
كلمة حق بحق الدكتور ضياء العوضي
د. عامر ملوكا
برز اسم الدكتور ضياء العوضي كواحد من أكثر الشخصيات الطبية اثارة للنقاش في العالم العربي، ليس لأنه طبيب فقط، بل لأنه قدم خطابا مختلفا استطاع ان يصل الى الناس بلغة بسيطة وقريبة من حياتهم اليومية. وبين مؤيد يراه صاحب مشروع صحي حقيقي، ومعارض يعتبر بعض طروحاته مبالغا فيها، تبقى الحقيقة ان الرجل نجح في اعادة فتح ملف مهم جدا: علاقتنا بالغذاء ونمط حياتنا الحديث.
لا شك ان الدكتور العوضي لم يكن طبيبا تقليديا بالمعنى المعتاد، بل شخصية اكاديمية حاولت تجاوز حدود التخصص الضيق نحو فهم اوسع لصحة الانسان. ففي الوقت الذي يكتفي فيه كثير من الاطباء بما درسوه في سنوات الجامعة، هناك قلة تستمر في البحث والتطوير وربط العلوم ببعضها، وكان العوضي من هذه الفئة. فقد امتلك اهتماما واضحا ودقيقا بالكيمياء الحيوية وعلوم التغذية والايض، وظهر ذلك في طريقة تحليله ومحاولته تفسير الامراض من منظور اشمل يتجاوز وصف الدواء التقليدي.
ومن الناحية الفكرية، فان القدرة على الربط بين الطب والتغذية والهرمونات والتمثيل الغذائي تعد نقطة قوة حقيقية، لان جسم الانسان منظومة مترابطة وليست اعضاء منفصلة. وربما لهذا السبب وجد كثير من الناس في طرحه شيئا مختلفا عن الخطاب الطبي الكلاسيكي الذي يركز احيانا على علاج الاعراض أكثر من معالجة نمط الحياة نفسه.
كما لا يمكن تجاهل حضوره الانساني والاعلامي؛ فقد امتلك قدرة واضحة على الاقناع والتأثير، وكان يتحدث بثقة وقناعة جعلت المتلقي يشعر بانه يؤمن فعلا بما يطرحه. وهذا الحضور لعب دورا كبيرا في انتشاره الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في زمن يبحث فيه الناس عن اجابات بسيطة لمشاكل صحية معقدة.
ومن الطبيعي ايضا ان تثير الشخصيات المؤثرة الجدل، خصوصا عندما تمزج بين العلم والخطاب الاجتماعي او الديني. فالبعض رأى ان ادخال البعد الديني في بعض الطروحات يسهل وصول الفكرة الى الناس، بينما اعتبر اخرون ان العلم يجب ان يبقى منفصلا عن اي خطاب عاطفي او ديني. ومع ذلك، يبقى من الواضح ان العوضي استطاع بناء مدرسة فكرية غذائية لها جمهور واسع ومؤمنون كثيرون وخاصة بعد رحليه الذي تنبأ به.
وهنا نصل الى جوهر القضية: “نظام الطيبات”.
اهم ما يحسب لهذا النظام انه اعاد الناس الى التفكير في جودة الطعام، بعد عقود من هيمنة الاطعمة المصنعة والسكريات والدقيق الابيض والوجبات السريعة. لقد اعاد التذكير بحقيقة قديمة لكن جوهرية: الانسان يأكل ليعيش، لا يعيش ليأكل.
كما ان تشجيعه على تقليل عدد الوجبات الى وجبتين، واعطاء الجسم فترات راحة عبر الصيام المتقطع، ينسجم جزئيا مع بعض الدراسات الحديثة التي تشير الى فوائد محتملة للصيام في تحسين حساسية الانسولين وتنظيم عمليات الايض وتقليل الالتهابات لدى بعض الاشخاص.
كذلك فان تحذيره من الافراط الدقيق الابيض وكل مشتقاته ليس بعيدا عن التوصيات العلمية الحديثة، فهذه الاطعمة عالية المعالجة ترتبط فعلا بزيادة السمنة واضطرابات الايض وارتفاع احتمالية الاصابة بالسكري وامراض القلب عند الافراط المستمر في تناولها.
لكن في المقابل، تكمن الاشكالية الاساسية احيانا في طريقة تقديم الفكرة، لا في اصل الفكرة نفسها.
فنظام “الطيبات” يقوم على تقسيم الغذاء الى “طيب” و“خبيث”، بينما العلم الحديث لا ينظر الى الطعام بهذه الثنائية الحادة. جسم الانسان أكثر تعقيدا من ان يختزل في قائمة ممنوعات ومسموحات مطلقة. فالتغذية علم يعتمد على التوازن والاعتدال والاحتياجات الفردية، لا على التصنيفات القطعية.
