للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ- الحلقة 23

الملك سنحاريب وخراب بابل ...؟؟

يعكوب ابونا

 

 

  كان نتيجة تقارب الاراميين، والبابليين، والفرس، والبوكوديين، والغمبوليين، تشكيل جيش اتحادي قوي، واعدوا العده والتهيئ لملاقاة الجيش الاشوري، الا ان سنحاريب كان قد قرر ان يغزو عيلام باسطول بحري فغزا جزيرة "ناجيتو" والظاهر بان مردوخ بلادان الذي اغتصب الملك في بابل زمنا، بانه كان قد مات موتا طبيعيا في الجزيرة ذاتها، كما توجه سنحاريب بحملة اخرى على عيلام وحاربهم في عقردارهم، وانتصر عليهم، ولقد لعب ولدا مردوخ بلودان "سامونا" و"نابو – شوم -اشكون" دورا شرساً في هذه الحرب بمحاربة الاشوريين ولكنهما لاقا حتفهما " 1 "

 كما توجه سنحاريب بجيشه الى محاربة القبائل الساكنه في المنطقة الجبلية من بلاد اسيا الصغرى، واتصل بالاغريق والايونيين، وبنى في طرطوس مدينة اشورية ليحكم منها مستعمراته الجديدة، " 2" .

 كما توجه الى صور لان ملكها "ايلو ايلي" كان يميل الى مصر ضد الاشوريين،  ولقد تسلط على قسم كبير من فينيقية، وحاول احضاع قبرص، الا ان سنحاريب استطاع منه، فهرب ايلو ايلي الى قبرص، ووضع سنحاريب مكانه الملك "ايتبعل" بمعنى بعل معه"، المقرب من الاشوريين، فقام سنحاريب بحرق بيت ايلو ايلي الصيفي في لبنان وداس كرمه، ودمر ممتلكاته ومدنه، وتسلقت جيوشه المنحدرات المرتفعة حتى وصلوا الى قلعة على القمه كانت مكللة بالثلج واقتيد حراسها مكبيلين الى سنحاريب،

كان سنحاريب حريصاً ان يسطر ذكرياتة وانتصاراته، فعند نهر الكلب حيث نقش على الصخور نقشا يمكن مشاهدته  ليومنا هذا، وكان يشبه سنحاريب "كما ينزل الذئب الى الحظيرة" ..تمكن سنحاريب من القيام بمغامراته في الخليخ الفارسي بفضل بنائي السفن والملاحين الذين اخذهم من فينيقية ".3 "  

 وبعدها عاد ثانية الى بابل، وفي منطقة (هلولة – حالوله)، شرق دجلة، انتصر الاشوريون في مجابهة هذا التحالف، الا انه سنحاريب لم يستطيع ان يرجع بابل، ولكن بعد وفاة ملك عيلام (أومان – مينانو)، استطاع سنحاريب ان يعاد الكرة على بابل، فهرب ملك بابل الذي كان قد اعتلى العرش البابلي منذ فترة وجيزة، فتم ملاحقته والقى القبض عليه واعدم، وكافىء سنحاريب الشخص الذي القى القبض على ملك المهزوم، من الفضة بوزن الملك الذي اغتصب العرش البابلي.

 كانت حملة سنحاريب على بابل في 689 ق. م تسمى حملة الثار والانتقام، لمقتل ابنه فيها، ففعل ببابل مالم يفعله غيره من قبله، اذ منح جنوده حق العبث والتدمير والنهب وسرقة لكل ما تطال يدهم، فدمرت البيوت والقصور والمعابد وسواها مع الارض. وحورت قناة آراختو الاروائية من فوق الابنية المخربة والدمار وبقيت المدينة الداخلية غير مسكونة لحوالي ثماني سنوات.

حتى ان الكثير من الآشوريين بقوا ناقمين على هذا، معتقدين بان الاله البابلي مردوخ كان قد تأثر بالغ التأثر نتيجة تدمير معبده وازالة آثاره. لان مردوخ كان معبودا آشوريا ايضا، فكان العديد منهم يهرعون اليه وقت الحاجة. واعتبروا ما حدث هو نزولا عند رغبة الالهة وغضبهم..

 كانت بابل موضع تقدر واحترام من ملوك اشور، لابل نجد انه تم دمج المملكة البابلية بالمملكة الاشورية، وقد اخذ بعض االملوك الاشوريين التاج البابلي لانفسهم، كما فعل "تغلات بلاسر الثالث 744 – 727" ق. م و "شلمنا نصر الخامس 726 – 722 ق . م " 4 "

لا بل كانت تعتبر العاصمة الثانية للامبراطورية الاشورية (وثاق السماء والارض) ولكن بابل كان تجد بهذا انها تفقد نفوذها وعزتها وشخصيتها واستقلالها، لهذا ظلت بابل تترقب الفرص المناسبة للانسلاخ عن السلطة الاشورية " 5 "

    قام سنحاريب بحملة عسكرية كبرى برية ونهرية للقضاء على مملكة عيلام التي كانت تدعم القبائل الكلدية ضد النفوذ الاشوري ، " 6 "

