء أخرى من الاتحاد السوفيتي السابق (كجورجيا وأذربيجان وجنوب روسيا)، حيث لا وجود يُذكر للكلدان. أما قرى الخابور، على تواضعها، فهي — على الأرجح — تمثل أكثر تجمع آشوري كثافة في العالم.
ولم تُجرَ أي دراسةٍ شاملة عن المجتمع الآشوري في سوريا منذ أن نشر بايارد دودج مقالته "استيطان الآشوريين على الخابور" في عدد تموز/يوليو 1940 من مجلة الجمعية الملكية لآسيا الوسطى. وكان دودج، الذي شغل منصب رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، قد عُيّن عام 1936 في مجلس وصاية عصبة الأمم للإشراف على توطين آشوريي العراق، واتخذ من بيروت مقراً له. وعلى الرغم من أن منطقة الجزيرة السورية كانت مسرحاً لبحوث أثرية مكثفة وطويلة الأمد، فإن هذه المجتمعات الحيّة لم تنل اهتماماً يُذكر.
وفي الواقع، فإن الدراسات الحديثة التي تناولت الآشوريين، سواءً كتبها باحثون أجانب أم آشوريون، قد ركّزت إما على مجتمعات أخرى (في إيران والعراق وتركيا والولايات المتحدة)، أو على الفترة الممتدة من القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين، حين "أُعيد اكتشاف" الآشوريين من قبل الأوروبيين والأمريكيين، ومعظمهم من المبشّرين المسيحيين. وحتى الناشط الفرنسي-الآشوري جوزيف يعقوب، في عمله الصادر عام 1986 بعنوان "المسألة الآشورية"، يكاد يركّز على العراق، دون أن يخصّص إلا حيّزاً ضئيلاً لأرض مولده. وربما يعود ذلك إلى أن الآشوريين في العراق وإيران، ولو عرضاً، كانوا شهوداً على أبرز أحداث المنطقة في العصر الحديث، مثل الثورة الإيرانية، والتمرد الكردي في العراق، والحرب العراقية-الإيرانية.
أما آشوريو الخابور، وهم جماعة صغيرة في منطقة هامشية، فلم يكن لهم دور يُذكر في التاريخ السياسي السوري الحديث. وعلى خلاف الجماعات المسلمة غير المتجانسة في سوريا — كالعلويين والدروز والإسماعيليين — فإنهم لم يحظوا بتمثيل يُعتد به في مؤسستي القوة الأساسيتين: الجيش وحزب البعث. ومع ذلك، فإن أياً من الجماعات العرقية في الجزيرة — باستثناء محتمل للأكراد — لم يلعب دوراً وطنياً بارزاً.
ويطرح السؤال نفسه: كيف وصل الآشوريون إلى نهر الخابور، حيث يقيمون اليوم في نحو خمسٍ وثلاثين قرية تمتد بين الحسكة ورأس العين؟ وعلى الرغم من أن الاستيطان المسيحي في الجزيرة، القريب من مواقع مسيحية عريقة مثل نصيبين والرها، قديمٌ جداً، فإنه من الواضح أنه مع مطلع القرن العشرين لم يكن هناك سوى وجود ضئيل، إن لم يكن معدوماً، للمسيحيين في أراضي ما يُعرف اليوم بمحافظة الحسكة.
لقد أدّى اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى تفاقم العلاقات المتوترة أصلاً بين المسلمين والمسيحيين في الأناضول، وأسفر عن مذابح ونزوح وتهجير للمجتمعات الآشورية التاريخية في مرتفعات هكّاري خلال الأعوام 1915–1918، وإلى نقل معظم الناجين إلى معسكرات في العراق وإيران. وفي الفترة ما بين 1915 و1920، اضطر كثير من الآشوريين الذين سيستقرون لاحقاً في الخابور إلى مغادرة جبال هكّاري، مروراً بأورميا في إيران، ثم إلى خطوط الأمان البريطانية في همدان، ومنها إلى بعقوبة في وسط العراق، ثم إلى مندَن في شماله.
وبحكم نشأتهم الجبلية القاسية واعتيادهم الدفاع عن أنفسهم، أثبت هؤلاء الآشوريون كفاءةً عالية كمقاتلين، فتمّ توظيفهم من قبل السلطات البريطانية ضمن قوات "الليفي" الآشورية الشهيرة، وغيرها من الوحدات المساندة، بشكل متقطع حتى أربعينيات القرن العشرين. ولا يزال كثيرٌ من كبار السن المقيمين على الخابور قد خدموا في تلك القوات. وتشير الشهادات المتناقلة إلى أن الخدمة في الجيش البريطاني كانت مصدراً مهماً للدخل الإضافي لرجال تل تمر خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
ومن الأمثلة على ذلك الشماس البالغ من العمر واحداً وسبعين عاماً في كنيسة مار قرياقس في قرية تل فويضات الصغيرة على الخابور، يوحنا يونان، الذي خدم في قوات الليفي بين عامي 1942 و1945 في العراق، قبل أن يُجنّد لاحقاً في الجيش السوري ويشارك في حرب عام 1948 ضد إسرائيل.