الحقيقة العلمية الاهم هي ان المشكلة غالبا ليست في المادة نفسها، بل في الافراط وسوء الاستخدام.
حتى المواد المفيدة قد تصبح ضارة اذا تجاوزت حدود الاعتدال. والسكر مثلا ليس “سما” بالمعنى المطلق، لكنه يتحول الى مشكلة حقيقية عندما يصبح اساس النظام الغذائي اليومي. والدهون ليست كلها ضارة، بل ان بعضها ضروري للحياة، لكن الافراط والاختلال في التوازن هو ما يصنع المرض. وحتى الكحول القليل منه مفيد للصحة والدورة الدموية، ولكن الإدمان وشرب كميات كبيرة وبعد سنين يصل الكبد الى مرحلة التعب والعجز في معالجة الكميات الكبيرة ولسنين طويلة.
اما التدخين، فهنا يختلف الامر؛ اذ ان ضرره مثبت علميا بشكل قاطع، ولا توجد ادلة علمية حقيقية تدعم فكرة وجود فوائد صحية له، ولذلك تبقى هذه النقطة محسومة علميا بعيدا عن الجدل.
ومن القضايا التي اثارت نقاشا ايضا موقفه من الدجاج والبيض. وهنا من المهم التفريق بين “الغذاء الطبيعي” و“طرق الانتاج الصناعية الحديثة”. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في البيض او الدجاج بحد ذاتهما، بل في التحول الضخم نحو الانتاج المكثف والاعلاف الصناعية والنمو السريع غير الطبيعي. لكن اذا وسعنا النظرة قليلا سنجد ان معظم غذاء العصر الحديث، نباتيا كان ام حيوانيا، خضع بدرجات مختلفة للتصنيع والتعديل، وبالتالي لا يمكن اختزال المشكلة في نوع واحد فقط. وكما نعرف ان أسعار اللحوم والفواكه العضوية يصل الى خمسة اضعاف أسعار الأغذية الغير عضوية او المعرضة للهرمونات والكيمياويات.
الخضروات ليست دواء سحريا، وليست سما قاتلا.
الافضل هو:
• التنويع
• الاعتدال
• اختيار الطبيعي قدر الامكان
• غسل الخضروات جيدا
• وعدم تحويل الغذاء الى حالة خوف او تطرف
وجسم الانسان غالبا يستفيد من الخضروات عندما تكون جزءا من نظام غذائي متوازن يشمل البروتين والدهون الصحية والكربوهيدرات الطبيعية والنشاط البدني.
ومن اقوى النقاط التي ركز عليها العوضي قضية الدقيق الابيض، وهي بالفعل من اكثر النقاط التي تحظى بقبول علمي. فالدقيق المكرر فقير بالألياف، سريع الامتصاص، ويرفع مستوى السكر في الدم بسرعة، كما يرتبط الافراط في تناوله بالسمنة واضطرابات الايض. لذلك فان تقليل المعجنات والمخبوزات المصنعة والمكرونة البيضاء قد يكون خطوة صحية ايجابية لكثير من الناس.
وفي المقابل، فان الحبوب الكاملة والارز ومصادر الكربوهيدرات الاقل معالجة تعد خيارات أفضل نسبيا عند تناولها باعتدال. ونلاحظ ان كثيرا من الشعوب الاسيوية تعتمد على الارز بشكل اساسي، ومع ذلك تتمتع بمعدلات جيدة من الصحة ومتوسط العمر، لكن ذلك لا يعود الى الارز وحده، بل الى نمط حياة أكثر حركة، وكميات طعام معتدلة، واعتماد اقل على الاغذية فائقة التصنيع.
كما يجب النظر الى الواقع الاقتصادي والاجتماعي؛ فليس كل الناس قادرين على شراء المنتجات العضوية او اتباع انظمة غذائية مكلفة. لذلك فان الحل الواقعي لا يكمن في المثالية المطلقة، بل في تحسين الخيارات المتاحة قدر الامكان.