 في حوليات الملك سنحاريب يذكر الهجوم على بابل، الذي جرى انتقاماً وثاراً لمقتل ولده ملك بابل، يقول: ((هاجمتها كالاعصار، وكالعاصفة اطحت بها ....... لم اترك من سكانها شيباً وشباناً اي فرد فملات بجثثهم طرقاتها. اما المدينة نفسها وبيوتها فقد حطمتها وخربته والنيران دمرتها من اسسها حتى سقوفها .......... ولكي ينسى (الناس) في المستقبل حتى تراب معابدها، (لذلك فقد) سلطت عليها المياه فحولتها الى مراع.) ولتهدئة قلب اشور مولاي كيما يركع الناس صاغرين ازاء جبروته الهائل، ارسلت (عينات) من تراب بابل هدايـــا لاقصى الشعوب واختزنت بعضا منه في جرة مستوره اودعتها معبد عيد راس السنة الجديدة باشور.))  ."7 "

 ووجد في احد معابد بابل تماثيل الاله اداد والالهة شالا التي كان الملك مردوخ قد سلبها منذ عصر تغلات بلاسر الاول اي قبل اكثر من اربعمائة وثمانية عشرة سنة. كما اكتشفوا ختم شلمناسر الاول الذي كان اداد بلدينا الغازي قد كرسه لالهته، فاتى سنحاريب بهذه التماثيل وهذا الختم الى نينوى ووضعها باحتفال عظيم في احد هياكل اشور.

 كان من مردوات الايجابية من حملته على بابل وماعمله بها من خراب ودمار، ان وقع ذلك الرعب في قلوب الامم الاخرى، فاستراح من الغزوات والحروب زمناً كان الملك سنحاريب محاربا شجاعاً شديدا وقاسياً، وكان في حروبه وغزواته يدمر ويهدم ويحرق، كان قائد عسكري ومحارب شجاع ومقاتل فظ،  لدرجة تستبعد ان يكونلهذا الملك شان بالعمران والبناء، ولكن الحقيقة عكس ذلك فقد كان الى جانب عظمته الحربية، كان عمارا جيداَ وعظيماً فما ابداه باعمار اشور، وترميم المعابد والمباني في الكثير من المدن تدل على ارتقاء روحه الفنية وذوقه ومعرفته في البناء والعمران، كما قام باعادة تعمير وتوسيع مدينة نينوى، لاتخاذها عاصمة له ، بدلا من كالح التي بناها والده سرجون الثاني، اذ زاد محيطها في غضون اعوام قليلة من الميلين الى ما ريقارب الثمانية اميال ـ وسورها بسور خارجي عال كالجبال، ولقد زاد سورها الداخلي بخمسة عشر بابا تقضي الى كل الجهات، ووصع ساحات المدينة وبلطت شوارعها وطرقاتها، وكان ينتصب في القسم الشمالي من المدينة "قوينجق" القصر الملكي القديم، فامر سنحاريب بتقويضه وبني لنفسه قصره المنيف الذي لايبارى " ..8 " 

 كانت مدينة نينوى إحدى أقدم وأعظم المدن في العصور القديمة، اذ تنسب "الى اشور" حسب ما ورد بالاصحاح العاشر من سفر التكوين : 10– 12 كان "نمرود" ابتداءً مملكته بابل وأروك، واكد وكلنه في ارض شنعار، من تلك الارض خرج اشور وبنى نينوى ورحوبوت وعبر وكالح ورسن بين نينوى وكالح هي المدينة الكبيرة "عن ترجمة فان فاندايك"

 استُوطنت المنطقةُ الجغرافية لنينوى منذ 6000 ق.م، وبحلول 3000 ق.م أصبحت نينوى مركزًا دينيًا مهمًا لعبادة الإلهة عشتار. قد يكون اسم «نينوى» مرتبط بالمقطع «نين» أو «نينا» الذي يظهر في أسماء بعض الآلهة العراقية القديمة كننخرساج (نينخورساك) ونينورتا، وربما يعني اسم المدينة «بيت الإلهة» أو «بيت الإلهة عشتار» بالتحديد؛ لارتباط المدينة بعشتار منذ أقدم العصور ، فتح سرجون الاكدي (2334-2279 ق.م) المنطقة، ووحد مدن بلاد الرافدين تحت حكم امبراطوريته، بعد ان كانت مدن سومر وشنعار تشكل دويلات متخاصمه ومتنازعه فوحدها جميعا تحت رايته. كما فتح بلدانًا عديدة منها مناطق أناضولية كقيليقية. وفي سنة 2260 ق.م دمر زلزال أول معبد بُني لعشتار في نينوى، وهناك من يذهب الى القول بانه يُحتمل أن يكون بانيه سرجون الأكدي نفسه، كما أعاد الملك الأكدي مانيشتوسو (2270-2255 ق.م) بناءه كما أضاف أبنية أخرى إلى المدينة. ربط الأكديون -أيضًا- نينوى بعشتار فتمسكوا بها وبالإقليم كله حتى سقوط إمبراطوريتهم نحو 2150 ق.م ، وظهر حكم الحاتيون لمناطقهم لفترة وجيزة قبل أن يكتسحها الآشوريون، فتح الملك الآشوري شمشي-أدد الأول (1813-1781 ق.م)، المنطقة وأسس عاصمته في آشور في حين ازدهرت نينوى باعتبارها مركزًا تجاريًا، وفي عهد الملك العظيم أدد- نيراري الأول (1307-1275 ق.م) وسّع الدولة ووضع الأساس لحدود الإمبراطورية الآشورية الوسطى. أقام الملك شلمنصر الأول (1274-1245 ق.م) قصرًا ومعبدًا في نينوى، وجدّد المدينة، ويُعتقد أنه بنى سورها الأول أيضًا، تأثرت نينوى بصراع والحروب بين الآشوريين والحيثيين، والميتانيين والحاثيين، حتى نهاية العصر البرونزي (نحو 1200 ق.م)، ولكن الآشوريين خرجوا من تلك الحقبة بقوة ونموا إمبراطوريتهم في عهد (تغلاث فلاسر الأول) 

