للذهاب الى صفحة الكاتب   

أيار وحّد العمال وفلسطين في قضية واحدة

أسامة خليفة

كاتب فلسطيني

 

لاحظت روزا لوكسمبورغ أن احتفالات الأول من أيار تتحول تدريجياً إلى مهرجان شعبي سلمي، تراقبه البرجوازية والسلطات الحاكمة بقدر كبير من الطمأنينة، وقد تم تهذيب المسيرات العمالية، وأصبحت التظاهرات أداة لتفريغ الاحتقان العمالي بدلاً من كونه خطراً وجودياً على النظام الرأسمالي. وتحول هذا اليوم تدريجياً إلى عطلة رسمية، ومهرجانات ربيعية، ومسيرات احتفالية، وخطابات مكررة، وترديد نفس المطالب والقرارات، التكرار والرتابة قلّل من الطابع الراديكالي للأول من أيار. وساد اعتقاد أنه يفقد معناه بسبب هذا التكرار، وأنه كاد يتحول إلى «استعراض فارغ». لكن روزا لوكسمبورغ أكدت أن الأول من أيار استعراض للقوة والوعي الطبقي. وأن عيد العمال ليس مجرد طقس احتفالي موحد، بل هو واجهة تتطور بتطور نضال الطبقة العاملة. تتشابه احتفالات الأول من أيار ظاهرياً، إلا أن المحتوى الحقيقي للنضال يتغير ليواكب الظروف الاقتصادية والسياسية المستجدة، ومطالب العمال وشعاراتهم تتطور، رغم أن الإضرابات، والمسيرات، ورفع الرايات الحمراء تظل تقليداً ثابتاً، لكن عمقها النضالي يختلف.

 

 يرى آخرون أن التحول التدرجي من «يوم نضال»، إلى «مهرجان شعبي» بطابعه الاستعراضي البحت لاحتفالات الأول من أيار/مايو، ينطبق على مرحلة تم فيها تغليب النضال البرلماني للمطالبة بحق التصويت، وتحسين ظروف العمل، وتطبيق ثماني ساعات عمل يومياً، وسعت التنظيمات السياسية والنقابية للتوسع ضمن حركة العمال، وتمكنت البروليتاريا من دخول البرلمانات في العديد من الدول الأوروبية في تسعينات القرن التاسع عشر عبر الأحزاب الاشتراكية والاشتراكية الديمقراطية، وهي فترة من العمل النقابي الدؤوب والنمو المتواصل في التمثيل البرلماني للطبقة العاملة. وأمام السعي إلى تحقيق تمثيل عمالي في البرلمانات، وكذلك الخطوات الإيجابية لتطوير الأحزاب العمالية في بلدان عديدة، تراجعت إلى الظل تظاهرات الجماهير العمالية نفسها، وكذلك فكرة المجتمع الدولي للبروليتاريا. وهكذا أخذت احتفالات الأول من أيار/مايو تتحول تدريجياً إلى مهرجان شعبي سلمي، تراقبه البرجوازية بقدر من الطمأنينة.

 

تاريخياً، نشأ يوم العمال العالمي في الأول من أيار/مايو نتيجة احتجاجات عنيفة للمطالبة بـتحديد ساعات العمل إلى ثمان ساعات يومياً في العديد من الدول الأوروبية والغربية، لكن أدى التطور التكنولوجي وأتمتة العمل وزيادة الإنتاج وكفاءة الآلات، والمكاسب التي حققها النضال المطلبي العمالي إلى تقليص الحاجة إلى وقت دوام عمل طويل وشاق، وفرض يومي عطلة أسبوعية، بدلاً من يوم واحد، وتعددت العطل المأجورة والإجازات السنوية، لكن النضال المطلبي لا يتوقف عند هذا الحد، يرى البعض أن الأول من أيار/مايو يتأرجح بين السلمية الاحتفالية والتوتر النضالي اعتماداً على الوضع الاقتصادي والسياسي لكل بلد. تشير التقارير الصحفية لعام 2026 إلى أن الاحتفالات ليست مجرد «مهرجان سلمي» دائماً. ففي الولايات المتحدة مثلاً، نظم تحالف «ماي داي سترونغ» «May Day Strong» فعاليات تحت شعار «العمال فوق المليارديرات»، وتضمنت مسيرات وإضرابات في عدة مدن في الولايات المتحدة، احتجاجات على التبعات الاقتصادية لحرب ترامب على ايران التي أدت إلى التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ودعت جماعات الاحتجاج إلى تحميل العبء الضريبي في البلاد للأثرياء بدلاً من الطبقة العاملة، والقضاء على إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، والحدّ من نفوذ الشركات في الانتخابات، وقال «اتحاد نقابات العمال الأوروبي»، الذي يمثّل 93 منظمة نقابية في 41 دولة أوروبية، إن العمال «يرفضون دفع ثمن حرب دونالد ترامب في الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «المسيرات الأخيرة تُظهِر أن العمال لن يقفوا مكتوفي الأيدي فيما يرون وظائفهم ومستويات معيشتهم تُدمَّر».