ولهذا يمكن اختصار الفكرة الصحية المتوازنة في مبادئ بسيطة:
✔ تقليل السكر والاطعمة فائقة التصنيع
✔ التقليل من الدقيق الابيض ومشتقاته
✔ تناول الطعام الطبيعي قدر الامكان
✔ الاعتدال في الكميات
✔ الحفاظ على النشاط البدني والنوم الجيد
✔ تجنب الافراط حتى في الاطعمة المفيدة
ان فكرة “النظام الغذائي السحري” الذي يناسب جميع البشر تتعارض مع ابسط الحقائق العلمية المتعلقة بطبيعة جسم الانسان. فالبشر ليسوا نسخا متطابقة، بل يختلفون وراثيا وهرمونيا وبيئيا وحتى في طريقة استجابة اجسامهم للطعام نفسه. وما قد يكون مفيدا لشخص، قد لا يعطي النتيجة ذاتها لشخص اخر.
فالاختلاف يبدأ من الجينات. هناك اشخاص يستطيعون تناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات دون زيادة واضحة في الوزن، بينما يعاني اخرون من ارتفاع سريع في السكر او السمنة عند تناول الكمية نفسها. وبعض الناس يمتلكون قدرة أفضل على حرق الدهون، في حين ان اخرين تتأثر اجسامهم سلبا بالدهون العالية.
كما تختلف حساسية الانسولين من انسان لأخر. فهناك من يبقى مستوى السكر لديه مستقرا رغم تناول النشويات، بينما يعاني اخرون من مقاومة انسولين تجعل اجسامهم أكثر عرضة للسكري وتراكم الدهون حتى مع كميات معتدلة من الطعام.
وهناك ايضا اختلافات مرتبطة بالجهاز الهضمي والبكتيريا النافعة الموجودة في الامعاء. فقد اكتشفت الدراسات الحديثة ان “الميكروبيوم” يلعب دورا كبيرا في طريقة هضم الطعام والاستفادة منه وحتى في الشهية والمناعة والحالة النفسية. ولهذا قد يتفاعل شخصان بشكل مختلف تماما مع الغذاء نفسه.
ومن الامثلة الواضحة على اختلاف البشر تجاه الاغذية:
• بعض الشعوب الاسيوية تعتمد منذ قرون على الارز والكربوهيدرات وتتمتع بصحة جيدة نسبيا بسبب طبيعة جيناتها ونمط حياتها النشط.
• بعض الشعوب الشمالية اعتادت تاريخيا على اللحوم والدهون الحيوانية بسبب البيئة الباردة وقلة الزراعة.
• هناك اشخاص لا يستطيعون هضم اللاكتوز الموجود في الحليب، بينما يتحمله اخرون بسهولة.
• البعض يعاني من حساسية تجاه القمح او الغلوتين، بينما لا يواجه ملايين الناس اي مشكلة معه.
حتى العمر والجنس والحالة النفسية والنشاط البدني تؤثر في احتياجات الجسم الغذائية. فالطفل ليس كالمسن، والرياضي ليس كالشخص قليل الحركة، والمرأة تختلف هرمونيا عن الرجل في بعض الاحتياجات الغذائية.
ولهذا فالعلم الحديث لا يتعامل مع التغذية على انها “قائمة مقدسة” تصلح للجميع، بل يتجه اكثر نحو مفهوم “التغذية الشخصية” او Personalized Nutrition، اي تصميم النظام الغذائي بحسب طبيعة كل انسان وحالته الصحية ونمط حياته.
ومن هنا تظهر مشكلة بعض الانظمة الصارمة التي تقدم نفسها كحل نهائي لكل البشر. فنجاح نظام غذائي مع مجموعة من الناس لا يعني بالضرورة انه سيكون مثاليا للجميع. قد ينجح شخص في خسارة الوزن وتحسين صحته عبر تقليل الكربوهيدرات، بينما يشعر اخر بالتعب او اضطراب التركيز عند تطبيق النظام نفسه.
ورغم كل الجدل، يبقى من المهم الاعتراف بان عددا كبيرا ممن اتبعوا بعض افكار الدكتور العوضي تحدثوا عن تحسن واضح في الوزن والنشاط والطاقة العامة ونمط حياتهم الغذائي. وهذا قد يعود في جزء كبير منه الى تقليل الطعام المصنع والافراط الغذائي، وهي خطوات يتفق العلم اصلا على فائدتها.
وفي النهاية، ربما لا يكون “نظام الطيبات” الحقيقة الكاملة، لكنه ايضا ليس خاليا من الافكار الصحيحة. فهو خليط من ملاحظات ذكية ومفاهيم مفيدة، يقابله احيانا شيء من التعميم او المبالغة.
اما الحقيقة التي يكاد يتفق عليها معظم العلماء والاطباء، فهي ان صحة الانسان لا يصنعها نظام صارم واحد، بل يصنعها توازن طويل المدى بين الغذاء، والنشاط، والنوم، والحالة النفسية، وطبيعة الحياة اليومية.