وقد أدت التوترات بين القوميين الآشوريين والعراقيين في نهاية المطاف إلى اندلاع مواجهاتٍ دامية ومجازر مروّعة بحق الآشوريين في شمال العراق عام 1933 على أيدي وحداتٍ من الجيش العراقي، ما دفع أعداداً كبيرة منهم إلى الفرار نحو سوريا الواقعة آنذاك تحت الانتداب الفرنسي. وكان أول هؤلاء نحو 415 لاجئاً، بقيادة الزعيمين مالك ياقو مالك اسماعيل (من عشيرة التياري العليا) ومالك لوكو بيداوي (من تخوما)، وقد عبروا نهر دجلة في 18 تموز/يوليو 1933. أما البطريرك الشاب لكنيسة المشرق الآشورية، مار إيشاي شمعون الحادي والعشرون، فقد جُرّد من جنسيته العراقية وأصبح بلا وطن، لينتقل لاحقاً إلى قبرص ثم إلى الولايات المتحدة، حيث استقرّ به المقام في نهاية المطاف.
وقد شكّلت هذه الأحداث نقطة تحوّل حاسمة في التاريخ الآشوري الحديث، إذ أسفرت موجات النزوح الجماعي عن إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية للآشوريين، ونقل مركز ثقلهم من مواطنهم الجبلية التقليدية في هكّاري إلى مناطق جديدة، كان من أبرزها وادي الخابور في شمال شرق سوريا. وهناك، وتحت إشراف سلطات الانتداب الفرنسي، أُقيمت القرى الآشورية على امتداد ضفاف النهر، لتغدو لاحقاً نواةً لحياةٍ جماعيةٍ جديدة، تحاول أن تستعيد — ولو جزئياً — ملامح الاستقرار الذي افتقدته طويلاً.
ولم تكن هذه القرى مجرّد تجمعات سكنية عابرة، بل كانت مشروعاً لإعادة بناء مجتمعٍ بكامله، محمّلاً بذاكرة الفقد والمنفى، ومتشبثاً في الوقت ذاته بإرادة البقاء. فقد حمل الآشوريون معهم تقاليدهم الكنسية، وتنظيمهم الاجتماعي، ولغتهم، وأنماط معيشتهم الزراعية، وسعوا إلى إعادة إنتاجها في بيئةٍ جديدة، تختلف جغرافياً وسياسياً عن موطنهم الأصلي، لكنها لم تكن بعيدةً عنه روحاً وهويةً.
وهكذا، فإن استيطان الخابور لم يكن مجرد انتقالٍ مكاني، بل كان — في جوهره — فعلاً تاريخياً مركباً، جمع بين القسر والاختيار، بين النجاة والانبعاث، وبين الانقطاع والاستمرار. ومن خلال هذا المنظور، يمكن فهم تجربة آشوريي الخابور بوصفها نموذجاً حيّاً لقدرة المجتمعات على إعادة تشكّلها في مواجهة الكوارث، دون أن تفقد صلتها العميقة بجذورها.
بعد نقاشات مطوّلة بين الفرنسيين والبريطانيين وعصبة الأمم، تقرّر توطين الآشوريين في منطقة الجزيرة قليلة السكان، حيث سينضمون إلى جماعاتٍ مسيحية أخرى وصلت حديثاً، معظمها من السريان الأرثوذكس والأرمن الذين نجوا بدورهم من تدمير مجتمعاتهم في الأناضول. وعلى الرغم من التفكير في إسكان هؤلاء الآشوريين في مناطق أكثر خصوبة، مثل سهل الغاب في غرب سوريا، أو غويانا البريطانية، أو النيجر، بل وحتى على ضفاف نهر بارانا في البرازيل، فقد استقرّ القرار في نهاية المطاف على حوض نهر الخابور في أقصى الشمال الشرقي من البلاد. وكان بعض الآشوريين العراقيين موجودين أصلاً في تلك المنطقة، يقيمون في مخيمات للاجئين. وقد أشار اللفتنانت كولونيل ستافورد إلى أن "توطينهم هنا، مع ذلك، لا يمكن أن يكون، ولا يُراد له أن يكون، مؤقتاً"
وبوصفهم مستوطنين جدداً، بقي آشوريو الخابور إلى حدٍّ كبير بعيدين عن الاضطرابات السياسية التي شهدتها منطقة الجزيرة خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، حين تنافس القوميون والانفصاليون على بسط النفوذ. فعلى سبيل المثال، فإن أعمال العنف القبلية عام 1937 بين القوميين والأكراد وبعض عناصر اتحاد قبائل شمر، والتي أفضت إلى مذبحة معادية للمسيحيين في عامودا في آب من ذلك العام، لم تمتد إلى مستوطنات الخابور رغم قربها الجغرافي. واليوم، لا يوجد مسيحيون في عامودا، وقد تحوّلت مقبرتها المسيحية إلى مكبّ للنفايات.