كما ورد ذُكر نينوى ثانية في الكتاب المقدس، في سفر يونان النبي، حيث رُبطت بالخطيئة والرذلية، فناداهم يونان وقال بعد اربعين يوما تنقلب نينوى، فامن اهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحا من كبيرهم الى صغيرهم، كم الملك لبس مسوحا وجلس على الرماد، وصرخوا الى الله بشدة ورجعوا عن طريق الردية، وعن الظلم الذي في ايدهم فرجع الله عن الشر الذي تكلم ان يصنعه بهم فلم يصنعه لتوبتهم ورجوعهم الى الله.

وعندما رجعوا للخطيئة ثانية، تنبأ النبي ناحوم الالقوشي بسقوطها، تحققت نبوة ناحوم بسقوط  نينوى وحرقها وتدُمِّيها سنة 612 ق.م على يد التحالف الميديين والبابليين، فأسقطوا الإمبراطورية الآشورية..

  كانت علاقة الملك سرجون بابنه سنحاريب على غير وفاق، فلما مات سرجون سنة 705 ق.م اختار سنحاريب أن يُبعد نفسه عنه قدر الإمكان. كما يقال؟؟

 فهجر سنحاريب عاصمة أبيه الجديدة دور شيروكين واتخذ نينوى عاصمة له، ونقل كل ما يُمكن نقله من دور شيروكين إلى نينوى، فوصل نينوى إلى قمة ازدهارها فنَمَت في حجمها وجلالها وشهرتها وعظمتها بعهده بعد ان جعلها عاصمة دولته. وزرع فيها الحدائق والمتنزهات وأقام القناطروقنوات الري،

تذكر ستيفان دالي في كتابه جنائن المعلقة صفحة (60) من الكتاب: ان الاشوريين كانوا قد اقاموا اربعة مشاريع اروائية لإرواء الحقول ولتزويد قصورهم بالماء في نينوى وتلك المشاريع هي 1ـ  من معلثا في دهوك لتلتقي بقناة عظيمة قرب فايدة 2ـ من بندوايا "في القوش" و3ـ من خنس 4 ـ من نهر الكومل"..

كما تُلاحظ المؤرخة غويندولين ليك أن «نينوى، بتنوع سكانها الذين قدموا من مختلف أنحاء الإمبراطورية الآشورية، كانت إحدى أجمل المدن في الشرق الأدنى بحدائقها ومعابدها وقصورها المدهشة»، وتُضيف أن تخطيط نينوى أُعِدَّ بعناية وأن تشكيل قنواتها وقناطرها نُفِّذ بإتقان ليمدّ المدينة بالماء الذي يحتاجه سكانها وتحتاجه حدائقها ومتنزهاتها، ففاقت نينوى غيرها من المدن من جهة اهتمامها بالحياة الحضرية وتخطيطها. وان «القصر الذي شيده سنحاريب الذي لايباري كما يسميه جورج رو، والذي ليس له مثيل» جديرًا بلقبه؛ اذ كان أعظم بناء في ربوع العراق في وقته، ..

 كما نجد بان الاكتشافات الاثرية التي تمت في نينوى اوضحت بكل جلاء بان هذا قصر سنحاريب هو الجنائن المعلقة وليس غيره ..

 والى هناك بالحلقة القادمة ... بعون الله ..

 

 يعكوب ابونا .................... 5/5/2026

_____ المصادر _________

1-عزيز برخو الاشوريون ص 35

مجلة سومر الجزء الاول والثاني مجلد 25 ص 66 -67

2-طه باقر مقدمة بتاريخ الحضارات ص 193 -194

3-فيليب حتي تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين ص 430 -431

4- حسن فاضل ج2 حكمة الكلدانيين ص 121

5-  طه باقر مقدمة ص 188

6- عامر سليمان العراق في التاريخ ص 153 – 155

7-8 جورج رو العراق القديم 430 – 432

9- ستيفان دالي الجنائن المعلقة ص 60