 

ما ميّز يوم العمال هذا العام هو تداخل الشعارات الاجتماعية الداخلية مع الشعارات السياسية الخارجية، إذ لم يعد يوم العمال مناسبة مطلبية محلية فقط، بل مناسبة لربط النضال العمالي بالتضامن الدولي مع قضايا الشعوب المظلومة، وحسب الشعارات التي ترددت تشير إلى أن العدالة والمساواة قضية إنسانية واحدة في كل أنحاء العالم.  تظاهرات يوم العمال العالمي 2026 تشير إلى أن قضية العمال وفلسطين أصبحتا واحدة، وأن فلسطين كانت الحاضر الأكبر في احتجاجات هذا العام وبقوة في يوم العمال. وبدت أشكال التضامن العمالي مع القضية الفلسطينية في هذا اليوم في مشاهد قادمة من مختلف أنحاء المعمورة، ملفتة للنظر، حيث تجمّعت بكثافة جماهير النقابيين والعمال والشباب ومن مختلف الأعمار، يعتمرون الكوفية، ويرفعون الأعلام الفلسطينية، ويعرضون الرموز الفلسطينية، لم تقتصر الفعاليات على التضامن، بل حملت أيضاً انتقادات مباشرة لمواقف الحكومات وسياسة المعايير المزدوجة التي تقف في وجه معاقبة إسرائيل على جرائمها، وحملت تنديداً بالصمت غير المبرر تجاه ما يحدث، وهو ما دفع هذه الحشود للنزول إلى الشارع، وجعل فلسطين قضية مركزية في تحركات هذا العام. يمكن تلخيص شعاراتهم باللافتات التي يحملونها والهتافات التي يرددونها وتتضمن عبارات التنديد بحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وسط انتقادات حادة للمجازر والعمليات العسكرية في غزة، رأى متظاهرون في عدد من الدول أن الموقف الرسمي لا يعكس القيم الحقوقية التي ترفعها البلاد. يأتي هذا الحراك في سياق ضغط نقابي مستمر في أوروبا، تطالب فيه العديد من النقابات بوقف إطلاق النار، وإنهاء تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وكسر الحصار عن قطاع غزة، ووقف الانتهاكات في الضفة الغربية. وقد أضرب عمال العديد من الموانئ الأوروبية احتجاجاً على الحرب، وسعت نقابات عمالية إلى منع شحنات أسلحة إسرائيلية من المرور، مما دفع إيطاليا إلى إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع إسرائيل، بعد أن شهدت روما ومدن أخرى إضرابات وتظاهرات نظمتها نقابات عمالية تنديداً بالعمليات العسكرية في غزة، والانتهاكات في الضفة الغربية. ربطاً بمطالبتها حكوماتها بوقف التعامل التجاري مع إسرائيل، وبرز انقسام أوروبي بين دول تضغط لاتخاذ مواقف حازمة وأخرى ترفض ذلك. حيث طالبت 9 دول في الاتحاد الأوروبي بوقف التعاون التجاري مع إسرائيل، في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المنعقد الثلاثاء 21 نسان/ابريل، على خلفية الحرب في قطاع غزة والانتهاكات في الضفة الغربية.

 

بينما عملت الحكومة البريطانية على حظر تضامن العمال مع فلسطين تحت قوانين مكافحة الإرهاب، وطالت الاعتقالات عدداً من الناشطين، رغم ذلك استمرت الفعاليات التضامنية مع فلسطين في سياق عيد العمال، بالربط بين النضال من أجل الحقوق الاجتماعية، وشعارات رفع الظلم الواقع على الفلسطينيين.

 

في الولايات المتحدة، شهدت فعاليات يوم العمال 2026، حضوراً قوياً وتضامناً متزايداً مع فلسطين، رُفعت أعلام فلسطين ولبنان، تطالب بوقف العدوان، والتوقف عن تمويل الاحتلال ورفض استخدام أموال الضرائب الأميركية في تمويل الحرب تحت شعارات «لا أموال للحروب». شاركت مجموعات نقابية في مسيرات يوم العمال، حاملة شعارات مناهضة للإمبريالية ومؤيدة لفلسطين. وشهد عيد العمال مسيرات ضخمة في مانهاتن بمدينة نيويورك، نظمتها حركات عمالية داعية إلى الضغط على الشركات والمؤسسات التي تربطها علاقات مع الاحتلال، وحظر الأسلحة عن إسرائيل.

 

تحوّل الاحتفال بيوم العمال إلى يوم نضال سياسي ونقابي معاً، تصدّرت فلسطين المسيرات العمالية كرمز للعدالة في وجدان المشاركين، وكأنها تتحول من قضية مركزية للعرب إلى قضيةً مركزيةً للطبقة العاملة، في كل مكان توجد فيه حركة عمالية تنادي بالعدالة وتطالب بالحقوق سواء كانت مطلبية نقابية محلية أو مطالب وطنية فلسطينية تدور حول تقرير المصير والاستقلال. تصبح القضية الفلسطينية قضية عالمية تتجاوز حدود الجاليات، وتعبّر بوضوح عن تضامن عابر للجنسيات، أيار العمال وأيار النكبة مناسبتان تعززان الرواية الفلسطينية وتواجهان السردية الصهيونية حول النكبة في إطار وحدة النضال ضد الإمبريالية والاستعمار.