أما أعمال العنف التي حدثت في تلك الفترة، فقد ارتبطت بخلافاتٍ حول غارات على الماشية بين الآشوريين وأقرب جيرانهم، وهم عرب البقارة البدو. وكانت قبائل مسلمة أخرى — مثل الشرابين وشمر زور وعقيدات جبور — تقيم على مسافاتٍ أبعد قليلاً. ولم يحصل الآشوريون فعلياً على الجنسية السورية وحقوق ملكية أراضيهم إلا في أواخر أربعينيات القرن العشرين.
ولم تكن منطقة الخابور المعزولة تُعدّ وجهة مرغوبة على نحو خاص. فعندما أُبلغ اللاجئون الآشوريون بأنهم سيُوطَّنون هناك بدلاً من سهل الغاب الأكثر سهولة، أعرب كثير منهم عن رغبتهم في العودة إلى العراق، وهو خيار لم يكن متاحاً، إذ كان قانون خاص قد سُنّ في تلك الأثناء يجرّدهم من أي حق في الجنسية العراقية. ومع ذلك، وخلال العقود الخمسة التالية، أخذ الآشوريون يغادرون هذه القرى بحثاً عن العمل في لبنان والعراق والخليج، وكذلك في أوروبا والولايات المتحدة.
وقد غادر نمرود سليمان منذ زمن بعيد إلى أضواء دمشق، ليصبح لاحقاً عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري. كما ترك إبراهيم نانو قريته تل سكرة في خمسينيات القرن العشرين للعمل في لبنان (وكان نانو أول طفل يُولد في تل سكرة بعد تأسيسها عام 1936). ولم يكن ينوي العودة، غير أن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 أعاده إلى الخابور، حيث يعمل اليوم نائباً لمدير الآثار في محافظة الحسكة. ويُعدّ نانو حالةً نادرة في الجزيرة، إذ إن جميع أقاربه السبعة يقيمون معه؛ بينما تمتلك معظم العائلات الآشورية أقارب في السويد أو أمريكا أو أستراليا. وينطبق ذلك بصورة خاصة على الشباب الذين يعقدون زيجات تقليدية ضمن مجتمعات المهجر في اسكندنافيا أو الولايات المتحدة، ولا سيما في شيكاغو، حيث توجد جالية آشورية كبيرة تعود جذورها إلى عشرينيات القرن العشرين، وحيث يقيم البطريرك الحالي.
وفي خطاب ألقاه أمام الجمعية الملكية لآسيا الوسطى عام 1953، أشار البطريرك آنذاك إلى تراجع عدد الآشوريين بين عام 1940 وبدايات الخمسينيات، كما لفت إلى أن مستوطنات الخابور كانت عام 1948 «مهدّدة بالتشتت» بسبب الجفاف الشديد، لولا المساعدة العاجلة من الحكومة السورية التي قدّمت «حبوباً للغذاء والبذار تُسدَّد لاحقاً». وأضاف أن الاحتكاك مع البدو قد تراجع كثيراً منذ استقلال سوريا عن فرنسا. وخلال تلك الفترة، لم يكن في القرى سوى مدرسة حكومية واحدة في تل تمر، كما بدأ تنفيذ أول مشروع ريّ كبير على الضفة الشرقية لنهر الخابور.
ولا يزال معظم أتباع كنيسة المشرق الآشورية والكلدان الكاثوليك في سوريا متركزين في شمال البلاد، ولا سيما في شمالها الشرقي. ويقيم الأرشمندريت أثنيئل، ممثل الكنيسة الآشورية في سوريا، في الحسكة، ويرفع تقاريره مباشرةً إلى البطريرك مار دنخا الرابع، المقيم في شيكاغو منذ عام 1976. أما الأسقف الكلداني الوحيد في سوريا، المطران أنطوان عودة اليسوعي (المولود عام 1946 في حلب)، فيقيم في حلب.
ولا توجد كنائس آشورية — حسب علم الكاتب — في دمشق أو حلب أو في أي مكانٍ آخر خارج الجزيرة. أما الكلدان الكاثوليك فلديهم رعيةٌ واحدة في حلب (مار يوسف) وأخرى في دمشق (مارت تريزا)، وأربع رعايا في الجزيرة: المسيح الملك (الحسكة)، مار يعقوب (القامشلي)، مار جرجس (المالكية)، وأربوش/تل سكرة ضمن قرى الخابور. ووفقاً لـالدليل السنوي للكنيسة الكاثوليكية في سوريا(1993)، يبلغ عدد الكلدان في سوريا نحو 12 ألف نسمة، ما يقدّم تقديراً محافظاً لعدد الآشوريين-الكلدان في البلاد بنحو 30 ألفاً.
وتذكر مريم إسماعيل، وهي من نسل الحارس الشخصي للبطريرك دانيال مالك إسماعيل وزوجة البرلماني زيا مالك اسماعيل، أن الآشوريين لا يشكّلون اليوم سوى نحو 20% من سكان بلدة تل تمر، أكبر قرى الخابور. ويتمركز معظمهم في هذه البلدة النشطة الواقعة عند تقاطع طريقين رئيسيين يؤديان غرباً إلى حلب وشمالاً إلى رأس العين، حول المرتفعات القريبة من ضفاف الخابور حيث قامت النواة الأولى للاستيطان. أما بقية السكان الحاليين في تل تمر فهم في الغالب من الأكراد أو من العرب البدو الذين استقروا حديثاً.
وقد تقلّصت إلى حد كبير الملكيات الزراعية الواسعة التي أُنشئت للآشوريين في ثلاثينيات القرن العشرين بإشراف عصبة الأمم، والتي وصفها دودج بأنها «شرائط من الأراضي تمتد خمسةً وعشرين ميلاً طولاً وأكثر من ثلاثة أميال عرضاً على جانبي النهر»، وذلك نتيجة هجرة الشباب وبيع الأراضي لتغطية نفقات الانتقال. ويعمل كثيرٌ من أرباب الأسر في وظيفتين، بين العمل في مدن مثل القامشلي والحسكة المتنامية بسرعة، والعمل الزراعي. كما نشأت مستوطنات ريفية صغيرة للعرب المسلمين والأكراد بين ما كان في السابق شريطاً متصلاً من القرى الآشورية. وتُعدّ محاصيل القطن والقمح والأشجار المثمرة، كالخوخ والمشمشزالعنب، من أهم المزروعات في المنطقة.
وفي تل تمر، لا تزال كنيسة السيدة، ذات الطراز الإيطالي، التي اكتمل بناؤها في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، تؤدي دور المركز الروحي للمجتمع الآشوري. أما الكنيسة الأصلية المبنية من الطين في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد أُزيلت عند اكتمال البناء الجديد. وعلى مسافة نحو خمسمائة متر من الكنيسة الجديدة، يقوم مسجدٌ من الطوب تعلوه قبّة خضراء، بُني في سبعينيات القرن العشرين لخدمة السكان المسلمين المتزايدين.
ولا يزال المنزل العصري الفخم ذو الطابقين لزيا مالك اسماعيل، والمطلّ على انحناءةٍ في نهر الخابور، يهيمن على البلدة القديمة. وكما هو الحال في بيت زيا مالك اسماعيل، تتصدّر غرفة الجلوس صورة مؤطّرة كبيرة للرئيس السوري حافظ الأسد إلى جانب النائب الآشوري. وعلى الرغم من كونه عضواً في البرلمان السوري، فإن زيا يحمل جواز سفر كندياً، ويقيم أبناؤه في كاليفورنيا.
وهو ابن الزعيم الوراثي لعشيرة التياري، مالك ياقو ملك اسماعيل، الذي كان شخصية مثيرة للجدل وذات حضور طاغٍ في نظر كثير من الآشوريين. وقد وصفه ضابط بريطاني عرفه بأنه "ضابطٌ سابق في قوات الليفي، أبدى خدمةً حسنة، رجلٌ شجاع، لكنه سريع الغضب إلى حدٍّ كبير". وكان أخيه الأصغر دافيد مالك اسماعيل مسؤولاً عن واحدةٍ من أكثر الأحداث إثارةً في التاريخ الآشوري الحديث، وهو اغتيال بطريرك كنيسة المشرق الآشورية، مار إيشاي شمعون الحادي والعشرين، في سان خوسيه بولاية كاليفورنيا في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1975. ويُقال إنه قُتل بسبب خرقه لقانون الكنيسة وتقاليدها بالزواج، غير أن بعضهم يشكّك في هذه الرواية ويرى أن الدوافع الحقيقية كانت صراعاً على السلطة أو المال.
وقد فاز زيا مالك اسماعيل في انتخابات البرلمان السوري عام 1994 على النائب السرياني الأرثوذكسي بشير سعدي. وكان كثيرٌ من آشوريي الخابور يرون أن السعدي، الذي دعا إلى الوحدة والأهداف المشتركة بين الناطقين بالسريانية، هو الأجدر بالفوز، وأن فوزه قبل أربع سنوات كان فوزاً حقيقياً. واعتقدوا أن زيا قد فاز بالتزوير، كما يحدث في كثير من الانتخابات في سوريا. ولا تزال الأسرة الأميرية الوراثية الأخرى لدى الآشوريين، أسرة مالك لوكو بيداوي من عشيرة تخوما، تقيم في تل هرمز، لكنها أقل نشاطاً سياسياً بكثير من أبناء مالك اسماعيل. أما رئيس بلدية تل تمر الحالي فهو أيضاً من أقارب زيا، إذ هو ابن عمه.
وعلى خلاف تل تمر، لا تزال معظم القرى الأصلية على الخابور ذات طابع آشوري خالص. فقرية تل گوران الصغيرة، على سبيل المثال، تضم منزلاً واحداً يملكه عرب. أما قرية تل رمان تحتاني المتداعية، فتضم أسرةً عربية مسلمة واحدة (من عشيرة حُمس) اشترت مزرعة آشوري غادرها عام 1991. وقد أصبحت قرية تل عربوش (أربوش) كلدانية كاثوليكية بالكامل، إذ انضم سكانها الآشوريون إلى شركة روما. وتضم هذه القرية أيضاً دير القديس مار جرجس، الذي تقيم فيه حالياً راهبتان من العراق.
أما قرية تل هرمز الكبيرة، الواقعة على الضفة الغربية المعزولة من الخابور، فهي معقل التيار المحافظ المرتبط بالانقسام التقويمي في الكنيسة الآشورية، الذي بدأ عام 1965. وبدلاً من إعلان الولاء للبطريرك مار شمعون المقيم في شيكاغو، يتبع سكانها بطريركاً منافساً في بغداد، هو مار أداي الثاني گيوارگيس، الذي انتُخب عام 1972. وإلى جانب تل هرمز، توجد عائلتان أو ثلاث عائلات في تل تمر تتبع هذا التيار القديم.
وبحسب الأرشمندريت كيفركيس أثنيئيل، لا يزال عدد الآشوريين في الخابور يقارب 20 ألف نسمة موزعين على 35 قرية. وتؤكد جزئياً هذه الأرقام إحصاءات الحكومة السورية لعام 1994، التي تُظهر أن عدد السكان في القرى الإحدى والثلاثين الأصلية التي ذكرها دودج يبلغ 19,729 نسمة. غير أن هذا الرقم يشمل العدد الإجمالي لسكان تل تمر (5216 نسمة عام 1994)، وهو ما يعني أن العدد الفعلي للآشوريين أقل من ذلك، ليبلغ تقديراً أكثر واقعية نحو 15 ألف نسمة، مقارنةً بـ8744 نسمة عام 1940 وفق دودج. وكما هو الحال في معظم مناطق الشرق الأوسط، فقد نما عدد السكان المسلمين في الجزيرة بوتيرة أسرع بكثير من نمو السكان المسيحيين خلال الخمسين عاماً الماضية.
ويذكر الخوري كيفركيس أثنيئيل، ممثل البطريركية في سوريا والمقيم في الحسكة، وهو من قرية أم وغفة (سرسبيدو) وابن كاهن وأب لكاهن (إذ يمكن للكهنة الآشوريين، كما في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، الزواج)، أن ابنه، الذي دخل الكهنوت في القامشلي عام 1970، يدرس الآن في كلية كاثوليكية في شيكاغو. ويشير أثنيئيل إلى أن المجتمع الآشوري شهد نمواً سريعاً في مدينة الحسكة، نتيجة انتقال العائلات من الريف ومن القامشلي إلى مركز المحافظة. فقد تراجع عدد العائلات في القامشلي من 200 إلى 50 عائلة، في حين ارتفع عددها في الحسكة إلى نحو 500 عائلة، من بينها لاجئون مسيحيون عراقيون حديثو الوصول، كما يجري منذ عقد تقريباً تشييد كنيسة كبيرة جديدة.
وعلى الجانب الآخر من الشارع، شيّدت جماعة إنجيلية بروتستانتية محلية كنيسة مماثلة بتمويل من مؤمنين أمريكيين. وتتكوّن جماعتها من أعضاء سابقين في الكنائس الآشورية والسريانية الأرثوذكسية والكلدانية الكاثوليكية. وتقع هاتان الكنيستان في حيّ حديث على أطراف المدينة، بعيداً عن القسم القديم من الحسكة الذي أُنشئ في ثلاثينيات القرن العشرين، ويضم الكنائس السريانية الأرثوذكسية والكلدانية الكاثوليكية والأرمنية الكاثوليكية والسريانية الكاثوليكية.
وتقدّم حياة شابٍ آشوري نموذجي صورة واضحة عن تطور مجتمعات الخابور في أواخر القرن العشرين. فقد عمل سامي هتلر دارمو، نجل هتلر دارمو، حلاقاً في تل تمر في صالون "أورمينا"، وكان يقيم في منزلٍ من الطين في تل گوران عندما التقيته لأول مرة عام 1995. وكان جدّه قد قاتل في صفوف الجيش الروسي القيصري خلال الحرب العالمية الأولى، وشعر بالخيانة من قبل الروس بعد قيام النظام السوفيتي، فأطلق على ابنه، المولود في ثلاثينيات القرن العشرين، اسم "هتلر" نسبةً إلى "ألدّ أعداء الشيوعيين". أما ابن سامي نفسه، وهو مواطن أمريكي، فيحمل الاسم الآشوري التقليدي "آشور". وكانت زوجة سامي من الجيل الأول للآشوريين-الأمريكيين من شيكاغو.
ويشير دارمو إلى أن اللغة الآشورية لا تُدرّس في المدارس الحكومية، لكنها تُدرّس في المدارس الكنسية والدورات الصيفية. ويتحدث جميع الآشوريين اللغة الآشورية، رغم أن بعض الشباب يجدون صعوبة في قراءتها بسهولة. وقد تحققت توصية بايارد دودج عام 1940 بضرورة تعلّم الآشوريين "قدراً من العربية" على نحوٍ واسع ومكثّف.
وبحلول زيارتي الأخيرة لتل تمر في حزيران/يونيو 1996، كان سامي قد نجح في الهجرة إلى الولايات المتحدة. وعندما التقيته لأول مرة في صالون الحلاقة، كانت الموسيقى الآشورية الشعبية تُبثّ بصوتٍ عالٍ من جهاز كاسيت. وتلقى كل من الفرق المحلية، التي تسجل أعمالها في حلب أو الحسكة، والمغنون الآشوريون العالميون رواجاً واسعاً. ويُعدّ إيفان أغاسي، المولود في إيران والمقيم في الولايات المتحدة، أشهر مغنٍ آشوري، وغالباً ما يُوصف بأنه ابن عم لاعب التنس الشهير أندريه أغاسي. إلا أن الآشوريين المحليين يؤكدون أنه لا تربطه به صلة قرابة، علماً أن أندريه نفسه هو ابن بطل ملاكمة إيراني سابق.
ولم تكن الخلافات الدينية بعيدة يوماً عن كنائس الشرق الأوسط. فالشخصية النشطة، المتخرّجة من جامعة جورجتاون، أوستاثيوس متى روهم، من الكنيسة السريانية الأرثوذكسية متروبوليت الجزيرة والفرات يُعدّ من أكثر رجال الكنيسة حضوراً وتأثيراً في شمال سوريا. فالقبّة الضخمة لكاتدرائيته في الحسكة، مار جرجس، تهيمن على أفق المدينة. كما يرتفع مشروع مماثل، لا يقل ضخامة، في موقع غير متوقّع في قرية تل ورديات الآشورية الصغيرة. وتطغى الجدران الحجرية الصفراء الهائلة لمجمعٍ سرياني أرثوذكسي جديد يضم كنيسةً وديراً ومركز مؤتمرات على كل بناء آخر في منطقة الخابور، رغم أنها لا تضم أتباعاً من الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في تلك المنطقة.
وينظر كثير من الآشوريين إلى مشروع القديسة مريم بعين الريبة، إذ يرون فيه محاولةً من قبل السريان، الأكثر عدداً وتنظيماً، لاحتواء الآشوريين في نهاية المطاف. في حين ينفي السريان الأرثوذكس أي دوافع خفية، ويصفون الموقع بأنه مركز مؤتمرات يمكن أن يخدم المسيحيين في عموم شمال شرق سوريا.
وعلى الرغم من أن السريان الأرثوذكس أكثر عدداً، فإنهم يميلون إلى امتلاك عددٍ أكبر من الكهنة لكل جماعة، في حين أن الكهنة الآشوريين (القسس) قليلون نسبياً. فقرية تل سكرة، على سبيل المثال، لا تضم كاهناً مقيماً، بل تشترك مع أربع قرى أخرى في كاهن واحد.
ومع ذلك، لا تزال الحياة الدينية نابضة بالحيوية. ويُعدّ العيد السنوي لقديس القرية الحدث الأبرز في القرى الآشورية. ففي تل سكرة، يُحتفل في 15 تشرين الأول بعيد مار حنانيا (كما هو الحال في تل شامة). ويُقام مهرجان محلي للنبيذ تكريماً للقديس، يتخلله تذوّق أعمى للنبيذ وموسيقى واحتفالات.
أما قرى تل كفجي وتل مغاص وتل مساس وتل باز، فلديها كنائس تحمل اسم مار جرجس (مار كيوَرگيس)، ويصادف عيده في 24 نيسان. وتضم تل جمعة، أكبر قرية آشورية خالصة على الخابور، كنيسة مكرّسة للقديسة مارت شمعوني، أمّ المكابيين. وفي تل طويل كنيسة مار ساوا، القديس الكبير في منطقة هكّاري (تياري). أما أم كيف فتضم كنيسة مار توما، وفي نوجيا/تل فيضة كنيسة مار قرياقس (15 تموز). وفي تل حفيان كنيسة مار شليطا (وكان هذا القديس راعياً للكنيسة البطريركية في قرية قودشانس في هكّاري، التي ينحدر منها سكان تل حفيان). وفي تل طلعة كنيسة مار عوديشو (6 آب)، وهو أحد قديسي هكّاري أيضاً، ويُعرف بلقب "الناسك". ووفقاً لفيي، كان موقعه هناك من بين آخر الأديرة الآشورية الباقية. أما تل ومان تحتاني فتضم كنيسة ربّان بيتون، في حين توجد كنيسة للعذراء في تل رومان العليا.
وتحتوي كنيسة السيدة العذراء في تل نصري على واحدةٍ من القلائل من الذخائر المقدسة الموجودة على الخابور: علبةٌ مذهّبة تضم قطعة قماش يُعتقد أنها من ثوب السيدة العذراء، وقد جُلبت إلى المنفى في ثلاثينيات القرن العشرين من كنيسة قروية في شمال العراق. وفي عيد انتقال العذراء في 15 آب، يجتمع الآشوريون من مختلف أنحاء سوريا في تل نصري.
وتُعدّ لجنة كنيسة القرية في تل نصري من أكثر اللجان نشاطاً وتنظيماً على الخابور. ويذكر زيا لازار أن جده بنيامين لازار اكتسب حب التراث والتقاليد الآشورية من والده، الذي قاتل في الحرب العالمية الأولى، كما خدم في قوات الليفي خلال الحرب العالمية الثانية. وقد توفي بنيامين لازار عام 1987 عن عمر ناهز المئة عام. وقبل وفاته بسنوات قليلة، عبر الحدود سراً إلى تركيا، متوجهاً إلى مسقط رأسه في جبال هكّاري، حيث وقف بين أشجار وينابيع قرية اآبائه وأجداده التي ما تزال قائمة، وإن كانت مهجورة ومتهدّمة. وقد وصفه حفيده بأسمى عبارات الإعجاب، قائلاً إنه "كان آشورياً أصيلاً بحق".
جميع القرى تضم كنائس، ومع مرور كل عام تُستبدل الأبنية الطينية القديمة بمبانٍ أكثر متانةً من البلوك الإسمنتي، كما تضم بعض القرى الكبيرة مراكز ثقافية آشورية أيضاً. وكان المركز الثقافي في تل سكرة، الذي يُستخدم لتعليم اللغة الآشورية إلى جانب أنشطةٍ أخرى، مزيناً بأربع صور: اثنتان لآشوريين (البطريرك الحالي مار دنخا الرابع ، والبطل العسكري في الحرب العالمية الأولى آغا بطرس من عشيرة باز)، وصورتان لشخصيات سياسية سورية (الرئيس حافظ الأسد، ونجله باسل الأسد الذي توفي في حادث سيارة عام 1994).
وكما هو حال كثير من المسيحيين السوريين، ينظر الآشوريون إلى الحاكم السوري الحالي بوصفه سداً في وجه موجة العنف الإسلامي التي يرونها تجتاح المنطقة، وباعتباره، لانتمائه إلى أقلية دينية، حامياً للمسيحيين من التعصّب السني المحتمل.
ويعرض الجدول التالي مقارنة بين أعداد سكان القرى الآشورية في عامي 1940 و1994:
القرى الآشورية على الخابور بين عامي 1940- 1994.
(اسم القرية – العشيرة الفرعية – عدد السكان 1940 / 1994)
اسم القرية العشيرة عدد السكان عام 1940 عدد السكان عام 1994
تل طويل تياري العليا 331 600
أم وغفة تياري العليا 280 829
أم كيف تيمر 113 782
تل كيفجي ليون 140 449
تل جمعة هلمون 489 2006
تل تمر تياري العليا 1244 2516
تل نصري تياري العليا 503 1088
تل شميران
• تل شامران (عليا) – إيل – 223 / 553
• تل شامران (سفلى) – مار بيشو – 356 / —
• تل حفيان – كوچانس – 243 / 261
• تل طلاع – سرّا – 371 / 639
• تل مغاص – گاوار – 463 / 319
• تل مساس – باروار – 390 / 320
• أبو تينة – جيلو – 155 / 419
• تل گوران – جيلو – 184 / 168
• فؤاداتي – شمس الدين – 363 / 529
• دمجية – كوچانس – 72 / 230
• كبر شامة – ديز – 145 / 611
• تل بلوت – ديز – 200 / 377
• تل باز – باز – 133 / 425
• تل رومان (عليا) – باز – 158 / 408
• تل رومان (سفلى) – تخوما – 177 / 108
• الخريطة – تخوما – 111 / 254
• تل شامة – تخوما – 272 / 213
المستوطنات الآشورية على الخابور (1940 – 1994) – تتمة
(اسم القرية – العشيرة الفرعية – عدد السكان 1940 / 1994)
• تل ورديات – تخوما – 147 / 108
• الماخدة – تخوما – 266 / 286
• تل طاع – تخوما – 283 / 468
• تل سكرة – تخوما – 268 / 564
• البريج – تخوما – 103 / 179
• أربوشة – تخوما – 258 / 399
• تل هرمز – تخوما – 303 / 921
المجموع: 8744 / 19,729
________________________________________
إن أبناء القبائل الست الأصلية شبه المستقلة في جبال هكّاري (تياري العليا، تياري السفلى، تخوما، جيلو، ديز، وباز) ما زالوا يشكّلون الغالبية من آشوريي الخابور، إذ بلغ عددهم 5521 من أصل 8744 عام 1940. أما البقية فقد قدموا من مناطق كانت خاضعة بدرجة أكبر لسيطرة القبائل الكردية المسلمة، التي تناوبت بين استغلال الرعايا الآشوريين وحمايتهم.
ولا تزال الهوية القبلية قويةً بين آشوريي الخابور، إذ إن معظم من التقيت بهم كانوا قادرين على تعداد الانتماءات القبلية للقرى المجاورة. كما يبدو أن الولاء القبلي لعب دوراً بارزاً في فوز زيا مالك اسماعيل في انتخابات عام 1995.
وكانت قرية شميران (356 نسمة عام 1940) مأهولة بآشوريين من وادي يلدير القريب جداً من الحدود الإيرانية، وهو موطن كنيسة مار بيشو الشهيرة. لكن المؤسف أن هذه القرية تبدو وكأنها قد اختفت بحلول نهاية القرن.
وفي مطلع القرن العشرين، كان أبناء تياري العليا يقيمون في 25 قرية على الضفة اليمنى لنهر الزاب الكبير في جنوب شرق تركيا الحالية، بينما شغلت قبيلة تخوما الضفة اليسرى. أما قبائل جيلو وديز وباز الأصغر حجماً فكانت تنتشر إلى الشمال الشرقي من تلك المناطق. واليوم، لم يبقَ تقريباً أي مسيحيين في الموطن الآشوري التاريخي في جبال هكّاري، التي تحوّلت إلى ساحة صراع بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني (PKK) والجيش التركي.
وتُظهر البيانات الإحصائية منذ عام 1970 نمواً سكانياً ضعيفاً أو شبه معدوم في القرى الآشورية مقارنة بأرقام عام 1940. وخلال تلك العقود الثلاثة، هاجر آلافٌ من آشوريي الخابور إلى الغرب أو إلى دول عربية أخرى بحثاً عن حياة أفضل. وتشير الأدلة الإحصائية والروائية معاً إلى أن عدد الذين غادروا يفوق عدد الذين بقوا، ولا سيما من الشباب الذكور الذين لا يزالون يسعون إلى فرصهم في الخارج أو قادرين على مغادرة البلاد.
وبمقارنة أرقام السكان بين عامي 1940 و1994، نجد معدل نمو سنوي يبلغ 2.32%. وإذا استُثنيت بلدة تل تمر، التي أصبحت ذات أغلبية غير آشورية، فإن المعدل ينخفض إلى 1.22% خلال 54 عاماً. وإذا قُسّمت هذه الفترة إلى مرحلتين (1940–1981 و1981–1994)، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً: فقد بلغ معدل النمو في المرحلة الأولى 0.33% فقط، بينما ارتفع في المرحلة الثانية إلى 4.3%.
وكما يشير بيتس، فإن عدد سكان تل تمر — التي كانت قرية آشورية خالصة عام 1960 — بلغ 1250 نسمة آنذاك مقارنة بـ1244 عام 1936، في حين تضاعف عدد المسلمين ثلاث مرات في الفترة نفسها. وعلى الرغم من إمكانية الجدل حول دقة معدل 4.3% (لا سيما في ما يتعلق بإدراج المهاجرين ضمن الإحصاءات)، فإنه يتوافق مع معدلات النمو السريعة في عموم سوريا خلال العقود الأخيرة.
ورغم استمرار الهجرة الجماعية والركود الاقتصادي، فإن القرى الآشورية على الخابور قد صمدت. فما بدأ كوجود مؤقت يائس في بادية قاسية، تحوّل إلى حياة متواضعة مستقرة تدور حول الأسرة والكنيسة والعمل في الأرض. كما أن الاستقرار النسبي الذي شهدته سوريا منذ عام 1970، ولا سيما في منطقة الجزيرة، جنّب هذه المجتمعات ويلات الاضطرابات التي أصابت أبناء ديانتهم في العراق وإيران وتركيا ولبنان.
وهكذا، فإن تاريخهم مستمر، وإن كانت أعدادهم تتناقص تدريجياً، إلا أنهم استطاعوا الصمود في وجه عواصف القرن الماضي، ويبدو أن بقاءهم في القرن المقبل أمر مرجّح.
________________________________________
سكان القرى الآشورية على نهر الخابور – محافظة الحسكة (1981–1995)
(اسم القرية – 1981 / 1993 / 1994 / 1995)
• تل طويل – 382 / 578 / 600 / 622
• تل أم رفا – 528 / 799 / 829 / 859
• تل أم كف – 501 / 758 / 782 / 814
• تل كفجي – 276 / 433 / 449 / —
• تل جمعة – 1278 / 1935 / 2006 / 2079
• تل تمر – 2994 / 5030 / 5216 / 5405
• تل نصري – 793 / 1049 / 1088 / 1127
• تل شامران – 352 / 533 / 553 / 572
• تل حفيان – 166 / 251 / 261 / —
• تل طلاع – 407 / 616 / 639 / 662
• تل مغاص – 203 / 307 / 319 / —
• تل مساس – 204 / 309 / 320 / —
• أبو تينة – 67 / 404 / 419 / —
...
. مجلة الدراسات الأكاديمية الآشورية. المجلد 12، العدد 1 1998. وقد كُتب المقال قبل اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قرى وادي الخابور في الثالث والعشرين من شهر شباط عام 2015.
